الخضر

من المعروف أن المؤرخين اختلفوا في حقيقة الخضر عليه السلام (الذي سمي كذلك لأن
ما حوله كان يخضر حين يناجي ربه).. وقد توسع ابن كثير في كتاب البداية والنهاية في
هذا الموضوع وسرد آراء كثيرة بخصوص هويته واختلاف العلماء حوله. فمنهم من قال أنه
رجل صالح، ومنهم من قال إنه ملك، ومنهم من قال إنه كان قائداً لذي القرنين، في حين
قال آخرون إنه ابن مباشر لآدم عليه السلام وهبه الله الخلد والعمر الطويل.. غير أن
أكثر العلماء رجحوا أنه كان نبياً صالحاً لأنه غلظ في القول على موسى (رغم مكانته
بين الأنبياء) ولأنه تحدث كنبي يوحى إليه كما يتضح من قوله تعالى {فأراد ربك أن
يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما} فكيف عرف بمراد ربه لو لم يوحَ إليه.
.. على أي حال؛ ما يهمنا اليوم هو أن معظم الآراء أشارت الى عيش الخضر لقرون طويلة
(بفضل دعوة أبيه آدم - أو كما قيل - بعد شربه من عين الحياة).. فقد جاء مثلاً أنه
الرجل الصالح الذي أخبر الرسول بأنه سيخرج لمواجهة الدجال في آخر الزمان. وفي حديث
رواه البيهقي أن رسول الله لما توفي دخل عليه رجل جسيم أبيض اللحية بكى عند رأسه ثم
انصرف فقال الصحابة لبعضهم: أتعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي: هو أخو رسول الله
الخضر عليه السلام.. ومع أن البخاري أنكر هذا الحديث إلا أنه جزم ببقاء الخضر حياً
حتى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما سر عمره الطويل فقيل لأن آدم لما حانت وفاته طلب من أبنائه أن يدفنوه في أرض
بعيدة موحشة ودعا لمن يفعل ذلك بطول العمر. وحين مات خاف أبناؤه من دفنه هناك إلا
الخضر فأصابته دعوة أبيه آدم.. وهناك رواية أخرى ذكرها ابن عساكر أن ذا القرنين كان
له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل فسأله هل تعلم في الأرض عيناً يقال لها «عين
الحياة» فدله عليها. ثم جعل الخضر في مقدمة جيشه فاهتدى للعين وشرب منها في حين لم
يشرب منها ذو القرنين.
هذه الصفة التي التصقت بالخضر (وأعني بها الخلود وطول العمر) قد تكون الأساس الذي
تشعبت منه أسطورة عين الحياة أو ينبوع الشباب.. فهذه الأسطورة تجدها في كل الثقافات
العالمية كتعبير عن حلم الإنسان بالخلود وبقاء الشباب الى الأبد. فالرومان مثلاً
كانوا يعتقدون أن «عين الحياة» توجد في الهند، وكان الهنود يعتقدون أنها في التيبت،
وهنود المكسيك يعتقدون أنها في جزر البهاما. وحين اكتشف كولومبس جزر الكاريبي
انتشرت شائعة في أوروبا مفادها أن كولومبس اكتشف عين الحياة في الأراضي الجديدة.
وحين وصل المستكشفون الأسبان الى البيرو دهشوا حين عرفوا أن الهنود الحمر يصدقون
بوجودها أيضاً. وحين سمع القائد خوان بونس أنها في فلوريدا ذهب اليها ولكنه وجد
ينبوعا عادياً ما يزال يسمى باسمه (ويوجد حالياً بمنتجع سانت أوغسطين)!!.
وبدون شك تستمد هذه الخرافة قوتها وشعبيتها من آمالنا (نحن) في الخلود والبقاء
شباباً للأب