الصحافي الأميركي أندرسن,يتذكر أيام اختطافه

تيري أندرسن، اسم مرادف لأزمة الرهائن التي عرفها لبنان في
الثمانينات من القرن الماضي. فقد كلف عام 1982 بصفته مراسلا
لوكالة «أسوشييتد برس» لتغطية الحروب المتعددة التي كان يعيشها
اللبنانيون، وبعد ثلاثة أعوام من بدأ مهمته، خطف من سيارته تحت
تهديد السلاح. كان ذلك في 16 مارس (آذار) 1985. وأفرج عنه عام
1991. وبعد خروجه ألف كتابا عن تجربة الخطف والأسر اسمه «عرين
الأسود». ذكر في كتابه أنه اختطف صباح يوم سبت عندما كان متوجها
لممارسة لعبة التنس، وحشر في أرضية سيارة الخاطفين. قال: «كنت
مسجى تحت بطانية وقدم أحد الخاطفين على ظهري وبندقيته مغروسة في
رقبتي، سمعت أحد الخاطفين يقول لي بالإنجليزية: لا تقلق، خطفك
متعلق بموضوع سياسي. لم تكن كلماته مطمئنة. كما تعلمون، لو كان
الخاطفون يرغبون في بعض المال لكانت المسألة غير معقدة. لكن إذا
كانت القصة متعلقة بالسياسة، فأنا في ورطة كبيرة».
كان ينقل من مخبأ إلى آخر، معصوب العينين، مقيد الساقين. هدده
خاطفوه بقتله إذا حاول إزالة العصبة عن عينيه. قدموا له الخبز
والماء فقط، وأحيانا قطعة من الجبن. كان معه رهائن آخرون. كانوا
جميعا مقيدين إلى الأرض بالسلاسل. يقدّر أندرسن أنه نقل مع
الرهائن الآخرين خمسا وعشرين مرة. ضغطوا في مساحات ضيقة تحت
مقاعد الشاحنات التي سارت بهم لساعات، وهم يستنشقون دخان عادم
المركبات. في كل واحدة من هذه الرحلات الخمس والعشرين كانوا
يخشون أن يكونوا متوجهين إلى حيث سيتم تنفيذ حكم الإعدام فيهم.
كان أندرسن آخر الذين أطلق سراحهم. ويوم الإفراج عنه، نقل في
سيارة بعد حلول الظلام، معصوب العينين، إلى حيث تسلمه جنود
سوريون. توجهوا به إلى دمشق، حيث كان لمّ الشمل مع زوجته (آنذاك)
اللبنانية، مادلين بعد 2454 يوما. اجتمع أيضا بابنته، سيلوم ـ
تريزيا، للمرة الأولى. عندما خطف، كانت زوجته في الخامسة
والثلاثين وحاملا في شهرها السابع. بعد استعادته حريته، عاد
أندرسن إلى لبنان أكثر من مرة، لأنه يحب هذا البلد، ربما لأن
زوجته لبنانية أو لأنه يحب «القهوة اللبنانية». يزعجه أن بعض
المقاهي والمطاعم في شارع الحمراء استبدلوها بالقهوة السريعة
التحضير. أو بكل بساطة لأن هذا البلد الذي عاش حروبا أهلية هدمت
مرافقه وقتل كثير من أبنائه وشرد الكثير، استطاع أن يستعيد
حيويته وعافيته ويعيش في سلام، ولو أنه يجد أن هذا السلام لا
يزال هشا. وربما عاد لأنه كان يبحث عن السلام مع ماضيه. «الشرق
الأوسط» التقت أندرسن وحاورته عن «تجربته اللبنانية»، فحاول بادئ
الأمر تجاهل الموضوع، وقال: «استعدت حريتي منذ 17 عاما. وهذا زمن
بعيد». إلا أنه سرعان ما استرسل في استعادة هذه التجربة ليقول
إنه كان يتعامل مع الأحداث التي كانت تجري في هذا البلد ليخبر
العالم بما يحصل في بيروت، سواء بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل
أو الصراعات بين الطوائف اللبنانية أو بين اللبنانيين
والفلسطينيين أو الفلسطينيين فيما بينهم. كما أنه كان يعلم أن
عمله مقرون بالخطر. ففي تغطية الحروب تصبح الصحافة عملا خطيرا.
وأضاف: «عندما احتدمت الأوضاع في لبنان سألتني إدارتي إذا كنت
أرغب في الرحيل لأن من الأفضل لي أن أترك بيروت. لكني فضلت
البقاء مع عدد قليل من زملائي الصحافيين الأجانب. كنت أعتبر أن
ما يحصل يستحق التغطية». ليستدرك ساخرا: «ربما بقيت أكثر من
اللازم».
* ألم تكن تشعر بالخطر الذي يهدد الصحافيين الأجانب في لبنان؟ ـ
لا علاقة لخطفي بعملي الصحافي. والأحداث التي كنت أنقلها إلى
العالم لا تنال من أي طرف، تحديدا الطرف الذي اختطفني. فأنا كنت
أغطي الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وهذا الأمر كان لمصلحة
اللبنانيين عموما وأهل الجنوب اللبناني تحديدا. حتى إن اللوبي
اليهودي في الولايات المتحدة وضع اسمي على لائحته السوداء
(AIPAC). لكن ذلك لم يكن مهما. المهم أنني أميركي وأتجول من دون
حماية أو مرافقين. والاهم أنهم يصنفون جميع الأميركيين جواسيس.
* من هم هؤلاء؟
ـ أنتم تعرفون من هم. حزب الله، وتحديدا عماد مغنية (المسؤول في
حزب الله الذي اغتيل في مارس (آذار) 2008 في دمشق). نفى الأمين
العام لحزب الله حسن نصر الله ذلك أثناء مقابلة أجريتها معه عام
1995. إلا أنني سألته: لماذا تم اختطافنا؟ فأجابني: هذه أمور
تحصل في الحروب. وأنا أوافق نصر الله على أن هذه الأمور تحصل
خلال الحروب. ولا شك لدي أن حزب الله هو من اختطفني. المؤسف أن
غالبية الأجانب الذين اختطفوا كانوا يعملون لمصلحة الشيعة في
لبنان. منهم عميد كلية الزراعة في الجامعة الأميركية طوماس
ساذرلاند الذي كان يسهل أمور الطلاب الشيعة. ومنهم أيضا القس
بنجامين وير، الذي كان يقوم بأعمال خيرية في الجنوب اللبناني،
كذلك الأب مارتن جينكو الذي كان يساعد الشيعة وغيرهم بالمال من
خلال مؤسسة خيرية ومن دون أي تفرقة مذهبية أو طائفية. عندما أجرى
أندرسن مقابلته الشهيرة مع نصر الله، سأله إذا كان يعتبر أن
الاختطاف خطأ أم صوابا. أجاب نصر الله في حينه: «لا أقول إنها
كانت أساليب جيدة أم لا. هذه الإجراءات كانت على المدى القصير
ولأهداف قصيرة الأجل، وأرجو أن لا يتكرر الأمر». وعندما ألح
أندرسن بسؤاله: «هل يمكنكم أن تقولوا صراحة، إن هذا كان خطأ أو
صوابا؟» اكتفى نصر الله بالرد قائلا: «لا أستطيع تقديم مثل هذا
الحكم المطلق». لكن أندرسن أطلق حكمه. وجزم بأن عماد مغنية هو
خاطفه. لماذا؟
ـ لأني صحافي. وبعد استردادي حريتي أجريت تحريات واستقصاء لمدة
سنة ونصف السنة حتى حصلت على أسماء تسعة أشخاص ينتمون إلى الجهاد
الإسلامي كانوا من المشاركين في اختطافي وكان اسم مغنية بينهم.
ولدى سؤاله عن هوية الثمانية الآخرين، قال: «أنا صحافي ولست
غبيا. لن أعرض نفسي للخطر».
* هل تستحق التغطية الميدانية التعرض لخطر الاختطاف والاحتجاز
طوال سبعة أعوام وانتظار مصير مجهول؟
ـ لم يقتصر الاختطاف علينا كأجانب. فقد اختطف أيضا عدد كبير من
اللبنانيين خلال الحرب الأهلية، ومروا بما مررنا به. إلا أن حظهم
كان أسوأ من حظنا لأن أحدا لم يسأل عنهم كما سألت عنا دولنا وسعت
إلى إنقاذنا. لا أريد أن أتذمر من هذه التجربة لأني تمكنت من
النجاة في حين لم يتمكن غيري من ذلك، فأنا لست أفضل من هؤلاء
الذين لقوا حتفهم. طبعا ليس سهلا أن يتعرض المراسل إلى مثل هذه
الأخطار التي قد تؤدي إلى الموت، لأنه حينها لن يتمكن من إكمال
القصة التي يعمل عليها. لكن ما يجري يستحق أن يخاطر الصحافي
لينقله، شرط أن يعود ويروي تغطيته للأحداث. أحيانا يكون الأمر
صعبا، فقد قتل 730 صحافيا خلال العقد الماضي أثناء قيامهم
بعملهم. كما قتل 17 صحافيا منذ 18 شهرا حتى تاريخه،لأنهم يعملون
في هذه المهنة، وتوفي 14 آخرون. ولا نعرف إذا ما كان موتهم
لأسباب سياسية أو غير ذلك. كذلك اعتقل 134 صحافيا ولا يزالون في
السجون. كما أن كثيرا من الإعلاميين تعرضوا إلى النفي في أرجاء
العالم. لا تسأليني إذا ما كان الأمر يستحق، لأني سأسألك حينها
لماذا تتابعين العمل كصحافية أنت وغيرك من الزملاء؟ كلنا نعرف أن
بقاء الصحافيين على قيد الحياة أو في أمان عندما يعملون في مناطق
متوترة ليس أمرا محسوما. وكلنا نعرف أن من يسعى إلى مجتمع حر يجب
أن يؤمن بالصحافة الحرة. وبالتالي من يعتدِ على الصحافيين يعرف
جيدا هذه المعادلة. ولا يقوم بالاعتداء للتسلية. فالمعتدون
يعرفون جيدا أنهم لن يستطيعوا استغلال الشعوب إلا إذا أخرسوا
الصحافة. والصحافي هو دائما الهدف الأسهل.
*كيف مرت هذه الأعوام السبعة؟
ـ كان فيها كثير من الضجر. لكن في العامين الأولين كان الوضع
صعبا. تعرضت إلى التعذيب والضرب. كنت دائما معصوب العينين عندما
كانوا يحققون معي. لم أستطع رؤية وجوههم. أما السنتان الأخيرتان
فقد كنت أعيش فيهما انتظارا لا أعرف كيف سينتهي.
* كيف تقرأ هذه التجربة بعد مرور الزمن؟
ـ أعرف أني لم أختطف لأسباب دينية، إنما لأسباب سياسية وحسابات
خاطئة. هناك كثير ممن ماتوا وفقدوا، وبينهم أجانب. صعب أن نفهم
السبب، خاصة أن الخاطفين كانوا يؤدون صلاتهم خمس مرات كل يوم
باسم الرحمن الرحيم. لكن ما قاموا به لا علاقة له بالإسلام.
والإسلام ليس الدين الوحيد الذي يستغله البعض ليبرر هذه
الأساليب. المسألة ليست مسألة دين. قبل اختطافي كنت قد تلقيت
هدية من زوجتي اللبنانية، سلسلة ذهبية فيها رمز الصليب وحفر على
الذهب آية من القرآن، لأنها كجميع اللبنانيين تحب الذهب، ولأنها
من أم مسلمة وأب مسيحي. حينها سألني أحد الخاطفين إذا كنت مسلما،
أجبته بالنفي وأوضحت له أن السلسلة وما فيها هدية من خطيبتي.
فعاد إلى السؤال إذا ما كانت مسلمة. أيضا كان جوابي النفي. كثف
الخاطف أسئلته ليعرف سبب امتلاكي لهذه الحلية، فأجبت: لأن فيها
كلام الله. وكلام الله جميل ولا سبب يمنعني من الاحتفاظ بها.
فصمت ولم يكن لديه أي تعليق.
* هل أعادوا السلسلة إليك؟
ـ (يضحك) بالطبع لا. خلال سبعة أعوام تضيع الأشياء. إلا أن
الخاطفين أعطوني كتاب الإنجيل لأقرأه. ولا أزال احتفظ به حتى
تاريخه. وأذكر أن أحد حراسي كان مؤمنا وملتزما وفي التاسعة عشرة
من عمره ويجيد الفرنسية. وكان يطلب مني أن أترجم له ما في
الإنجيل إلى الفرنسية، فكنت أفعل، فكان يقول لي: يمكن لهذه
النصوص أن تكون في القرآن. المعاني لا تختلف كثيرا. من هنا أعود
فأكرر أن الخطف لم يكن لسبب ديني، إنما لسبب سياسي بامتياز.
* لنعد إلى الحاضر. كيف تجد وسائل الاتصال التي يتم من خلالها
إيصال المعلومات في مناطق متوترة تتعرض للقمع، كما يحصل في إيران
حاليا مع «فيس بوك» و«تويتر» وغيرهما؟
ـ هذه الوسائل لا تسلب الصحافة موقعها، لكنها تساعد على نقل
معلومات تحرج الحكومات التي تقمع المواطنين وتسعى إلى إخراس
الإعلام أو تقييده. إلا أن شيئا لا يحل محل المراسلين الميدانيين
المهنيين والمتدربين. ومما لا شك فيه أن الإنترنت فتح صفحات كانت
مغلقة وساعد على إيصال معلومات لم يكن ممكنا أن تصل.
* ما سبب زيارتك لبنان الآن؟
ـ جئت بدعوة من «مؤسسة عصام فارس» التي قدمت منحة لتأسيس برنامج
لدورات في الصحافة الشرق أوسطية لطلاب الصحافة الأميركيين. الهدف
من هذه الدورات هو إعداد الصحافيين ليفهموا نظرة أهل المنطقة إلى
شؤون الشرق الأوسط ويحصلوا على وجهة نظر لا يمكنهم الحصول عليها
في الولايات المتحدة. وهذا أمر مهم، لأنه سيتيح لهم مقابلة
سياسيين ومتخصصين لبنانيين وسيتعرفون على البلد ومشكلات المنطقة
عن كثب. وسوف يعدون مشروعا صحافيا يترجم تجربتهم ويعرضونه على
مواقع إلكترونية وفي وسائل الإعلام. وستبدأ هذه الدورات في 2010
وتستمر ثلاث سنوات ومدة كل دورة خمسة أسابيع.(الشرق الأوسط)