أمة آثمة

 

 

و الإثم، يا سيدي، ليس الكفر بالله -سبحانه و تعالى-، لا و لا هو شتم عائشة -معبودة الجماهير -مع أننا يمكن لنا أن نجد من الفتاوى ما يثبت لنا أن حكم الشرع فيمن يشتم عرض عائشة (أو طولها) هو قطع الرأس، نقول:

هذا ليس الإثم كما نراه. ليس الإثم أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب، لكن الإثم كل الإثم هو ما نجد عليه حال هذه الأمة العربية -أو الأمم العربية، كي لا نغضب الرفاق القوميين، أو الشعوب العربية، كي يرضى عنا الرفاق الشيوعيون، أو أي تسمية شئت!

الإثم كل الإثم هو هذا الواقع الذي تراه حين تنظر لهذه البقعة الجغرافية التي تمتد من البصرة للدار البيضاء، فترى شعوبا فقيرة -كي لا نقول جائعة- جاهلة متخلفة. الإثم كل الإثم هو أن نرى شعوبا تبلغ نسبة الأمية في صفوفها 25%، و معدل وفيات الأطفال 30 بالألف (للتذكير: هاتان النسبتان في فرنسا هما على التوالي 2% و 5 بالألف).

و ما يثير غيظ الإنسان، كي لا نقول اشمئزازه، هو أن يرى من يعتز بهذا الإثم: فشعوب العربان، من عاربة و مستعربة و غيرها، و عوضا عن أن تلاحظ أنها غارقة في الوحل -كي لا نقول البراز- حتى أنفها، و عوضا عن أن تحاول أن تخرج و لو جزءا ضئيلا من رأسها من هذا الوحل -كي لا نقول البراز- تجدها تفاخر بما هي فيه من الإثم و تعتز به، حتى إنك لتتساءل إن لم تكن هكذا حالة لائقة بهكذا شعب.

يقول عمرو الخيّر
حين كنت طفلا، كانت أسرتنا تعيش في فقر مدقع. و حين أتحدث عن "فقر مدقع" فأنا أعني ذلك حرفيا: الفقر المدقع.
و الفقر ليس عيبا، إنما العيب، كل العيب، هو أن يرى الرجل أطفاله يعانون الجوع ثم لا يخرج على الناس شاهرا سيفه.

والدي الكريم فعل ما هو أفضل من الخروج على الناس شاهرا سيفه: لقد أرسلنا -إخوتي و أنا- للمدرسة فتعلمنا و حصلنا على أرقى الشهادات العلمية، و استعملنا شهاداتنا هذه خير استعمال فولت أيام الفقر بلا رجعة و لا أسف عليها، لعن الله(*) الفقر و أيامه!

ما يعنيني من ذكر هذه الحقيقة التاريخية المؤلمة و ذات المغزى (حتمذم) هو أن والدي تصرف كما يتصرف أي إنسان عاقل: حين تجد نفسك في ظروف صعبة فإنك تحاول أن تحسن ظروفك، لا أن تكابر و تعاند كي تبقى أبد الدهر في الوحل -كي لا نقول البراز!

و أتساءل:
لم يعجز الشعب العربي عن اتباع هذا الصراط المستقيم؟ لم نرى عند شعبنا العربي هذه المكابرة و المعاندة و الإعتزاز بما هم فيه من الإثم؟

عن الإختلاف بصفته حقا و واجبا....

لئن اتفقنا أن ما يعانيه الشعب العربي هو الإثم لا إثم يعلو عليه، فيمكن لنا أن نستنتج أن الحق و الخير و الجمال هو أمر مختلف. و يمكن لنا بداهة أن نستنتج أن كل ما يختلف عما شعبنا فيه لا يعدو أن يكون أحد اثنين: فإما هو إثم مكافئ لما فيه شعبنا، فهو لا يزيد الطين بلة، أو أنه خير و حق، فهو أفضل مما نحن فيه.

فيكون الإستنتاج البديهي: يجب علينا أن نأخذ بالمختلف، أيا كان هذا المختلف، فهو إن لم يكن أفضل مما نحن فيه فهو لن يكون أسوأ!

عن نوال السعداوي بصفتها مثالا...

فتأتي نوال السعداوي و تكتب كتابا مختلفا عما عهدناه من ثقافة الوحل -كي لا نقول ثقافة البراز- العربية: نعم، نوال السعداوي لا تحوقل و لا تبسمل و لا تفتي بقتل الكفار، إنها تكتب شيئا مختلفا...

فتثور ثائرة العربان و تحاربها!

عن سخريتنا بصفتها رقصة الطير مذبوحا من الألم...
فحين نرى ردود فعل العربان على نوال السعداوي -و حيدر حيدر، و مارسيل خليفة، و غيرهم... فلا نستطيع إلا أن نتساءل:
لاك يا أمة يغمرها الوحل -كي لا نقول البراز- حتى قمة رأسها، يعني الآن صارت نوال السعداوي هي مشكلة مشاكلكم؟
لاك يعني أنتم عشتم قبل نوال السعداوي و قبل كتابها إياه بمئات السنين، يعني لو كان فيكم خير لكنا رأيناه!
لكننا رأيناكم، رأينا وخمكم و تخلفكم و جهلكم... كي لا نقول جحشنتكم!
يعني كل هذا رأيناه قبل نوال السعداوي بوقت كبير... فإن كنتم ترغبون بالحفاظ عليه، فمعكم حق: حاربوا نوال السعداوي و أمثالها...

أما إن كان لديكم بقية من شرف، و تعريف الشرف عندنا هو أن يرغب الأب لأطفاله بحياة أفضل من الحياة -أخت الشرموطة- التي عاشها،
نقول:
إن كنتم تطمحون أن تعطوا أطفالكم حياة خير من الحياة المقرفة التي عشتموها و أجدادكم منذ مئات السنين، فدعوا نوال السعداوي و أمثالها من "المفسدين في الأرض"، دعوهم يتحدثون، فمهما كانت نتيجة حديثهم، فيستحيل أن تكون أسوأ -كي لا نقول أخرى- مما أنتجتموه أنتم و آباؤكم من قبل...

و لا حول و لا قوة إلا ببعض الكائنات الخرافية!