العملية رقم سبعة-من ملفات المخابرات(7)

حارسات الهيكل

الإخفاقات المتتالية لعملية تجنيد طيار عربي، أذهبت بروعة الحلم الذي راود الإسرائيليون والأمريكان كثيراً، وجعلت منه صورة باهتة المعنى مهتزة الملامح. بالرغم من ورود معلومات جديدة من بغداد، تفيد بأن العراقيين لم يكتشفوا بعد سر اغتيال الطيار شاكر، ولم تراودهم شكوك مؤكدة حول مقتل ضاحي في تكساس، بدليل أن طياري الميج 21 الذين كانوا بأمريكا، لم يحرموا من قيادة طائراتهم، أو يستبعدوا كاحتياطات أمنية الى قواعد أخرى بعيدة.

وفي غمرة صراعات مائير عاميت مع نفسه وافتقاده لصديقه العزيز جون ميكون ، وتصاعد حدة الخلافات مع إيسير هاريل، وصلت برقية مشفرة من أوروبا، تفيد بوجود طيار عراقي، يقضي أجازة ترفيهية بمفرده في فرانكفورت. فلم يجتاحه ذلك الإحساس الذي غمره من قبل، عندما أخبره جون ميكون بأمر الدورة التدريبية للطيارين العراقيين. وكل ما فعله عاميت، أنه كتب لمفرزة الموساد في أوروبا لعمل اللازم، وعدم إثارة مشكلات مع السلطات الأمنية في ألمانيا. ففضيحة اشتراك الموساد في قتل بن بركة، كانت ما تزال أصداؤها تتردد، وساءت بسببها العلاقات الفرنسية الإسرائيلية، بشكل حاد.

إلا أن ياكوف كاروز اعترض بشدة، وقال لعاميت إن ذلك يعرض رجالهم في أوروبا للخطر، إذا ما فشلوا في إنجاز المهمة، أو تخوّف الطيار العراقي وأبلغ الشرطة.

وفي اجتماع مصغر، اتفقت الآراء مجتمعة، على أن يغادر إسرائيل فريق عمل، يضم أمهر رجال الموساد، يستطيعون من هناك وضع خطة لتصيد الطيار السائح وإغراؤه بالمال، بناء على الظروف المتاحة، على أن يراعي تلاشي أية أخطاء، قد تنجم عنها أزمات هم في غنى عنها.

وغادرت تل أبيب فرقة العمليات الخاصة، لإنجاز المهمة السرية الدقيقة، ولأنها رغبة عليا، أحيط أعضاء الفريق علماً بأن نجاح العملية، سيحقق أقصى درجات الأمن والحماية لإسرائيل، وأنهم يأملون في ذلك مهما تكلفوا من أموال، وتولى كاروز مسؤولية عمل الفريق ومتابعته في تل أبيب.

أفادت التقارير التي وردت من فرانكفورت، أن الطيار العراقي يستمتع بأجازته الى حد الهوس، ويقضي غالبية وقته ما بين البارات، وبين الشوارع المشهورة ببيوت الدعارة، كما لوحظ إهماله للمحاذير المتعارفة لحماية أمنه الشخصي، ففي حالات سُكْره لا يتورع عن المباهاة بوضعه كطيار حربي، وسرد أسرار عسكرية هامة تمس سلاح الطيران العراقي، وقادته، مما أثار انتباه رجال السافاك في ألمانيا، الذين بدأوا يحومون حوله.

ملحوظة أخرى هامة تضمنها التقرير، تشير الى ولع الطيار العراقي بالنساء، وسلوكه الغريب نحوهن، إذ لا يصادق فتاة يوماً بأكمله، لأنه يهوى التنوع، ويفضل الفتيات النحيلات ذوات الصدور النافرة.

معلومة كهذه لا يمكن لرجل استخبارات ملاحظتها، إلا إذا كان واسع الخبرة فائق الذكاء. فرجل عادي لو أتيح له أن يكتب تقريراً كهذا، لأوضح أن فلاناً متعدد العلاقات، أو دائم البحث عن فتيات جديدات، أو لا يفضل الاحتفاظ بعلاقات نسائية طويلة.

وفي عالم المخابرات والجاسوسية، يهتم الخبراء بأبسط التفاصيل وأقلها، ففيها مفاتيح تحليل الشخصية، وإجابة عن السؤال الهام: كيف سيتم التعامل مع شخص كهذا. . ؟وما هي رخصة اقتحام ذاته من الأغوار . . ؟ لقد كان الطيار العراقي إذن من مدمني الخمر والنساء، وهذا النوع من الرجال يسهل احتوائه، والسيطرة عليه، بواسطة فتاة رائعة الأنوثة والإثارة، تفوق جملة ما عرفهن من قبل.

إن تاريخ اليهود القديم مليء بقصص الجاسوسية التي حفلت بالجنس، ودور المرأة في العمليات السرية التي خدمت أهدافهم ومصالحهم، ومنذ قامت الموساد عام 1937 اعتمدت عمل المرأة بجسدها، وأقامت لذلك مدرسة خاصة لتدريب فتياتها على فنون التجسس والسيطرة بالجنس، وأساليب تفكيك الإرادة لدى المطلوب تجنيدهم، وبرعت في ذلك نساء عديدات، كن العامل الأساسي لإنجاح عمليات الموساد في تصيد الجواسيس، وصنفن على أنهن دُرر "فدائيات نجمة داود"، و "حارسات الهيكل" .

وكان إيسير هاريل أول رئيس للموساد، يتوسع في استخدام النساء المدربات، للقيام بمهام تجنيد الخونة، معتمداً على نسوة جميلات ماهرات، آمنّ بأهمية العمل "المقدس" في سبيل إسرائيل.

ومن بعده جاء عاميت، الذي قال في ذلك: "نحن نستخدم النساء، ذوات الصفات الخاصة جداً، في المهام التي تستدعي ذلك، فالمرأة ذات فوائد عظيمة في عمل المخابرات، فهي لا تثير الشكوك حولها، ويوحي تواجدها مع زميل بأنهما زوجان أو عشيقان، فلا يجذبان انتباهاً في عمليات المراقبة".

ويضيف: "وتقوم الموساد باستخدام المرأة في نصب المصائد الجنسية، ولمرة واحدة فقط، أحياناً، حيث توظف الموساد الجنس كأهم الأسلحة في عملياتها السرية، وإنه لتصرف شائع، أن يتم استخلاص المعلومات من الجواسيس والمخبرين العرب، الذين تديرهم الموساد أو أمان، بأخذهم الى مكان هادئ، فيكافأون على عملهم بتوفير الفتيات لهم، ويتم تصوير ممارساتهم لاستخدام الصور للضغط الابتزازي، لضمان ولائهم لإسرائيل". !!!

ولا عجب أن تصل شهرة بعض نساء الموساد الى الآفاق، لإجادتهن فنون السيطرة، ونزف أجسادهن تضحية وحباً في أرض الميعاد. ومن أشهر هؤلاء النسوة المدربات المحترفات، يولاند هارمور التي ولدت في مصر، وسيلفيا رافائيل التي اشتركت في تعقب الفدائي الفلسطيني علي حسن سلامة، وكانت من بين المعتقلين من رجال الموساد في النرويج، إثر فضيحة ليليهامر في يوليو 1973.

أما شولا كوهين ، فكانت أسطورة الجنس بحق، إذ تمكنت بفضل جسدها المثير من تأسيس شبكة جاسوسية خطيرة في لبنان، وتستحق بلا مبالغة لقب "ماتاهاري" إسرائيل ، الى جانب هؤلاء كانت هناك أيضاً سارة أرونسون وليلي كاستيل ومئات الأسماء التي تزدحم بها ملفات جهاز المخابرات الإسرائيلي، لنساء يهوديات عملن بإخلاص لنصرة الصهيونية، وانتصرن في حروبهن على أسرِّة الخونة.

ترى من منهن أرسلت الى فرانكفورت، لإذابة الطيار العراقي محمد رغلوب . . ؟

صائد الغزلان

غادر صالة مطار فرانكفورت، وخرج من الباب الدوار المطل على الساحة، لتلفحه نتف الجليد المتساقطة، وبرودة الطقس التي سجلت ثلاث درجات تحت الصفر. وبإشارة سريعة توقف التاكسي، فترك السائق يعبئ حقائبه ودلف الى السيارة تصطك أسنانه، برغم البالطو الثقيل المبطن بالفرو، الذي يرتديه فوق ملابسه.

كان الطيار العراقي قد بذل محاولات مضنية، ليحظى كالعادة بأجازة يقضيها في فرانكفورت بمناسبة الكريسماس، لكن المسألة لم تكن سهلة أبداً، ولأول مرة منذ سنوات، يحرم من بهجة الاحتفالات في المدينة العريقة الرائعة، ويحصل بما يشبه المعجزة على أجازة، تبدأ في 12 يناير 1966، فيغادر بغداد حانقاً وقد عقد العزم على استغلال كل لحظة في التمتع، تعويضاً لحرمانه من مغادرة العراق طوال عام كامل.

لقد عشق تلك المدينة الساحرة، عروس نهر الراين، منذ رآها لأول مرة أثناء عمله كطيار مدني، بشركة الخطوط الجوية العراقية، وتردد عليها كثيراً وكأنما ربطته بها علاقة حب آثرة، تذكي بداخله عاطفة اللهفة كلما غاب عنها.

لذا . . فقد حفظ الشوارع والمتاجر والحدائق، ورسم بعقله أزقتها ومقاهيها، ونوادي الليل والدعارة التي تجتذب روادها من سائر القارات، للاستمتاع بالرقص، وبفتياتها الجميلات الساحرات اللائي جئن من أوروبا وروسيا، يعرضن فنون الإثارة والجاذبية.

هكذا جمعت المدينة الكبيرة كل ثقافات العالم، تتلخص في زوار متباينو الميول والأيديولوجيات، فكان ذلك مدعاة لانتشار عملاء أجهزة الاستخبارات المختلفة، شرقاً وغرباً، يتربصون بأولئك الذين تصنعوا الوقار في بلادهم، وجاءوا الى فرانكفورت بثياب المجون. ومع هذا الازدواج في الشخصية تطفو نقاط الضعف، فيستغلها صائدو الجواسيس بمهارة، ويجرجرون ضحاياهم من حيث لم يدروا، الى مستنقع الخيانة، وعالم الأسرار والغموض والعجائب.

كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحاً، عندما توقف التاكسي أمام فندق بريمرهافن، وترجل محمد رغلوب في دعة، ومن خلف زجاج نافذته بالطابق التاسع ألقى نظرة على المدينة الساهرة، حيث كانت الأضواء تتلألأ على ضفتي الراين، والجليد يغطي الأشجار والأسطح والشوارع، لكن مواخير الفسق لا تعرف الجليد، فحرارة الأجساد والرغبات حارقة. . لاسعة . . مؤججة.

ارتمى رغلوب يسعى لنيل قسط من الراحة، حتى يتهيأ للاستمتاع بأجازته، ينغص عليه بهجته ضآلة المبلغ الذي تمكن من تحويله بواسطة البنك، نتيجة القرارات الاقتصادية التي أُقرت أخيراً في العراق، وقيدت الى حد كبير استبدال العملة خارج البنوك، ففتحت مجالاً أوسع للسوق السوداء، الذي لم يتمكن رغلوب من اللجوء اليه لضيق الوقت. ونام مرهقاً ينتظر اليوم الجديد، مستعرضاً في خياله لياليه الأسطورية في ألمانيا الغربية، وفتيات عرفهن من كل لون، مائسات، حمر الخدود، براكين صهدهن في الشفاه، إذا تأودن رقص النعيم منجرفاً، وضج لرنات همسهن الجمود.

كان يمني نفسه بمغامرات جديدة، ووجوه لم يألفها من قبل، فلذة الاستمتاع عنده تتعاظم إذا ما تصيد وجهاً جديداً، وما أكثر ما كان يبحث عنه وأسهله. فبعد أيام قلائل في فرانكفورت، غرق الطيار العراقي لآخره في بحور الخمر والنساء، الى أن أوقعه حظه في شرك شاب إيراني، سرق معظم ما معه ولم يترك له سوى بضع ماركات، فأبرق الى أسرته لإنقاذه بتحويل بنكي من العراق.

ولد محمد رغلوب في بغداد عام 1930، وعاش بحي المنصور - أرقى أحياء المدينة - حيث تتجمع السفارات والفيلات والقصور، وتكثر البساتين والميادين والحدائق. إذ نشأ في أسرة ثرية متنقلاً منذ صغره بين عواصم أوروبا في رحلات عائلية، بدلت الكثير من أفكاره، لذلك شبّ محبّاً للسفر، مدركاً الفوارق بين تقاليد الشرق وانطلاقة الغرب وتحرره، متمنياً أن يعيش بقية حياته في أوروبا.

وبعدما أنهى دراسته سنة بعد أخرى، تخرج طياراً مدنياً في أمريكا، وبضغوط شديدة من أسرته، ترك شركة بان أمريكان وعاد الى بغداد، ليلتحق بالخطوط الجوية العراقية، يجوب مطارات العالم شرقاً وغرباً، مستغلاً رحلاته في البحث عن الملذات بين أحضان الحسان، متذوقاً مغامراً، يقذف بنفسه أمام كل فاتنة تصادفه، يساعده شبابه الغض ووسامته، وثراؤه.

وذات رحلة تجارية للشركة الى بانكوك، تجول بين أسواق المدينة ومواخيرها، فلم ترق له فتيات آسيا النحيلات القصيرات، وعرج الى البار بالفندق فشرب حتى الثمالة، وصعد الى حجرته مترنحاً وقد عز عليه أن يبيت ليلته بلا مغامرة، فهرب منه النوم، وأرقته الرغبة، ولم يجد حلاً سوى أن يطرق باب حجرة زميلته المضيفة الرومانية، ليليانا، التي تبينت سكره الشديد، ونيته، فحاولت صرفه بلطف، لكنه وهو الفاقد العقل اندفع كالثور الهائج، واغتصبها عنوة. بعدها طرد من الشركة مفصولاً، تسيِّجه الخيبة والفضيحة، ولو لم تنظر زوجته بعين الاعتبار لأولادهما الثلاثة، لطلقت منه غير نادمة. لكنها آثرت البقاء بالبيت لرعايتهم، حيث لن ينفعهم أب مستهتر ماجن، تسبقه فضائحه الى حيث يمشي.

وبمحاولات مستميتة للأسرة والأصدقاء، حصل محمد رغلوب على وظيفة جديدة بقوات الطيران، وارتدى البزة العسكرية، يتبختر بها في منتديات بغداد، ويتصيد فرائسه من الفتيات المولعات بالضباط والطيارين، ثم أُرسل في دورات تدريبية الى موسكو وبلجراد، لتكون المحصلة في النهاية اعتماده طياراً حربياً، أختير بعد ذلك ضمن الطيارين الذين سيطيرون بالميج 21.

وفي دورة تخصصية بموسكو عام 1962، مارس هناك كالعادة هوايته، وتعرف على ساناشا الأوركرانية الحسناء، التي تعمل كسكرتيرة في سفارة دولة الدومينيكان، فغرر بها، ولما حملت منه وتحرك الجنين ببطنها، وعدها بالزواج إن هي تخلصت من الجنين، متحججاً بأن أهله في العراق سيرفضون، ولن يتمكن من إقناعهم إلا بعدما يرجع الى وطنه، حيث يستطيع استدعائها من هناك. لكن الفتاة النحيلة الرقيقة لم تحتمل آلام الإجهاض، وماتت على سريرها بالمستشفى.

عرف رؤساؤه بالأمر فأعادوه الى العراق، وضمّنوا تقريرهم توصية بمنعه من السفر خارج بغداد في دورات تدريبية، لأنه "برغم كفاءته كطيار للميج 21 فهو لا يقيم للشرف وزناً، ودائم البحث عن نزواته".

هذه التوصية حرمته من السفر الى لندن، وأيضاً حالت دون سفره الى تكساس لدورة قيادة سرب، مع زميله شاكر يوسف، وكان معنى ذلك حرمانه لفترة طويلة من الترقي، وهو الطيار الوحيد الأكبر سناً في مجموعة طياري الميج 21.

لذلك انتابته حالة إحباط تدهور نفسياً بسببها، وتقدم بطلبات للجهات الأمنية، للسماح له بالسفر الى ألمانيا الغربية "لظروف مرضية"، ومع الإلحاح المستمر لعدة أشهر، ودور الوساطات، حصل أخيراً على إذن بالسفر مدته خمسة اسابيع. فغادر الى فرانكفورت يحلم برحلة رائعة، تمسح عنه معاناته النفسية المرهقة، بعيداً عن مطار كركوك الحربي، والمشاكل الأسرية التي ضاق بها.

في ذلك الوقت كانت العلاقات العراقية الإيرانية تبدو طبيعية، لكن الواقع كان بخلاف ذلك، فأكراد كردستان المناوئين يسببون صداعاً مزمناً لشاه إيران، محمد رضا بهلوي، ويمدهم العراقيون سراً بالسلاح، انتقاماً من الإمبراطور الذي فرض هيمنته على شط العرب، وغل أيدآ العراقيين في منطقة يعتبرونها قطعة من أراضيهم.

وبالرغم من علاقات التعاون الوثيقة بين الموساد والسافاك ، إلا أن رغبة الإيرانيين في استقطاب طيار عراقي، بطائرته الميج 21، كانت أمنية غالية لمجاملة أمريكا، التي تحمي عرش الشاه، لإطلاعها على أسرارها، ثم يعيدونها ثانية الى العراق، بعد إثارة أزمة دبلوماسية تستغرق فترة معقولة، يكون الأمريكيون خلالها قد فحصوا الطائرة وتكشّفوا أجهزتها.

ويبدو أن رجال السافاك في أوروبا، تعمدوا سرقة نقود الطيار العراقي للإيقاع به، وهو أسير حالته المادية المتردية، لكن رجال الموساد كانوا هم الأسرع في الانقضاض على رغلوب، قبلما تتخذ السافاك خطوتها التالية.

(1) السافاك - SAVAC - جهاز الاستخبارات الإيراني، قريب الشبه من SAVAGE أي التوحش والبربرية، أنشئ عام 1953 لمساندة حكم الشاه وتعضيده، بعد ثورة مارس التي قادها الدكتور محمد مصدق رئيس مجلس الوزراء، واعتصامه بمبنى البرلمان "بالبيجاما" هرباً من اغتياله. وحكم الشاه إيران بالحديد والنار، حيث اتبع السافاك كل أساليب الوحشية مع الشعب الثائر من أجل تثبيت حكم الشاه بالقوة. .وطارد السافاك المعارضين بالخارج والداخل، وتحت هذه المزاعم أباد عشرات الآلاف من الإيرانيين لقوا حتفهم في سراديب السجون تحت وطأة التعذيب. . وكان رئيس السافاك الثالث والأخير، نعمت الله نصيري، يلقب بالمكروه الأول، ووصف بالسادي المتوحش، وكانت ميزانية الجهاز تتعدى المليار دولار، وبلغ عدد موظفيه أكثر من مليونين موظف وعميل، أما عدد المعتقلون خلال عام 1975 فبلغ مائة ألف داخل السجون. وبعد ثورة الخوميني ظهرت حقائق بشعة عن السافاك، واعتقل رئيسه (نصيري) وحكم عليه بعد محاكمة سريعة، بالإعدام رمياً بالرصاص، ونفذ فيه الحكم فوق سطح المبنى الذي كان يشغله الإمام الخوميني في مدينة "قم".

مصيدة العسل

استعانت الموساد بواحدة من أجمل نسائها، وهيأتها لاقتناص الصياد الماهر الباحث عن الجمال. ففي غمرة انزعاجه لضياع نقوده لم يشأ أن يغادر الفندق، وبقي معكر المزاج ينتظر الإمداد القادم من بغداد.

وفي بار الفندق عاوده الحنين الى المغامرة، فالفتاة الجالسة قبالته بمفردها ذات وجه ساحر، قلما صادف جماله في أوروبا، فالعينان ناعستان تسكران، وبفمها انفراجة مجنونة تلهب الأعصاب، وبجسدها الممشوق أنوثة فتاكة، متوثبة، تعلن عن نفسها في صراحة. ودهش رغلوب عندما رآها توقع فاتورة الحساب، وهتف "ياللحظ السعيد. . إنها إذن نزيلة الفندق".

استحضر مواهبه سريعاً وبعد دقائق قليلة كانت تراقصه، فأذهب عطرها بعقله، وتحفزت كل مجامعه في لهفة للارتواء، وفقد الطيار الذائب اتزانه، وأعصابه. وغادرا البار ثملين الى الطابق التاسع، حيث تقيم الفتاة أيضاً، وأمام حجرتها انخلع ما بقي فيه من عقل، ولم يعد بقادر على الصبر، فدخل معها الحجرة. وبينما يتقلب في حمم اللذة، فينصهر صهراً، وينجرف، يعترف لها بأنه تائه، ثمل، يكره الإفاقة على فراشها، ويكشف لها عن شخصيته الحقيقية، وما حدث له من سرقة نقوده.

ولأنها عميلة منتقاة بعناية لهذه المهمة، ومدربة على كيفية تفكيك إرادته، أذاقته أعاجيب الجنس، وطمأنته عندما قالت له إن بمقدورها مساعدته للتغلب على مشكلة المال، وفي اليوم التالي عرفته على رجل الأعمال "هرفراتز" الذي يقوم بمضاربات في البورصة، وبالحقيقة هو من أمهر رجال فريق الموساد، الذي طار خصيصاً الى فرانكفورت لاصطياده.

اصطحبه فراتز الى سوق البورصة ليضارب مستبشراً بوجهه، على وعد بمنحه عشرة آلاف "فرنك" في حالة تحقيق كسب له. وفي عملية تمثيلية لم ينتبه لها رغلوب، منحه ضابط الموساد المبلغ "بسهولة"، واتفقا على معاودة الكرة ثانية فيما بعد.

على هذا . . استهسل رغلوب الثروة التي هلت عليه، واشترى للحية الناعسة هدايا ثمينة، وأخذ ينفق عليها بسخاء، وعندما جاءته الحوالة النقدية على البنك الاتحادي، أنفق غالبية المبلغ أيضاً عليها وعلى مقامراته، وأحاطته الموساد بحفنة من الحسناوات تكفلن به، وعاش بينهن أياماً كأنها الحلم، واستطاع فراتز انتزاعه من الفندق، وأخذه الى إحدى الشقق الآمنة، حتى يكون تحت السيطرة الكاملة، وبعيداً عن رجال السافاك، وعن رقابة المخابرات العراقية.

بيد أن محمد رغلوب داوم على سلوكه المعتاد، في الإنفاق ببذخ، حتى خلت جيوبه من آخر مارك، وجلس ينتظر في بلاهة لعبة المضاربة التي يجيدها فراتز، لينقده مبلغاً آخر.

لكن فراتز يخيب آماله ويدعي تعرضه للخسارة، بل ويطلب من رغلوب أن يفكر معه بصوت عال، في كيفية اجتياز هذه العقبة. وتركه يلهث بين أحضان إحدى عاهراته، في "مصيدة العسل" الملغمة بالكاميرات وميكروفونات التسجيل، بينما كان بقية أعضاء الفريق منهمكون في التصوير، وقد أخذتهم الدهشة أمام فلتان اللسان الذي أصاب الطيار التائه، وهو يسب قيادته وسلاح الطيران العراقي كله.

وعلى حين بغتة، ظهر فراتز فجأة وبرفقته ثلاثة آخرين، وحاول الطيار العاري سحب ملابسه، وبخطوات محسوبة بدقة ناوله مظروفاً ثقيلاً، يحوي عشرات الصور العارية لرغلوب، وضغط على مفتاح التشغيل فانطلق صوت الكاسيت بالسباب الذي تفوه به، فألجمت الصاعقة لسانه، وارتعدت عضلات وجهه، واهتزت لا إرادياً أطرافه، عندئذ لم يمهله ضابط الموساد لحظظة واحدة ليسترد وعيه، إذ سأله بلهجة فيها الخباثة والوعيد:

صديقي العزيز . . ماذا ستفعل لو أنك تملك الآن مليون دولار . .

أجابه رغلوب وهو يرتجف متظاهراً بالهدوء:
أنا لا أملك الآن مائة مارك . . وتجيئني بمليون دولار.. ؟ لو أن ذلك حدث بالفعل فسأموت من المفاجأة . . سأموت في الحال دون أن أستفيد بنصف دولار فقط.
لدينا عشرات الأفلام وشرائط التسجيل، واحد منها فقط يقودك الى الإعدام. .ونحن لا نرغب في إيذائك طالما سنتفق.
أنتم من . . ؟ وعلام سنتفق. . ؟
نحن أولاد عمومتك. . كلفتنا الموساد برعايتك وإكرامك، و ..
موساد. . ؟
وبين يديك الآن مليون دولار. .ستعيش به هانئاً طوال حياتك أنت وأسرتك، مقابل أن تتعاون معنا. . وهناك ما هو ألذ وأمتع. .فتياتنا. .أجمل نساء الأرض. . كلهن طوع أمرك.
أنا لا أفهم شيئاً هرفراتز.
نريدك أن تهرب بطائرتك الميج 21 الى إسرائيل، وسوف نرتب لك حياة خيالية لا تحلم بها، سنمنحك فيلا رائعة، ورتبة عسكرية في جيش الدفاع، ومعاشاً سخياً مدى الحياة لك ولأسرتك، وستكون ابن إسرائيل المدلل الذي تجاب رغباته بلا نقاش. .

وأما هذا المأزق الصعب لم يشأ أن يرد، وبعد فترة صمت طويلة أدرك خلالها الحقيقة، لم يوافق على العرض ولم يرفض، إنما طلب من فراتز مهلة للتفكير ودراسة الأمر من شتى جوانبه.

كانت الفتاة الأفعوانية العارية، قد غادرت الغرفة حال دخول فراتز ورفاقه، فعادت الى الطيار المذعور ثانية لتهدئته، وفي الوقت نفسه تشوش عليه أفكاره، وتدفعه لأن يوافق بتخويفه من المخابرات العراقية، التي لن ترحمه إذا ما وصلتها نسخة من الأفلام والشرائط.

وبعد ساعتين تقريباً، جلس اليه فراتز يشرح له سهولة المهمة، موضحاً كيفية الهرب بالطائرة عبر الأجواء الأردنية، التي لا تملك الميج 21، وسأله عن رده، فأعلن رغلوب موافقته، واشترط أن يوضع المليون دولار باسمه في بنك سويسري أولاً.

لم يصدق ضابط الموساد أذنيه، وكادت الدهشة أن تصعقه، فالصيد الثمين ها هو يتمايل أمامه مرهقاً مترنحاً، وحتماً ستخور مقاومته وإرادته، وكان عليه محاصرته أكثر وأكثر، وسد ثغرات الهرب دونه. فالحلم الصهيوني أوشك أن يتحقق، ليفرح شعب إسرائيل، ولتفخر الموساد برجالها المخلصين، وبفتياتها الرائعات.

امتدت المفاوضات بينهما وقتاً طويلاً، فراتز يعده بالمبلغ كاملاً بعد وصوله الى إسرائيل بطائرته، ورغلوب أكثر إصراراً على تنفيذ شرطه أولاً.

فراتز يقول له إنه يفاوضه باسم دولة، وما يتوصلان اليه هو ميثاق للتعامل، فيجيب الطيار العراقي بأنه لا يثق في مواثيق اليهود، وهو يريد النقود أولاً. .

فيسأله فراتز عن الضمانات في حالة تسلمه المبلغ باسمه، فيرد رغلوب متسائلاً عن ضماناته هو الآخر.

يعود فراتز ويعرض عليه اصطحابه الى إسرائيل، فيودع المبلغ باسمه هناك، ثم يعيده ثانية الى فرانكفورت، فيقول رغلوب بأنها خدعة جديدة، فكما صوره في فرانكفورت ألن يصوره داخل إسرائيل، ليضطر بعدها الى الهرب بطائرته بدون مقابل. .

استحكم الأمر بينهما الى أبعد المدى، وأغلقت منافذ التفاوض للوصول الى حل يرضي الطرفين، وأخيراً اقترح فراتز أن يرافقه الى باريس للتفاوض مع رئيسه هناك، فربما يوافق على شروطه.

نهاية مقامر بحياته

وفي الطائرة الى باريس، أغمض عينيه وطار مع أحلامه الوردية، وهو يسلم المليون دولار للمخابرات العراقية، ويتسلم قلادة البطولة وشهادات التقدير، ويحصل على ترقية فورية كمكافأة، فيرتفع اسمه الى الآفاق، وتنزاح التقارير السيئة في ملفاته الى غير رجعة.

استغرقه التفكير أيضاً في زوجته التي ستسر كثيراً، وستتقرب اليه بالود القديم الذي راح، حتى أولاده، سيحسدهم زملاؤهم في المدرسة، والشارع، والنادي، ويتحول محمد رغلوب الى بطل من أبطال العرب الذين يفخر بهم التاريخ.

أخذ عهداً على نفسه ألا يتراجع عن مطلبه، فهم يريدون الطائرة وبأي ثمن، والمليون دولار مبلغاً يعد تافهاً قياساً بالطائرة الجبارة، التي ترهق عقولهم وتخيف مغاويرهم. إنه طيار حربي يعرف سر التهافت على الميج 21 عند الإسرائيليين، هذا ما سمعه أيضاً من أحد القادة الكبار في العراق، يومها أكد القائد بأن إيران تتودد الى العراق، منذ وصلت الطائرة السوفييتية الخرافة التي لا يملكون مثلها.

وفي باريس نزل بفندق ضخم بميدان البيراميد، وفي جناحه الذي هيأوه له بأموال الموساد بقي ينتظر فراتز ورئيسه.

كان مائير عاميت لا يصدق ما يقوله كاروز، من وجود طيار عراقي تحت سيطرتهم، يتم التفاوض معه في باريس، وانتابته من جديد مشاعر الفرح التي ولت، بفشل العملية 007 في المحاولتين السابقتين، وأوصى كاروز بضرورة انتهاز الفرصة هذه المرة، واستغلالها على أحسن ما يكون، وفكر بالاتصال بعيزرا وايزمن قائد سلاح الجو السابق، الذي حل محله مردخاي هود، ليهنتئه بقرب تحقيق رغبته، لكنه غادر مكتبه على عجل لمقابلة رئيس الوزراء، ليفي أشكول، وقال له:

سيدي الرئيس . . أستطيع أن أؤكد نجاح العملية 007، وأن الميج 21 ستصلنا عما قريب. فرجالنا يتفاوضون في باريس الآن مع طيار عراقي فضلاً عن. .

فصرخ رئيس الوزراء غاضباً:

منذ متى وأنا أتصور المستقبل كواقع.. ؟ كان هاريل يقول لـ بن جوريون "فعلت". . وأنت تقول لي "سأفعل". .؟

وخرج عاميت معروقاً خجلاً، يفكر في أن يطير بنفسه الى باريس، ليتفاوض بنفسه مع الطيار العربي الذي سيخلد اسمه، ويضعه على قائمة رؤساء الموساد العظماء.

وما إن وصل الى مكتبه حتى وجد خبراً عاجلاً نقله اليه كاروز:

"ريتشارد هولمز (1) تولى منصبه اليوم".

وفي باريس كان محمد رغلوب يحاول بعناد أن يغامر الى النهاية، فقد زاره فراتز ومعه ضابط آخر، بذلا جهداً شاقاً لإثناءه عن شرط الدفع مقدماً، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، بل إنه ثار عليهما:

تريدون مني أن أهرب بطائرة قيمتها 25 مليون دولار دون ضمانات. . إنكم في إسرائيل تريدونها وبأي ثمن لأنكم تجهلون أسرارها. .ضعوا المليون دولار باسمي وسأهديها لكم، وعندكم لي شرائط وأفلام تستدعي إعدامي رمياً بالرصاص، تستطيعوا إيذائي بها في أية لحظة. . ولا تضيعوا وقتكم معي لأن المليون دولار مبلغ زهيد، فمخابراتنا تدفع الكثير لكل من يخبرها عما تخططه الموساد وتسعى اليه.

وضحت إذن الرؤيا لرجال الموساد، فالضابط العراقي يحاول ابتزازهم إذا لم يرضخوا لشرطه، وهذا مستحيل بالطبع، وكان خطأ رغلوب جسيماً عندما لوح بتهديدهم بإطلاع مخابرات بلده على نواياهم. وعندما هدده ضابط الموساد بشرائط الكاسيت المليئة بالسباب، وأفلام الجنس العارية، ضحك رغلوب ساخراً وقال إن الرجل وامرأته على الفراش يسبان أهليهما في فجاجة.

عندئذ أيقن الإسرائيليان أنهما وقعا في فخ الطيار المفلس العنيد، فبدلاً من أن يسيطرا عليه انعكس الأمر، وبات واضحاً أن فشل التفاوض معه وعودته الى العراق، فيه كل الخطر على إنجاح تجنيد طيار عراقي آخر، لذلك حمل رغلوب حقيبته الى محطة القطارات قاصداً ألمانيا، وعنده يقين أنهم سيوافقون، وسيسعون وراءه في إلحاح، عندها، سيزيد المبلغ الى الضعف، وربما أكثر.

لم تكن حساباته بالقطع صائبة، فقد كان الأمر أكبر كثيراً من حدود تفكيره، وطموحاته، لكنه استعذب لعبة المساومة، يملؤه اعتقاد راسخ بأن مغامرته سوف تنجح لأنهم بحاجة اليه، وما كان يعلم بأن إسرائيل كلها، حكومة ومخابرات، تنتظر وتترقب. فالأمر جد خطير، خطير، الى أقصى درجة لا تتصورها مداركه المحدودة.

إذ انصب تفكيره في متعة المغامرة، ونتائجها المبهرة فيما بعد، وساقته سذاجته باللعب مع الكبار الى نهاية مأساوية لم يكن يتوقعها، ولم تنته بها أبداً حياة أي طيار عربي آخر، من قبل، أو بعد.

فأثناء سير القطار بسرعته القصوى في الأراضي الألمانية، لم يلحظ رغلوب أن هناك من يلاحقه، ويتبعه كظله، فما إن غادر دورة المياه، خارج عربة النوم، اصطدم به ثلاثةى رجال أشداء، خلطوه خلطاً بين باب الحمام والباب الخارجي، وقبلما يتمكن من الدفاع عن نفسه قذفوا به من القطار الدولي السريع.

وفي صباح 11 فبراير 1966 عثرت الشرطة الألمانية على جثته، متناثرة الأوصال على امتداد كيلو مترين. وجاء التقرير النهائي للحادث: "أن الطيار العراقي كان ثملاً عن وقوع الحادث، وأخطأ عند خروجه من دورة المياه، فبدلاً من الاتجاه الى باب العربة الداخلي، فتح بطريق الخطأ باب العربة الخارجي، الذي وجد به خلل، وسقط من القطار".

هكذا قامر محمد رغلوب بحياته، ودفع عمره ثمناً لمغامرة قصد بها خدمة وطنه، وتحسين وضعه الوظيفي والاجتماعي، وطويت بذلك صفحة حزينة، من ملف الصراع الإسرائيلي الشرس، لامتلاك طائرة ميج 21 عربية.

ترى . .هل توقفت الموساد في سعيها. .؟

وهل انتهت، بنهاية رغلوب، العملية 007 . . ؟