لمحة عن نشوء الطوائف والبدع المسيحية

تأسيس الكنيسة الأولى :
قبل تأسيس العالم، اختار الله أن يؤسس كنيسة واحدة تجمع "كل شيء في المسيح ما في السموات وما في الأرض" (أفسس 1 :10).
وعندما تجسد ابن الله ومات وقام وصعد إلى السموات صار رأسا واحدا للجسد الواحد ( افسس 1: 22 ) أي الكنيسة الواحدة التي يبينها (مت 16 : 18 ) ، لتكون "رعية واحدة لراع واحد ( يو 10 : 16 ) . وقد تم هذا التأسيس بعد العنصرة ، عندما انطلق رسله للبشارة ، فتشكلت الكنائس الأولى في مدن ومناطق الإمبراطورية الرومانية، وأولها أورشليم بين أهل الختان وإنطاكية بين الأمم . هكذا صارت الكنيسة الرومية الواحدة - في كنائسها الكبرى الخمس : "رومية القديمة ، رومية الجديد ( القسطنطينية ) ، الإسكندرية ، إنطاكية ، أورشليم " - الإطار الأول للأيمان : " بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية " ، ومن ثم لانتشاره إلى أقصى الأرض .

نشوء البدع والانشقاقات الأولى :
يعرف الرب يسوع ، الذي أسس كنيسة واحدة " وزرع زرعا جيدا في حقله " ، أن العدو لا بد " سيزرع زوانا في وسط الحنطة " (مت 13 :24 - 30 ) ، وأنه " سيقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين " (مت 24 : 11 ومت 7 : 15 ) . وقد حدث هذا الأمر فعلا ومنذ أيام الرسل ؛ ولذلك حذروا منهم (1 يو 4 : 1 ؛ بط 2 : 1 ) ، ومن " المعلمين الكذبة الذين يدسون بدع هلاك وسيتبع كثيرون تهلكاتهم " ( 2 بط 2 : 1 - 2 ؛ 1 كور 11 : 19 الخ ... ) . وقد جاهدت الكنيسة التي بشرها الرسل ضد بدع كثيرة، وانشقاقات متنوعة حدثت لأسباب بشرية مختلفة ، فلجأت إلى وسائل عديدة أهمها عقدها لمجامع محلية في القرون الثلاثة الأولى . ولكن بعدما توقفت الاضهادات ، وصار انتشار الهرطقات يمتد إلى كل المسكونة ، اضطر الأباطرة لعقد المجامع المسكونية ، التي صارت رغم ضرورتها التي لا يمكن الاستغناء عنها ، مدعاة في بعض الأحيان لانشقاقات جديدة

نشوء الطوائف المسيحية الحالية :
نتيجة لتطورات مختلفة ، ترجع لأسباب عقائدية وبشرية منوعة ، تشكلت مع الزمن كل من الطوائف الرئيسة التالية :
1 - الطائفة الآشورية :
ينتسب أبناء هذه الطائفة إلى شعوب قديمة كانت تقطن شرقي أعالي نهري دجلة والفرات ، تنصرت مبكرا منذ القرون الأولى للمسيحية ، وكانت تسمى كنيسة المشرق أو الكنيسة الشرقية الآشوري . لم تستطع المشاركة في المجمع المسكوني الثالث ( افسس 431 )، ولم توافق فيما بعد على قراراته بالحكم على نسطوريوس . ولاسيما بعد أن استقبلت الحكومة الفارسية النساطرة الملاحقين من الحكومة الرومانية وسمحت لهم بتأسيس مدرسة لاهوتية في نصيبين، حيث صارت مركزا لنشر النسطورية . أعلنت رسميا قطع شركتها مع الكنيسة الرومانية ، وشجبها للتعاليم المخالفة للنسطورية سنة 499 .

2 - الطوائف غير الخلقيدونية :
بدأت بوادر تشكل هذه الطوائف مع الاضطرابات التي نشبت من البعض احتجاجا على قرارات مجمع خلقيدون ( المجمع المسكوني الرابع سنة 451 ) واكتمل هذا التشكل في النصف الثاني من القرن السادس بعد فشل المحاولات العديدة من أباطرة الروم في معالجة الوضع المعقد الناتج عن عوامل بشرية وقومية واجتماعية متداخلة إضافة إلى سوء تفاهم عقائدي متفاقم حول موضوع شخص المسيح (CHRISTOLOGY) .
وهذه الطوائف هي التالية :
القبطية : سميت هكذا لان معظم أعضائها كانوا من الأقباط (منEGYPT اليونانية) أحفاد المصريين القدامى المنتصرين ، والذين كانوا يشكلون غالبية سكان مصر . وقد أثر على موقفهم بشكل خاص حرم بطريركهم ديوسقورس في مجمع خلقيدون

الحبشية : يعود تأسيس هذه الكنيسة إلى بداية القرن الرابع . وبسبب إتباعها لكنيسة الإسكندرية فقد مالت مع الأغلبية فيها ، منذ القرن الخامس إلى التمسك بالاعتراف بالطبيعة الواحدة لشخص المسيح ، ورفض قرارات مجمع خلقيدون .

السريانية : شكل السريان ، وهم خليط من الشعوب الشرقية القديمة ، التي تنصرت منذ فجر المسيحية ، أحد العناصر الرئيسة في كنيسة أنطاكية . وقد كان للأسقف يعقوب البرادعي الدور الأكبر في رسامات اكليريكيي هذه الطائفة التي رفضت مجمع خلقيدون في النصف الثاني من القرن السادس ، ولذلك عرفت أيضا باليعقوبية .
تتبع الطائفة السريانية الانطاكية ، طائفة سريانية في الهند يقدر عدد أفرادها ببضع ملايين (رسم أول جثليق عليها سنة 1964) .
الارمنية :يرجع تثبيت دعائم هذه الكنيسة وتنظيمها في أرمينيا إلى بداية القرن الرابع . لم تشترك الكنيسة الارمنية في مجمع خلقيدون بسبب الحرب الطويلة التي كانت تدور رحاها بين الأرمن والفرس المحتلين . فيما بعد ، ونتيجة لنشاطات بذلها القائلون بالطبيعة الواحدة ، أعلنت موقفها الرسمي الرافض لمجمع خلقيدون من خلال مجامع عقدتها في القرن السادس

3 - الطائفة الغربية (الكاثوليكية) :
كانت هذه الطائفة في زمن الإمبراطورية الرومانية تضم القسم الغربي منها ، أي كل الكنائس التي كانت تتبع لروما القديمة . بدأت بوادر الانقسام بين هذا القسم والقسم الشرقي خصوصا بعد احتلال القبائل الجرمانية الوثنية له في نهاية القرن الخامس ، والتي احتاج تنصيرها عدة قرون . وبسبب التباعد عن تسليم (تقليد) الكنيسة الأولى فقد بدأت انحرافات إيمانية عديدة أهمها انبثاق الروح القدس من الأب " والابن" الذي نشأ في اسبانيا ، وامتد إلى بقية الأقطار الأوربية بتشجيع من حكامها . وقد وقفت روما ضد هذه الانحرافات إلى أن وقعت تحت الاحتلال الألماني المباشر في زمن هنري الثاني سنة 1009 حينها أعلن البابا الجرماني الجديد سرجيوس دستور الإيمان بإضافة "والابن" (فيليوكفه) ، مما استدعى حذف اسمه من ذبتيخا بطريرك القسطنطينية وبقية بطاركة الشرق . وقد ثبت انقطاع الشرطة بين الفريقين الحرم الذي وضعه في القسطنطينية وفد روما المفاوض ومن ثم رد القسطنطينية عليه سنة 1054 ولم تتوقف انحرافات روما الإيمانية بل كانت تزداد وخاصة بعد نشوء اللاهوت السكولاستيكي ؛ وكان البابوات يتولون تشريع الكثير منها ، عبر مجامع مسكونية أو منشورات بابوية "1" .
ولان محاولات إعادة الوحدة مع الشرق لم تنجح بالطريقة التي أرادتها روما صار اللجوء إلى الاقتناص(PROSELYTISM) والضم

4 - من الطوائف التي انضمت لروما (الكاثوليكية):
نتيجة للجهود التي بذلت منذ وقت مبكر مثل نشاطات المرسلين والطغمات الرهبانية والديبلوماسيين الغربيين ، والكليات المجانية المخصصة للطوائف في روما والمدارس والمساعدات وتأسيس مجمع انتشار الإيمان الكاثوليكي سنة 1622 ، استطاعت روما عبر انشقاقات وصراعات متنوعة أن تضم اليها كلا من الطوائف التالية :
الموارنة : أصل هذه الطائفة فريق من السريان كان قد قبل مجمع خلقيدون ، وفيما بعد اقتراح الامبراطور هرقل بشأن المشيئة الواحدة . بدأ نوع من الاتحاد بينها وبين روما سنة 1181 نتيجة للاتصال بها أثناء الحروب الصليبية. حضر بطريركهم مجمع اللاتران الرابع سنة 1215 وبعد انقطاع العلاقات لفترة طويلة ، منح البابا سنة 1515 بطريركهم درع التثبيت ولقب بطريرك إنطاكية سنة 1741 عقد المجمع اللبناني الذي تم فيه تبني العادات اللاتينية والانضمام النهائي لروما .
الأرمن الكاثوليك : في القرن الحادي عشر أنشأ الأرمن إمارة مستقلة في كيليكية ، مع روما في القرن الثاني عشر ودام الاتحاد زهاء ثلاثة قرون .
سنة 1742 تأسست أول بطريركية للأرمن الكاثوليك في لبنان.
المتحدة في أقطار أوربا االشرقية : بعد وقوع أوكرانيا تحت احتلال بولونيا ، استطاع ملكها الكاثوليكي وبمساعدة اليسوعيين ، أن يفرض على أرثوذكس بولونيا سنة 1596 طائفة عرفت باسم كاثوليك الطقس الشرقي ، بينما اعتبرت حينها الكنيسة الأرثوذكسية غير موجودة .
على مثال هذه الطائفة تشكلت فيما بعد طوائف متحدة مع روما في أقطار أوربا الشرقية الأخرى مثل سلوفاكيا ورومانيا وصربيا وبلغاريا الخ
الكلدان الكاثوليك : استفاد المرسلون الغربيون من فرصة خلاف حول تعيين أحد بطاركة الطائفة الآشورية لكي يعين البابا على قسم منها أول بطريرك على من أسماهم الكلدان الكاثوليك سنة 1553 .
السريان الكاثوليك : تأسست بطريركيتهم سنة 1662 .
الروم الكاثوليك (الملكيون) : تأسست بطريركيتهم سنة 1724 .
الأقباط الكاثوليك : بعد محاولات متعددة فاشلة تأسست بطريركيتهم أخيرا سنة 1947 .

5 - من الطوائف التي انشقت عن روما (الكاثوليكية) :
البروتستانت (اللوثريون والمصلحون والانكليكان وما تشعب منهم) : يبدأ تاريخ هذه الطوائف كلها مع مارتن لوثر الراهب الألماني الكاثوليكي الذي احتج سنة 1517 على صكوك الغفران وقضايا أخرى .
وقد أسفرت المجابهة مع روما في نهاية المطاف عن إعلان الكتاب المقدس مرجعا وحيدا للأيمان ، وعن تأسيس الكنيسة اللوثرية التي انتشرت في ألمانيا وشمال أوربا .
في غرب أوربا ، وباستقلال عن لوثر ، قاد المصلح زوينكلي (ZWINGLY) حركة مشابهة للإصلاح الديني . وقد تابع آخرون عمله بعد موته فكان أهمهم كالفن (CALVIN) الفرنسي الذي استطاع في منتصف القرن السادس عشر أن يجعل من جنيف مركزا للكنائس المصلحة (REFORMED CHURCHES) ولامتداد الكلفينية إلى أقطار أخرى .
في إنكلترا، بدأ نشوء الطائفة الانكليكانية مع إعلان الملك هنري الثامن ، سنة 1534 ، لنفسه رئيسا أعلى لكنيسة إنكلترا ، ومن ثم مع تأرجح وضع هذه الكنيسة في عهد خلفائه ما بين الكاثوليكية والكلفينية ، فقد تم الدمج بين الاثنتين في نهاية القرن السادس عشر من خلال 39 بندا لا تزال إلى اليوم دستور إيمان هذه الطائفة التي تسمى أيضا الأسقفية .
الكاثوليك القدماء : تعرف بهذا الاسم ثلاث مجموعات انفصلت في أوقات مختلفة عن روما :
1 - مجموعة أسقفيات في أوترخت (هولندا) ، انفصلت عن روما سنة 1724 لاتهامها باليانسينية "2" (JANSENISM)
2 - مجموعة أسقفيات في ألمانيا والنمسا وسويسرا وبوهيميا ، تشكلت بعد انشقاقها عن الطائفة (الكاثوليكية) لرفضها عقيدة رئاسة البابا وعصمته بعد صدورها عن المجمع الفاتيكاني الأول سنة 1870 .
3 - مجموعة فئات من أصل سلافي ، انفصلت عن البولنديين البابويين في أمريكا الشمالية سنة 1897 ، ومن الكروات سنة 1924 ، وتتبع عددا من الاسقفيات في أمريكا ، وواحدة في كل من بولندة وكرواتيا .
عموما ، يقبل الكاثوليك القدماء المجامع المسكونية السبعة والعقائد التي كانت مقبولة قبل انشقاق 1054 ، ويسمحون لاكليروسهم بالزواج بمن فيهم الأساقفة .

نشوء البدع المسيحية الحالية :
ما هو مشترك في تاريخ الأنبياء والمعلمين الكذبةالجدد الذين أنتجوا البدع المسيحية الحالية - وقد يكون هو النقطة المشتركة التي يختلفون بها عن الطوائف المسيحية - هو رفضهم الكلي للكنيسة الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية التي أسسها المسيح ، مع تسليمها وحياتها عبر القرون ، وادعاء كل منهم - مسيرا من أهوائه وعقله المتشامخ - أنه النبي المرسل من الله الذي توصل وحده لان يعرف مقاصده وأسراره ومواعيده ، معتمدا على الكتاب المقدس وحده ، وهو ما أفسح المجال لتكاثر لا يتوقف من شيع وبدع .
من البدع الخطرة على الخلاص (وفق النظرة الكاثوليكية) سوف نكتفي بأن نعطي لمحة خاطفة عن بعض مما وصل إلى بلادنا منها :
1 - شهود يهوه : أسس هذه البدعة تشارلس رصل في ولاية بنسلفانيا الأمريكية سنة 1872 ، بعد دراسته للكتاب المقدس ، اثر تأثره بتبشير الادفنتست (المجيئيين) أنه قد اقتربت عودة المسيح وقيام ملكه الألفي . وقد أدلى بدلوه هو أيضا فحدد مواعيده الخاصة بعودة المسيح مدعيا أنه النبي السابق لها . فأثبتت الأيام تكرارا أنه نبي كاذب ، إضافة إلى ثمار حياته الشاهدة عليه ، ومنها حكمان صدرا ضده من محاكم بلاده . كتب آراءه ونبوءاته في سبة مجلدات ، كما أسس مجلة برج المراقبة وجمعية للنشر . وقد تابع أتباعه بعد موته تقوية هذه البدعة وتنظيمها ، ومنها إعطاءها اسم شهود يهوه، من خلال مؤتمر عقدوه سنة 1931 ، في عهد خليفته رذرفورد الذي كان أيضا نبيا كاذبا وصهيونيا بامتياز "3" .
من اعتقادات هذه البدعة التي تؤدي جذريا إلى خسارة الخلاص والحياة الأبدية رفضهم للثالوث القدوس واعتبارهم الرب يسوع يهوه الأولى، وإنكارهم صليبه وقيامته وصعوده بالجسد ، والكنيسة والأسرار والقداسة وتبشيرهم بملكوت أرضي بدل الملكوت السماوي الخ
2 - الادفنتست السبتيون : سبق وليم ميللر ، وهو أيضا من الولايات المتحدة الأمريكية ، رصل في تنبؤه الكاذب عن حضور الرب الثاني القريب ومملكته الألفية . وقد حدد هذا الحضور عام 1844 ، الذي انتظره هو وأتباعه فخابت آمالهم . ومع هذا فقد بقيت قلة منهم مصرة معه على المناداة بمجيء المسيح القريب ، ولذلك سميوا بالادفنتست (المجيئيين) .
إضافة إلى موضوع المجيء، قبلت هذه القلة - ومنهم السيدة ألن هوايت التي يؤمنون أنها نبية ومرسلة من الله - من شيعة المعمدانيين السبتيين بدعة ضرورة تطبيق الوصية في العهد القديم عن يوم السبت ، فكونوا نواة الادفنتست السبتيين الذين امتدوا فيما بعد إلى أقطار عديدة
من الأمور التي يتفرد بها هؤلاء أيضا عن الفرق البروتستانتية إيمانهم بحكم المسيح الألفي ، وبعدم وجود حياة بعد الموت (انكار خلود النفس) ، وبمعمودية الكبار الخ
3 - المورمون : ادعى جوزيف سميث ، النبي الكاذب لهذه البدعة ، وهو أيضا من الولايات المتحدة الأمريكية ، أنه في إحدى رؤاه رأى ملاكا دله على لوائح ذهبية مدفونة كان قد كتب عليها نبي اسمه مورمون باللغة الهيروغلفية المعدلة (لغة لا يعرفها أحد غير جوزيف) إنجيلا أعطاه المخلص لشعوب قديمة سكنت القارة الأمريكية أصلها من أورشليم . وقد ترجمه جوزيف إلى الإنكليزية مستندا إلى حجري الاوريم والتميم المدفونين مع اللوائح ، ومن ثم أسس كنيسة عام 1830 التي سماها : "كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة "
كذلك رأى 135 رؤية ، نشر معظمها في كتابين كبيرين يعتبرهما المؤمنون به ، إلى جانب المورمون (ترجم إلى لغات كثيرة منها العربية ) كتابين سماويين . وبسبب العداوة الشديدة من الأهالي لسميث وأتباعه لدجلهم وممارستهم تعدد الزوجات ، كانوا يرتحلون من ولاية إلى ولاية إلى أن استقروا في ولاية يوطا ، حيث نجحوا أن يصبحوا قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية مرموقة . في أيامنا ينتشرون بسرعة في سائر أنحاء العالم معتمدين على وسائل متطورة للاتصال مع البشر ، ومنها قرع الأبواب من قبل شابين يحملان الإنجيل وكتاب "مورمون" . وقد وصلوا إلى الشرق الأوسط وبوابته لبنان .
من الهرطقات الكثيرة التي يدخلونها في عقول البسطاء في الوقت المناسب ، أن يسوع المسيح هو ثمرة علاقة جنسية بين ألوهيم ومريم وهو أخ شقيق للوسيفار الشيطان ، وهو أحد آلهة كثيرة سعت للخلاص مثله ونالته . تزوج كثيرات وأنجب منهن أطفالا . هناك ثلاثة آلهة الآب والابن والروح القدس ومعهم عدد لانهائي من الشخوص الإلهية المقدسة آهلين في عوالم ! وجميع هؤلاء الآلهة متغيرون وماديون لهم أجسام من لحم وعظام ولهم نشاط جنسي ! الخ .. الخ

نشوء تيارات مرتبطة بشيع حديثة :
إلى هذه البدع الثلاث التي هناك كثير غيرها ، لابد من الإشارة إلى تيارين خطرين نشأ كل منهما ، بالتدريج وبتفاعل متبادل ، عبر شيع متعددة وأزمنة متفاوتة وبلدان مختلفة في أوساط بروتستانتية ، وفيما بعد كاثوليكية . وكان الدافع لنشوء كل منها هو الحاجة أو الرغبة للحصول على ثمار المواهب المتعددة التي ظهرت في حياة الكنيسة الأولى وتحدثت عنها أسفار العهد الجديد . ولان المسيحيين عامة يشعرون في كثير من الأحيان بهذه الحاجة أو الرغبة ذاتها ، لذلك يستخدم هذان التياران الآن في العالم المسيحي ، وعلى نطاق واسع ، كطعم مغر من قبل الجماعات التي تهدف إلى التأثير على الآخرين واقتناصهم :
1 - المتجددون : بدأت الدعوة إلى التجدد الروحي مع الفئات التي طالبت بإعادة المعمودية منذ القرن السادس عشر ، وعبر القرون اللاحقة في انجلترا مع الشيع التي طالبت باختبار الولادة الروحية مثل الكويكرز والمعمدانيين والمورافيين والإخوة (الداربيست) وبصورة خاصة الميثوديست . هؤلاء كانوا يقومون باجتماعات هدفها إذكاء الحماس الروحي مما أدى إلى بلورة تيار التجدد الذي انتقل في بداية القرن التاسع عشر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث سمي الحركة الانتعاشية الأمريكية (A . REVIVAL MOVEMENT) . هناك عبروا عنه بطرق مختلفة منها اجتماعات ضمن ساحات مكشوفة ، مركزين على ضرورة الاهتداء الشخصي والولادة الجديدة التي تتم في وقت معين أو لحظة غير منتظرة يتولى تحريكها عادة الواعظ أو المبشر . من أشهر رواد حركة التجدد في أيامنا بيلي غراهام المعمداني الذي لديه إرساليات تبشيرية عديدة "4".
وبالطبع فالتجدد الروحي الحقيقي ليس وهما ولا تخيلا ، ولا يحصل عبر تحريك خارجي عاطفي أو انفعالي في لحظة معينة . انه ثمرة سكنى الروح القدس في القلب بعد تنقية تدريجية "من كل دنس الجسد والروح" (2 كور 7 : 1 ) تصنعها أسرار كنيسة الله ، "بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تيط 3 : 5 ) ، لمن آمن بالرب يسوع وحفظ وصاياه (يو 14 : 15 - 21 ) وحمل صليبه (مت 16 : 24 - 25 ) ، وهو ما لا يؤمن به المتجددون .
2 - الكاريزماتيك (CHARISMATIC) : تشتق هذه الكلمة من لفظة "خاريزما" اليونانية والتي تعني في أسفار العهد الجديد"هبة مجانية من الله" . ولان بعض المواهب الخاصة ، مثل : "مواهب شفاء أو عمل قوات أو نبوة أو تمييز الأرواح أو أنواع ألسنة أو ترجمة ألسنة ( 1 كو 12 : 9 - 10 )، أعطي بكثافة ، في الفترة الرسولية الأولى بسبب الحاجة الماسة إليها حينها من أجل البشارة ، فقد تشكلت شيع كثيرة في أوساط بروتستانتية وكاثوليكية ، في بلدان مختلفة ، بناء على رغبتها المتأججة في الحصول على هذه المواهب في أيامنا . من هذه الشيع ما سميت بالشفائيين (مثل الانطونيين في بلجيكا والمسيحية العلمية في أمريكا الخ ...)، وبصورة خاصة ما سميت بحركة العنصرة هذه بدأت في مطلع القرن العشرين مع الذين سعوا في الولايات المتحدة الأمريكية أن يتعمدوا بالروح القدس وان يتكلموا بألسنة كما حصل في العنصرة . بعد هذا انتقلت إلى بريطانيا مع القسيس المثوديستي بارات (BARRAT) حيث صارت حركة كاريزماتية نشيطة تقاد غالبا من علمانيين . وقد ازداد نشاطها وانتشارها في العالم بعد الربع الأول من القرن العشرين ، ولا سيما في الجزر البريطانية وأمريكا الشمالية واسكندينافيا والبرازيل . وكان أن وصل امتدادها أيضا إلى الأوساط الكاثوليكية في الستينات ، حيث عمت وانتشرت حتى أصبحت ظاهرة شائعة في كل الأقطار ينخرط فيها الاكليريكيون والرهبان والعلمانيون مع تأييد رسمي من الرئاسات الكاثوليكية على أعلى المستويات . وقد تأثر بعض من الأرثوذكس بهذه الحركة ولاسيما في لبنان .
بالتأكيد إن المواهب ، ولأنها هبة خاصة من الله ، لا تحصل لمجرد رغبة الانسان في الحصول عليها . الله وحده يعرف متى وكيف يعطيها في الزمان والمكان المناسبين ، وبما يتناسب مع حالة الشخص الذي يريد أن يعطيه إياها ، ومع خير الكنيسة ، لئلا تصبح دينونة له : "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يارب يارب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط . اذهبوا عني يافاعلي الاثم "(مت 7 : 22).
الله يعطي مواهبه، في الوقت الناسب ، لا للمتحمسين الطالبين بهياج أن تحل عليهم ، بل للذين سلموا أنفسهم بالكلية لمشيئة الله ولم يطلبوا لأنفسهم شيئا ، فتطهروا جسدا ونفسا ووصلوا بعد جهاد مرير بمعونته إلى القداسة والفضائل وأولها مسكنة الروح واتضاع القلب ، وعندها لا خطر عليهم إذا أعطيوهم .
وأخيرا، لايمكننا أن نتجاهل ارتباط عدد كبير من الشيع والبدع التي تأتي إلى بلادنا مع مخططات سياسية للصهيونية أو للعالم الجديد يهمها أن تفتت وتخضع وتغسل الأدمغة بما يتوافق مع مصالحها . إنما الأهم أن نتذكر تحذيرات الرب بشأنها لئلا نقع في براثنها فنصل ونخسر خلاصنا : "حينئذ إن قال لكم أحد هو ذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا . لانه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين . ها أنا قد سبقت وأخبرتكم" (مت 24 : 23 - 25 )

"1" من الانحرافات الكثيرة اعتبار البابا نائبا للمسيح على الأرض ورأسا منظورا للكنيسة كلها ومعلما لها معصوما من الغلط العقائدي والأدبي. المطهر واستحقاقات القديسين وصكوك الغفران . الحبل بلا دنس .عدم إمكانية الإنسان في هذه الحياة أن يرى الله أو أن يعرفه أو أن يشاركه ولا بحسب قواه، بينما سيراه بحسب الجوهر في الحياة الأخرى، انحرافات عديدة في الأسرار الخ
"2" نسبة إلى يانسنيوس JANSENIUS)أو JANSEN 1585 - 1638 ) مؤلف كتاب "اغسطينوس" ، وفيه يتبنى نظرية كلها، بما فيها ما يتعلق بالنعمة . حكمت عليه الكنيسة الكاثوليكية في منتصف القرن السابع عشر في حين أيدته فئات متعددة في أزمنة مختلفة
"3" لا تزال كتبه المنشور ة تشهد حتى اليوم على نبؤاته الكاذبة وصهيونيته الفاضحة ومنها: "ملايين من الذين هم أحياء اليوم لن يموتوا أبدا". وهو مترجم إلى العربية ومنشور عام 1920 باسم جمعية تلاميذ التوراة (توجد صور عنه في مكتبة السائح)
"4" أهم هذه الإرساليات والتي تتجه أيضا نحو الشرق الأوسط:" الشباب للمسيح"، "الرؤية العالمية" .وهو يذيع بشارته من بورتوريكو عبر الأقمار الصناعية إلى أكثر من 165 بلد في آن معا.

*مستشار مفتي سوريا العام.
(عالم بلاحدود)