وزير التمر

الأوراق المتكسدة بجانب سريره تخلق عالما من الفوضى ، وشعوره بالوحدة لا علاقة له بالمساحات الخالية في معتزله اليومي ، يحتاج لمن يقرأ معه . يسلي نفسه بقراءة ذكريات من قبله . على ذلك الجدار خلف الباب اختفت بإستحياء اعترافات طالب قارع الخمر لأول مرة ، واحب تدوين ميلاد أول حالة سكر له . كتب : اليوم في تاريخه وساعته شربت عرقا كريه الرائحة والطعم ولكنه حررني من كل همومي وتحتها ببضع إنشات كتب آخر بعده سكن هذا المكان : جهنم بانتظارك يا أسير الهموم .
الجدران الرمادية والأثاث الحديدي لا يوحي لك بأنك في سكن جامعي ، ولكن شيئا يشبه السجون ، لم يدخلها ولم يختبرها ، ولكنها تشبه ما يراه في الأفلام . ويكفي أن المعنى الذي تتلقاه مشاهدات النفس يترجم كل شيء من حوله . ورغم هذا فلقد طابق معنى السجن المكان تماما . ليس لأنه يشبهه ولكن لأنه يحس بذلك .
ولعل الآم الجميع من قبلي تتراكم هنا كالهالات السلبية والحزن يهيم في المكان كالأرواح التائهة وتظل حبيسة لتتلبس القادمين الجدد. حدث نفسه بذلك وهو ينظر إلى آثار الرطوبة في السقف . ذلك العفن الأسود يآكل أصباغ الجدران وينزل متسلقا إلى الأسفل .
منذ متى بدأ بالنزول ..؟
هل سيصل إلي قبل أن أرحل ...؟
لو تعفن العقل سقف هذه النفس ، سيصل يوما إلى القلب .
ينتظر بصمت أن يطرق أحدهم عليه باب الغرفة حتى لو كان مخطئا ، ينتظر إنسانا يحدثه حتى لو لدقائق . وحتى يحدث ذلك يسوق أحلامه ويخلطها بذكرياته ، حين كان في بلدته الصغيرة كان يحلم أن يأتي إلى المدينة الكبيرة ويصبح متحضرا ، ولعل إحداهن تختطفه وهو يتمشى على احد الأرصفة ، هكذا كان يحدثونه بأن فتيات المدينة أكثر جرأة وهن من يطلبن الرجال . ويتذكر أول لقاء له بإحداهن كانت تترجل من سيارة فارهة وعبائتها ترتفع إلى ركبتها ليرى قالبا من الرخام .
ذكراه عن حلمه لم تكن كذكراه .
لم تقترب منه
ولكنها نظرت إليه
بإشمئزاز
ويكتب بقلمه الأسود على قاع الخزانة المعلقة فوق رأسه أحلام الفقراء إذا تحققت تصبح ذكريات مؤلمة ،ويتجاوز الحسرة فمازال أمامه طريقا طويل من الحظوظ العاثرة وسيحتفظ ببعض التندهات والحسرات في خراجه لبقية طريق الذكريات . يبتسم ويخاطب نفسه : لا تتعجلي فلم أتذكر شيئا بعد .!
لم تعد الشهوات تثير ترقبه وتجعله ينتظر كل الفرص ، فلقد عرف أن ألم المحاولة الأولى لن يزول مهما حالفه الحظ في المرات المقبلة . ويبقى له العقل وحده . ويراهن على أن عقل أبناء القرى أكثر نقاءا وصفاءا من أهل المدن . ولم يعلم أن تشويش الأنوار الكثيرة والأصوات الصاخبة لا يساوي تشويش الأحلام المستحيلة . فأبناء المدينة لم يحلمو قط بالعيش في القرى .
أستاذه في مادة علم الإقتصاد يتحدث بكل شيء لا يفهمه إلا هو . ومع ذلك يجاريه في لعبة التحدي ويسأله : دكتور لو سمحت .هل يمكن تكوين عالم خالي من الفقراء ..!
_ إنت شيوعي يا لأ
وظرافة الأستاذ المتعجرف لابد أن تجاملها بعض الضحكات المتكلفة ، ورغم علمه بثقل روحه على الجميع يستمر في ممارسة خفة الظل بين وقت وآخر . كنوع من التحدي ، فمن يتجرأ ليقول له يوما ما ( بايخ ) .
ويكمل مرة أخرى بعد أن أرضى تحديه
_ لا يمكن ذلك هذا فالإنسان الغني يعتبر فقير نسبيا لآخر أغنى منه . ويكمل بظرافة : وبعدين لو ما فيه فقرا كان انحرمنا من وجودك يا ...ما اسمك ..؟
في تلك اللحظة عرف أنه لا تهم الكرامة والعزة ولا تعني له الإهانة شيئا . فالربح الوحيد هنا انه كسب ما يراهن عليه شد الانتباه . ويعلق بجانبه شخص آخر راح فيها الولد .
ماذا يعني ..؟
لا يهم ..!
اسمي يا استاذ ( مسفر فلاح حسين )
_ طيب يا مسفر . ويبتسم الأستاذ وهو يشير بإصبعه مشيدا أو مهددا .
لم يعد يهتم فلقد أعلن اسمه أخيرا وأصبح مسموعا . يكفي أنه سمع نفسه تتحدث بعد صمت شهر كامل في مدينة لا تكف عن الحديث . تلك اللحظات أدخلته في عالم من الأحلام . وفي هذه المرة تعهد على نفسه أن يحلم كأبناء المدينة . لن يضع قريته في أي خانة متاحة داخل حلمه ، لن يطبع وجوه أبناء القرية ، وحتى أن رسم صورة والديه في حلمه فسيكفتي بأن يجعلمها جامدين مبتسمين . فلقد أخبراه قبل أن يأتي إلى هنا أن ما يهمهم فقط سعادته . وحلمه الجديد يلبس فيه بشتا ويركب سيارة فارهة ويدخل قصرا منيفا ويُنادى بصاحب المعالي . يرى نفسه وزيرا يتحدث في مؤتمر محاربة الفقر كيف أن الفقر نسبي وحتى لو أختفت قريته تماما عن الخريطة فلا يعني أن الفقر انتهى . فربما تصبح مدينته فقيرة نسبيا لمدينة أخرى . وهنا يصحو على صوت أستاذه الظريف يخاطبه وهو يلملم أوراقه معلنا إنتهاء المحاضرة .
_ مسفر الحقني على مكتبي
_ ابشر
ويمشي وهو يتخيل حوارا مليء بالفكر ويهيء عقله لحوار جميل ، في كل خطوة يتوقع جميع الأسئلة ويرتب إجاباته ، وكلها كانت إجابات كاملة وتتقد ذكاءا .
يدخل الدكتور مكتبه ومسفر ورائه يخطو بثقة يمشي ملكا . يلتف الأستاذ حول مكتبه ويسأل مسفر وهو يهم بالجلوس : من وين إنت .؟
_ من هناك طال عمرك .
_ توقعت اسمك يدل على ذلك . فأسمائكم لا تتغير كثيرا وجميعكم متشابهون .
_ صدقت . يلفظها وهو يرى كيف أن قريته تتسلل إلى حلمه ، كيف يفتح لها الأستاذ بابا خفيا ويجعلها تتربع فوق كتفيه وكأنه يحمل جميع أبناء قريته معه في تلك اللحظة .
_ راح أكون شاكر لك إذا تذكرتنا بتنكة تمر . يقولون التمر عندكم زين
_ ابشر يا دكتور
_ وشد حيلك
يقف ينتظر كلمات أخرى . عن الاقتصاد ، عن الشيوعية ، تنهمر تلك الأسئلة التي تخيلها من سقف عقله إلى قاع حنجرته وتتبعها إجاباته الذكية لتخلق عالما من العبرات في حلقه . فقط هذا . يريد تمرا . وتصبح المدينة أمامه مسطحة تماما خالية من كل تفاصيل حلمه . فلا القصر المنيف ولا السيارة الفارهة ولا البشت المقصب بخيوط الذهب يزين ذراعه . أين ذهب كل هذا .؟؟
_لا تتأخر على محاضراتك
_ شكرا .
لم تكن مسموعة . لعله لم يلفظها أصلا . هل تحركت شفتاه . لا يدري ماذا يقول ..؟
أي كلمة تحاول الخروج الآن سوف تكون ملغمة بعبرة أو حجرشة مؤلمة . يبتسم بلطف ويسحب رجليه وهو يعود إلى الخلف باحترام وترقب لعل أستاذه ينظر إلى عينيه ويسأله عن تلك الروح المطلة تنتظر فرصة للتحليق . ولكن أستاذه لم يعد يشعر بوجوده . لقد انتهى بالنسبة له عندما انهى حديثه واخبره بما يريد .
يخرج وكل أروقة الجامعة تصبح كنفق هوائي تختلط فيه الأصوات وتتداخل ملامح الجميع وهم يمرون بجانبه . يراه أحد أبناء عمومته ويوقفه محدثا إياه .
_ أجل طالع من عند إستاذ خالد . ايش كان يبغى منك..؟
_ تمر .
والنخيل في مزارع قريته يحترق ، أو هكذا صور له غضبه .
_ احلف ، يا حظك إستاذ خالد طلب منك تمر ..
أي حظ يتحدث عنه هذا الأحمق ، لا ألوم الأستاذ فهو حين قال جميعنا متشابهون كان يقصد هذا أيضا ، لعله صادف آخرين لديهم نفس الحلم . أن يطلب منهم تمرا .
نعم لعله صادف شخصا يريد أن يصبح وزيرا للتمر .
يطلق ضحكات عالية تملأ المكان تفاجيء الضوضاء وتلغي كل صوت آخر من حوله . ضحكات بنكهة الصراخ تجعل الجميع يتجمدون ..