28 سبتمبر 1961: ليلة الانقلاب على عبدالناصر

غسان الإمام

صرخ العقيد جاسم علوان بالمقدم حيدر الكزبري:
ـ إلى أين تمضي يا حيدر؟
توقف جنود الهجانة عن أهازيجهم البدوية. ساد هدوء قصير الليل البهيم. ثم جاء صوت قائدهم المقدم حيدر من قلب إحدى المُصَفَّحات المتجهة باتجاه دمشق:
ـ أقوم بمناورة ليلية للتدريب.
ثم أردف المقدم الجريء:
ـ وأنت ماذا تفعل هنا؟
أجاب العقيد جاسم الذي كان في مقدمة رتل لوائه المدرع المتجه شمالا:
ـ وأنا كذلك. سأقوم بمناورة قتالية.
اطمأن المقدم حيدر. أمر مصفحات الهجانة بالمضي سريعا على طريق حمص ـ دمشق، كان اللقاء بين القائدين قد تم، مصادفة، على مفترق طرق بلدة الضمير ذات الأهمية الاستراتيجية. فهي أحد مفاتيح الصحراء السورية، متوسطة الطريق بين دمشق وحمص.
عَذَّبَ الشك العقيد جاسم علوان: لماذا يجري قائد الهجانة مناورته على طريق ضيق؟ لماذا لا يجريها في قلب البادية السورية الواسعة؟ ثم لماذا في الهزيع الأخير من الليل؟ كانت ليالي دمشق آنذاك حبلى بشائعات عن انقلاب، يدبره عبد الحميد السراج، ضد الرئيس جمال عبد الناصر ونائبه المشير عبد الحكيم عامر الموجود في سورية.

حسم العقيد علوان الشك بالحساب العسكري. كانت مصفحات الهجانة قديمة، مهترئة وبطيئة، وغير مهيأة للتورط في انقلاب يشارك فيه ضابط احتياط، كالمقدم حيدر الكزبري. لكن توقيت مناورة علوان كان غير مناسب. فقد انطلق من قاعدته العسكرية في قَطَنَا (جنوب غرب دمشق) التي انطلقت منها قوات الانقلاب الرئيسية. وعندما تناهت إليه أنباء الانقلاب، كان لواؤه 72 المدرع (فخر الجيش السوري) قد بات بعيدا عن دمشق، وغير قادر على العودة إليها لإحباط الانقلاب، بعدما أيدت القواعد والمعسكرات القائمة على الطريق حركة الانقلابيين، أو وقفت على الحياد.
شق الكزبري طريقه بسرعة إلى دمشق. بل سبق القوات الانقلابية الزاحفة عن قطنا. لم يتوجه الكزبري إلى رئاسة الأركان. توجه رأسا إلى مقر المشير عامر. بعد مناوشة قصيرة. استسلم حرس المشير. لكن المشير نفسه لم يكن في المقر. كان قد توجه إلى مبنى رئاسة الأركان، حيث التقى كبار ضباط القيادة الذين كانوا قد عرفوا بتحرك القوات الانقلابية.
28 أيلول/ سبتمبر 1961: تطورت الأحداث بسرعة في ذلك اليوم الخريفي. وصلت قوات قطنا فجرا. حاصرت المشير وقيادات الجيش في مبنى الأركان. بعد ساعات قليلة، راح الانقلابيون يذيعون بلاغات الانقلاب. لم يفصحوا عن أيه رغبة في الانفصال، إنما طالبوا، باسم العروبة، بـ«الإصلاح» و«استعادة كرامة الجيش».
كنت بحكم عملي، كرئيس للقسم المحلي في صحيفة «الوحدة»: التي أسسها عبد الناصر في سورية، أتابع بدقة التطورات، قبل وبعد الانقلاب. توالت المفاجآت المتقلبة. سارع عبد الناصر إلى رفض أي حوار مع الانقلابيين. لكن المشير عامر توصل إلى تسوية عاجلة معهم: وعود بالإصلاح، من دون ذكر أية تفاصيل. وضع حد لهيمنة الضباط المصريين على الجيش السوري. إعادة الضباط السوريين الذين «نُفُوا» إلى الإقليم الجنوبي (مصر).
غير أن المقدم الكزبري الذي كان مخمورا رفض التسوية. انتقل إلى مبنى الأركان. أطلق رصاص مسدسه على وزير الاقتصاد أكرم الديري، فأصابه بجروح بسيطة. ثم صعد إلى مصفحته، وراح يطلق رصاص رشاشاتها على المبنى. بعد ذلك، راح يشن حملة اعتقالات في المدينة. لم يَطُلِ الأمرُ بالكزبري. فقد لجأ زملاؤه الانقلابيون إلى عزله وتسريحه، بعد اتهامه بأنه كان على اتصال بالأردن.
بعد الاتفاق مع المشير، بدا الانقلابيون حائرين ومترددين. في البلاغ رقم (9) أعربوا عن رغبتهم في الرجوع عن الانقلاب. عندما علم عامر برفض عبد الناصر أي حوار واتصال بالانقلابيين، رفض بدوره توقيع وثيقة المصالحة. عندها، قاموا بترحيل المشير عامر إلى القاهرة. تابعوا اعتقال الضباط المصريين، من دون إساءة إليهم. واستأنفوا إذاعة بياناتهم المتناقضة، ضاربين عرض الحائط بالبيان رقم تسعة.
في هذه الأثناء، كانت البلبلة قد انتقلت إلى الشارع. جرت تظاهرات صغيرة ضد الوحدة وعبد الناصر، شارك فيها الشيوعيون والإخوان المسلمون. لكن ما لبثت التظاهرات الشعبية المؤيدة لعبد الناصر أن سيطرت على الشارع. كنت، في الواقع، أخشى من حرب أهلية. سقط قتلى وجرحى في حلب بين المتظاهرين الناصريين وتظاهرات مضادة شارك فيها أرمن ومسيحيون. القيادة العسكرية في حلب واللاذقية رفضت تأييد الانقلابيين. لكنها لم تستجب لنداءات عبد الناصر بالزحف إلى دمشق لإحباط الانقلاب. أحسب أن عبد الناصر كان متسرعا وغاضبا. أمر بإسقاط قوات مظلية في اللاذقية، تمهيدا لوصول قوات برية مصرية. لكن الانقلابيين طوقوا طليعة قوات الصاعقة، وبذلك أمكن تجاوز مجزرة سورية/ مصرية.
لكن مَن هم هؤلاء القياديون؟ للطرافة والحسرة، أقول إنهم كانوا من أبناء دمشق مدينتي. دمشق التي كانت تنادي وتدعي أنها «قلب العروبة النابض». كان الانقلاب دمشقيا. قاده «الشوام» في التعبير المصري الدارج. الواقع أن الانقلابيين كانوا ضباطا شبابا من صغار ومتوسطي الرتب. كانوا من أبناء الطبقة التجارية الوسطى، في مدينة، هي «بازار» كبير للبيع والشراء، وللتصدير والاستيراد.
زاد من سوء حظ عبد الناصر الذي انتهج سياسة اقتصادية مضادة لمصلحة الطبقة النافذة في سورية، أن جفاف البيئة ألحق ضررا مماثلا بالإنتاج الزراعي. للمقارنة، أضيف هنا بأن الليبرالية الاقتصادية التي يتبعها اليوم نظام الرئيس بشار، أكسبته قبولا مُرَحَّبا به لدى القطاع الخاص المنتعش، ولدى الطبقة البورجوازية التجارية والصناعية، بصرف النظر عن شعار «الاشتراكية» الذي بات مجرد عنوان سيريالي لحزب يملك، ولا يحكم.
صنعت دمشق انقلابا عسكريا على أغلى وأعز الشعارات والمبادئ القومية التي نادت وناضلت من أجلها، منذ نهايات القرن التاسع عشر. لكن الانقلابيين لم يعرفوا كيف يقيمون نظاما ودولة، لجأوا إلى ساسة اليمين المتقاعدين. فغرروا بهم. ألغت حكومة اليمين قوانين الإصلاح الزراعي، فأثارت على الانقلابيين زملاءهم ضباط الريف العائدين من «المنفى» المصري.
عاد الانقلابيون إلى عبد الناصر باكين مستغفرين. فرفضهم عبد الناصر: «الوحدة التي ذهبت بانقلاب، لا تعود بانقلاب».
وبعد، كنت شاهدا على التاريخ. لم أشارك في صنعه. لم أعمل في السياسة. رويت الحدث. لم أحلل الصورة. لم أتحدث عن الأشخاص. فإلى الثلاثاء المقبل، لأستكمل بناء المشهد، من خلال انطباعات شخصية عن كثب. عن ناصر. عامر. السراج. علوان. الكزبري. عبد الكريم النحلاوي (قائد الانقلاب). عن ساسة اليمين واليسار الذين ورثوا تركة عبد الناصر، بدءا بناظم القدسي. خالد العظم. معروف الدواليبي. مرورا بالبعثيين عفلق والبيطار والحوارني. انتهاء بخالد بكداش ستالين الحزب الشيوعي السوري. وصولا إلى رشدي الكيخيا زعيم حلب، وأنبل وأنزه زعيم سياسي عرفته سورية.

"الشرق الأوسط"