مع الجاسوس الإسرائيلي «إيلي كوهين»..

عمل محمد فريد الشريف دبلوماسيا في عدد من البلدان ومن بينها سفارة تونس في إيران بعد عودة الإمام الخميني إلى طهران من منفاه في العراق وفرنسا، ويصف المؤلف في كتابه: «مذكرات دبلوماسي: أربعون سنة في خدمة الدبلوماسية التونسية (1956 ـ 1996)» مقابلة جمعته بوزير الخارجيّة الإيرانيّ صادق قطب زاده، ناقلا دهشته وهو يلاحظ أنّ صادق قطب زادة كان يرتدي كساء من الحرير الرّماديّ اللاّمع، وبخنصره خاتم به ماسة، وقد تعطّر وتطيّب بشكل يثير الاستغراب.

وقطب زاده ـ وفق ما جاء في الكتاب ـ يعرف بأنّه زير نساء، وبابن الخميني المدلّل حيث كان إلى جانبه في فرنسا وفي الطّائرة الّتي نقلته من باريس إلى طهران. ويؤكد المؤلف، بوصفه شاهد عيان، أن قطب زاده وبني صدر، كانا من الشّبّان المقرّبين إلى الإمام، يحظيان بثقته، ويستمدّان نفوذهما من رصيده إلاّ أنّ هذا لم يمنعهما من النّهاية الحزينة. وإذا كان أبو الحسن بني صدر قد استطاع الفرار في الوقت المناسب والنّجاة بنفسه فإنّ صّادق قطب زاده قد أعدم بعد اتهامه بالتّآمر على النّظام. ويتذكر محمد فريد الشريف لقاءه مع قطب زادة مستعرضا ما دار بينهما قائلا: «استقبلني السّيّد قطب زاده (...) ليطلب من تونس أن توظّف رصيدها لدى الدّول الأعضاء في مجلس الأمن لدعم موقف إيران وإدانة الموقف الأميركي. أبلغت تونس مضمون الحديث وعند اقتراب اجتماع مجلس الأمن تلقّيت برقيّة تدعوني فيها الخارجيّة التّونسيّة إلى العودة إلى تونس للاستشارة. وكانت تونس قد رفضت تغطية تصرف الحكومة الإيرانيّة بمساندة احتجازها الرّهائن، وقد صوّتت تونس إلى جانب قرار مجلس الأمن المدين لهذا التّصرّف، وترتّب عن ذلك ردّ فعل عنيفا من قبل إيران تمثّل أساسا في الحملات الإعلاميّة ضدّ البلدان المؤيّدة لقرار مجلس الأمن».

مغامرات سفير

ومن أطرف ما رواه الدبلوماسي التونسي ما عاينه لمغامرة سفير مملكة «اللوزوتو» في طهران اثر قيام الثورة الإسلامية، فمن المعلوم أنّ إيران كانت في عهد «الشاه» مرتبطة بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع إسرائيل وجنوب إفريقيا في عهد النظام العنصري، والثورة الإيرانية بعد انتصارها وتوليها الحكم في البلاد بادرت بإعادة النظر جذريا في هذه العلاقات فصححت المسار وسحبت اعترافها بإسرائيل وبنظام جنوب إفريقيا العنصري. وكان نظام «الشاه» مقاطعا من قبل الدول الإفريقية عامة بحكم تورطه سياسيا واقتصاديا مع حكام التمييز العنصري، إلا انه استطاع أن يغري مملكة «اللوزوتو» بإقامة علاقات دبلوماسية معها، وكان يمنح سفارة «اللوزوتو» بطهران مبلغا ماليا سنويا لتغطية نفقاتها. ومملكة «اللوزوتو» من دول ما يسمى «ببطن الفيل»، باعتبار حجمها ووجودها داخل أراضي جنوب إفريقيا دون منفذ بحري أو حدود مشتركة مع أي بلد إفريقي آخر. وقبل نهاية السنة أبلغت الثورة سفير «اللوزوتو» بقرارها التوقف عن دفع المنحة المالية السنوية التي كانت تغطي نفقات البعثة. ولما كان سفير مملكة «اللوزوتو» ـ كما يصفه المؤلف ـ أميرا ورجلا عمليا في ذات الوقت، فقد باع كل ممتلكات السفارة واشترى حافلة نقل متوسطة حمل عليها زوجاته الست وجواريه وأبناءه وبناته والأمتعة الممكنة وغادر إيران في اتجاه إفريقيا للعودة لبلاط أجداده. وباعتبار محمد فريد الشريف (المؤلف) هو الرئيس المعتمد للمجموعة الإفريقية بطهران فقد قام بمراسم توديع على شرف السفير المغادر وأسرته في جو مفعم بالتأثر لكنه لا يخلو من الفكاهة والطرافة والغرابة.

اغتيال أبو جهاد

وبحكم موقعه المرموق في وزارة الشؤون الخارجية التونسية فإن المؤلف كان على علم أنّ تونس، بعد احتضانها منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات، أصبحت مركز اهتمام المخابرات ولا سيما الموساد الإسرائيلي ترصد فيها أعضاء قيادة المنظّمة بهدف القيام بعمليّات إرهابيّة لتصفيتهم. ولقد تعرّضت تونس إلى عدوان جوّيّ آثم على أراضيها وتحديدا على منطقة «حمّام الشّط» في ضواحي العاصمة حيث كان يقيم عدد من الفلسطينيين، وكان من المفروض أن يكون الرّئيس ياسر عرفات موجودا هناك. وقد خلّف هذا العدوان عددا من الضّحايا في صفوف الفلسطينيين والتّونسيين. ولكنّ تونس ـ كما شرح ذلك المؤلف ـ لم تقبل انتهاك سيادتها والاعتداء على حرمة فضائها الجوّيّ وأراضيها إضافة إلى الجريمة البشعة الّتي ارتكبها الطّيران الإسرائيلي فقدّمت شكوى إلى الأمم المتّحدة، وقد تولّى الباجي قائد السّبسي وزير الشّؤون الخارجيّة عرض الشّكوى على مجلس الأمن الّذي أصدر قرارا يدين العدوان، وامتنعت الولايات المتّحدة الأميريكيّة عن التّصويت، وهذا الامتناع يعتبر ـ حسب تحليل الدبلوماسي التونسي ـ كسبا إذا ما قارناه بالمواقف التّقليديّة لأميركا الّتي كانت في مثل هذه الحالات تستعمل حقّ «الفيتو» لإحباط أيّ مشروع يدين إسرائيل. وتعرض المؤلف إلى حادثة اغتيال خليل الوزير «أبو جهاد» بمنزله «بسيدي بوسعيد» بتونس في سنة 1988 بواسطة كوماندوز إسرائيلي جاء عن طريق البحر، ويقول محمد فريد الشريف إن المجرمين الإسرائيليين استطاعوا تنفيذ جريمتهم النّكراء بعد أن يسّرت لهم ذلك بعض العناصر العميلة، المتواطئة الّتي اكتشف الفلسطينيّون أمرها فيما بعد.

قصة الجاسوس الإسرائيلي

ذكر محمّد فريد الشريف أنه تعرّف أثناء فترة عمله الأولى بسوريا (1961 ـ 1963) على الجاسوس الإسرائيلي الذي كان يحمل اسما مزيّفا هو أمين ثابت. ويروي الدبلوماسي التونسي ذكرياته عنه فقد التقى به في عدّة مناسبات رسميّة وحفلات السّفارات باعتباره من «الشخصيّات السّوريّة الرّسميّة» ذوات المكانة والجاه في نظام أمين حافظ، رئيس مجلس قيادة الثّورة، وهو بعثيّ عضو في القيادة القطريّة السّوريّة والقيادة القوميّة. وكانت إسرائيل قد هيّأت أمين ثابت، وهو يهوديّ إسمه الحقيقيّ «إيلي كوهين» لمهمّة التّجسّس في سوريا، ومن أجل ذلك أوفدته إلى الأرجنتين حيث كان اللّواء أمين الحافظ ملحقا عسكريّا بالسّفارة السوريّة. وقد قامت علاقات حميمة بين الرّجلين، ولمّا عاد أمين الحافظ إلى دمشق وتولّى فيها أعلى المناصب دعا صديقه أمين ثابت رجل الأعمال الكبير المغترب إلى العودة إلى سوريا كمستشار مقرّب من رئيس الدّولة يحضر بطبيعة الحال كلّ الحفلات الرّسميّة. ويروي المؤلف انه كان ـ كسائر الدبلوماسيين ـ يلتقي به، ولم يخطر على بال أحد أنّ هذا الرّجل الّذي يحظى بمكانة مميّزة لدى رئيس الدّولة عدوّ لدود، وجاسوس يعمل لحساب «الموساد» (المخابرات الإسرائيلية). ومعلوم ـ كما جاء في الكتاب ـ أنّ أمر هذا الجاسوس اكتشف، وتعدّدت الرّوايات منها ما يؤكّد أنّ المخابرات المصريّة قد تعرّفت عليه في صورة بجانب الرّئيس أمين حافظ ومبعوث مصريّ في زيارة رسميّة إلى دمشق ونبّهت المصالح السّوريّة لذلك بالنّظر إلى أنّ «إيلي كوهين» مصري الأصل ومن مواليد الإسكندريّة، ومنها ما يقول إنّ أمر هذا الجاسوس افتضح بقيامه ببث رسائله اللاّسلكيّة في نفس الوقت الّذي كان يجري فيه سفير الهند اتصالاته مع بلده. وقد اشتكى هذا السّفير من أنّه يجد مضايقات في بث رسائله فقامت السّلطات السّوريّة بأبحاث فنّيّة لمعرفة أسباب هذه المضايقات فاكتشفت بالصّدفة أنّ أمين ثابت يبثّ رسائله في نفس الوقت من عمارة محاذية ممّا أدخل ارتباكا على جهاز البثّ الهنديّ. ومهما كانت الرّواية الصّحيحة فإنّ «إيلي كوهين» قد اكتشف أمره ونفذ فيه حكم الإعدام. وقد اعتبرت إسرائيل الجاسوس «كوهين» بطلا قوميّا وصدرت الرّوايات والقصص الّتي تشيد به.

"الإتحاد"
الكتاب: مذكرات دبلوماسي: أربعون سنة في خدمة الدبلوماسية التونسية 1956 ـ 1996
المؤلف: محمد فريد الشريف
الناشر: المطبعة العصرية ـ تونس