الكتابة المسمارية وإبلا

آ-تمهيد:

الهدف الأساسي من بحثنا هذا هو "إبلا" حاضرة المملكة الشهيرة التي سادت شمالي بلاد الشام منذ أكثر من أربعة آلاف عام والتي كشفت عنها معاول التنقيب في موقع تل مرديخ قرب بلدة سراقب، وكذلك قصة اكتشافها، وبصورة خاصة، أهمية محفوظاتها المسمارية. ونأمل أن نقدم بعض التقديرات والمواقف الجديدة حول هذه المحفوظات التي "ملأت الدنيا وشغلت الناس" والتي أثير حولها، على الصعيد المحلي والعربي والعالمي ضجيج وجدل وتخرصات.

ولكن، بادئ ذي بدء، لا بد لنا من عودة، قد تكون طويلة نوعاً ما، إلى الكتابة المسمارية ومشاكلها حتى تتوضح لنا، ونحن بصدد محفوظات إبلا، الأسباب التي جرّت إلى ضحولة بعض الاستقراء التاريخي وركاكته.

ب-مطالع الكتابة:

تكلم الإنسان بضعة ملايين من السنين قبل أن يكتب. وارتقى من الكلام البسيط الذي يعبر عن بعض الغرائز والحاجات والمشاعر إلى صياغة النثر الفني وقرض الشعر قبل أن يعرف الكتابة. وعندما توصل أسلافنا القدامى إلى الكتابة لم يدونوا بها، أول الأمر، شعراً أو نثراً بل مذكرات وكان أحدهم يسجل ما يريد أن يذكره، أو ما يخشى أن ينساه. وذلك بالشكل البسيط (خطوط تذكّره بالعدد أو صورة مختزلة تذكره بإنسان أو حيوان أو شيء).

وكانت عملية التسجيل هذه مرتبطة باستقرار الإنسان وإنتاجه للقوت وقيامه بعملية تخزين فائض إنتاجه وممارسة المبادلة أي المقايضة ثمّ التجارة. على أن الإنسان قام أيضاً بتسجيل الأشكال والصور لأغراض أخرى غير اقتصادية كأغراض العبادة والسحر والأغراض الجمالية أيضاً.

والنظرية "الكلاسيكية" المقبولة حتى الآن تقول بأن:

هذا التسجيل البدائي تم في الرافدين (والهلال الخصيب إجمالاً) ومصر قبل أية منطقة أخرى في العالم. وذلك لسبقهما في الاستقرار والإنتاج بسبب ملاءمة المناخ والبيئة، ومر بطور تصويري بحت يعود للألف الرابع قبل الميلاد (حوالي 3500 ق. م) ويسمى عادة الطور شبه الكتابي[1].

وقد سجل الإنسان القديم عملياته ومذكراته إذا صحّ التعبير، بالخطوط والصور على المواد المتوفرة لديه وهي بصورة رئيسية الطين المجفف في بلاد الرافدين وما حولها والبردى في مصر.

وكانت الكتابة بالأصل صوراً على جانب من الوضوح ثمّ اختزلت نوعاً ما وتدريجياً حتى انقطع الشبه بينها وبين الأصل تماماً خلال القرون[2].

وقد عثر في مواقع أوروك وموقع جمدة نصر في الرافدتين في السويات الأثرية التي تعود لطور ما قبل السلالات في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد على رقم (أي ألواح من الطين) عليها رسوم منفذة بأقلام من القصب غالباً، تمثل نخيلاً وأسماكاً وعصافير الخ واعتبرت هذه الرسوم مذكرات تتعلق بإحصاء ممتلكات المعابد والأفراد. فهي من نماذج الكتابة التصويرية التي تطورت فيما بعد وأصبحت تعبر بالتدريج عن المعاني المجردة.

جـ-الكتابة المسمارية:

والمتفق عليه حتى الآن أن أول من استخدم الكتابة من الرافدين هم السومريون[3] وكانت كتابتهم، كما أسلفنا، أول أمرها كالهيروغليفية المصرية (أي تصويرية). وكان الكتبة السومريون كما ذكرنا يرسمونها بشكل مبسط وهذه الأشكال تمثل كلمات. وهذه الكلمات هي ما تمثله هذه الأشكال (رجل، بيت، ثور، شجرة الخ) ثمّ أخذوا يستعملون هذه الأشكال للتعبير عن بعض المعاني والأفكار (مثلاً الشمس تعني الضوء والحرارة، والقدم تعني الحركة والمشي) وبذلك أصبحت الكتابة (أيديوغرافية) أي رمزية تعبر عن أفكار.

ثمّ اقتضت الحاجة التعبير بشكل أدق عن تلك الأفكار ولويناتها، وعن المعاني الأخلاقية والعواطف فصارت الأشكال السابقة أو بعضها لا يستخدم للدلالة على الأشياء المادية التي تمثلها بل للتعبير عن الأصوات والمقاطع الصوتية. فأصبحت الكتابة -ولو جزئياً- صوتية، ولكنها ظلّت تعطي لبعض الأشكال قيمة رمزية أحياناً وقيمة صوتية أحياناً أخرى. وفي ذلك صعوبة بالغة في القراءة والكتابة اتصفت بها الكتابة السومرية[4] المعروفة بالاسفينية أو بالمسمارية (كونيفورم).

أمّا تسميتها بالمسمارية فمردها إلى أن الأشكال تطورت من الصور إلى الرسوم الخطيّة المبسطة، كما ذكرنا، وإلى إشارات مجرّدة بعيدة الصلة بالأصل تكتب على ألواح الطين (الرقم[5]) بأقلام خاصة تعطي أشكالاً كالأسافين أو المسامير[6].

د-صعوبات الكتابة المسمارية:

قلنا إن الكتابة المسمارية كانت تصويرية رمزية ثم أصبحت صوتية. وفي غالب الأحيان لم يعد فيها علاقة بين الصورة والصوت، فإشارة اليدالتي كانت بالأصل ليد الإنسان ولا تعني إلا اليد، أصبحت لها القيمة الصوتية "شو" "لأن" "يد" تسمى "شو" لدى السومريين وأصبحت هذه الإشارة تستخدم لتسجل صوتياً كل كلمة فيها المقطع "شو".

وثمّة ملاحظة هامة، ونحن بصدد موضوع الكتابة المسمارية فإن إشارات الكتابة محدودة العدد أما الأفكار فلا تقع تحت حصر. ولا بد من التعبير بإشارة واحدة عن كل الأفكار القريبة من معناها الأصلي. فشكل القرص لا يعني الشمس فحسب بل فكرة النهار وفكرة الضياء وفكرة البياض الخ. ولما كان كل من هذه الأفكار له اسم مختلف فإن إشارة القرص الأصلية قد أصبح لها قيم صوتية جديدة. ومن هنا فإن إشارات الكتابة المسمارية يمكن أن تعبر عن أصوات عدّة تصل أحياناً إلى خمسة عشر أو عشرين فالإشارة يمكن أن تقرأ: باب، فير، خيش، لاخ، فاردام، تو، أو، أود[7].

وبالمقابل فإن لفظة واحدة تعطي في لغة من اللغات معنيين أو عدة معان (أي بينهما جناس تام). ولكن في كتابة رمزية كالمسمارية السومرية نجد المعاني المشتركة لفظياً لا بد أن يكون لكل منها إشارة خاصة وبالتالي فإن العديد من الإشارات تدل على لفظ واحد.

فهناك مقطع يلفظ تو يمكن التعبير عنه بحوالي عشرين إشارة[8]. والإشارات يمكن أن تستخدم للتعبير عن كلمة أو عن مقطع لفظي، وليس هناك ما يدل القارئ أيهما المقصود إلا المعنى العام والسياق.

والكتابة المسمارية من هذه الناحية أيضاً تحتمل التأويل أيضاً.

هذا وفي الكتابة المسمارية إشارات تستخدم قبل الكلمات غالباً وبعدها أحياناً لتدل على صنف أو فئة مثلاً حجر، بلاد، إنسان الخ (مثلاً إذا وضعنا قبل "أشور" كلمة "مات" تعني بلاد، وإذا قرأنا "سو ماتوا يصور" نعرف أن المقصود حمامة لأن "ايصور" تعني طيراً وهكذا).

وكانت الكتابة المسمارية وضعت أصلاً لتسجيل لغة ملصقة أو مدغمة كالسومرية[9] وهي تلائمها فلما اقتصرت السومرية على الأمور الدينية وحلّتْ محلها اللغة الأكادية في الرافدين وفي أكثر مناطق الهلال الخصيب وما جاورها، وكتبت الأكادية بالمسمارية السومرية حصلت صعوبات جديدة في الكتابة المسمارية. لأن الكتابة السومرية بالأصل غير مؤهلة تماماً للتعبير عنها فالآكادية كالعربية بعض حروفها لها حالات في اللفظ كالتاء والطاء والثاء والصاد والظاء والسين والشين[10] ولا تفرق الإشارات المسمارية بينها. ومن ذلك إن إشارة يمكن أن تلفظ "جيت" أو "جيط" أو "جيد" حتى "خيد" و "خيت".

وثمّة صعوبة من نوع آخر فالإشارة المسمارية التي تعني فكرة أو فعلاً من الأفعال لا تفرق بين الحالات. فإشارةولفظها "شاكانو" تعني وضع وتعني واضعاً كما تعني سوف يضع الخ[11].

وفي صدد صعوبة هذه الكتابة يقول بول غاريللي "إزاء هذه الطريقة (المعقدة) في الكتابة كان لا بد للباحثين الأوائل من أن يضلوا سواء السبيل.

وما أن يتوصلوا إلى معرفة قيمة أو لفظ إشارة من الإشارات في أحد الأسماء حتى يتضح لهم أن هذه الإشارة تقرأ بشكل مغاير في اسم آخر، الأمر الذي لا بد أن يزرع الشك بالنسبة لقراءة الاسم الأول[12].

وهنا نصل إلى لبّ المشكلة فهذا الأمر، أن يضلّ الباحثون سواء السبيل، هو الذي حصل في أحيان كثيرة بعد اكتشاف محفوظات إبلا وأدى عن حسن نية أحياناً وعن سوء نية في أحيان أخرى إلى التأويلات الخاطئة التي أخذت الآن تتلاشى واحدة تلو الأخرى.

ولكن قد يكون من الضروري هنا وبعد هذه المقدمة الطويلة التي لا بد منها أن نراجع قصة إبلا ومحفوظاتها من البداية ونلخصها للقارئ العزيز ولو على سبيل التذكرة.

***

هـ- كشف إبلا في تل مرديخ.

لم تكن بعثة جامعة روما الأثرية، برئاسة الأستاذ باولو ماتييه، عندما باشرت التنقيب في تل مرديخ (قرب سراقب وعلى يمين الطريق الذاهبة إلى حلب وعلى بعد 55 كم منها) تعرف اسم المدينة الجاثية في هذا التل الرحيب المحاط بنطاق من بقايا الأسوار المنيعة والذي سبق أن ظهرت فيه بعض الآثار الهامة[13]. وقد اتضح للبعثة الإيطالية اسم المدينة عام 1968 إثر العثور على جذع تمثال نذري بازلتي، نقش عليه بالمسمارية نص يدل على أنه للملك "إبلت لم" ملك إبلا. وإبلا مملكة مدينة شهيرة معاصرة للمملكة آكاد (النصف الثاني للألف الثالث قبل الميلاد) كانت الآراء متضاربة حول موقعها[14] إلا أن هذا التمثال يعود للملك من ملوك السلالة الأمورية التي حكمت إبلا بعد ذلك في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. وكان تنقيب البعثة الإيطالية مركزاً على سوية تقابل العهد المذكور والعهود الأحدث.

و-رقم إبلا المسمارية ومضمونها:

ومنذ 1973 أخذت البعثة المذكورة تنقب عن قصر منيف متين البنيان، بعض جدرانه محفوظ حتى ارتفاع خمسة أمتار وهو غني بالآثار. وقد تأكد لها أثرياً أنه يعود للنصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. وفي حجرة من حجرات القصر وقعت للبعثة المنقبة مفاجأة تعقد الألسنة دهشة! فكل السجلات الرسمية "أرشيف" مدينة إبلا ومملكتها وجدت دفعة واحدة متصلبة بنار الحريق. وقد سقطت أكواماً فوق بعضها من رفوف خشبية زالت بمرور الزمن. ودلّت المحفوظات أن هذا القصر كان مقراً لسلالة ملكية سورية حكمت بين حوالي 2400-2250 وعرف من ملوكها ستة أو سبعة.

إن الكشف ولا شك فريد في أهميته. ولكن قبل حدوثه مرت كل مكتشفات إبلا السابقة من أوابد ومنحوتات ومنقوشات وخزفيات وغيرها دون أن تلفت النظر كثيراً.

والواقع أن عدد الرقم (أي الألواح الطينية المكتوبة بالمسمارية)[15] ومحتواها شيء يكسف ما دونه. وهذه الرقم محررة بالكتابة المسمارية السومرية التي أطلنا البحث فيها. أمّا لغتها فهي قريبة من الأكادية في رأي البعض ومن الكنعانية في رأي البعض الآخر[16] أمّا الاتجاه الجديد فيسميها اللغة أو اللهجة الإبلية (نسبة لإبلا) ويدرجها مستقلة في المجموعة اللغوية المعروفة بالسامية اصطلاحاً[17].

إن أهمية رقم إبلا -فيما عدا عددها الكبير تنبع أيضاً من محتواها الغني بالمعلومات عن تاريخ النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد في سورية وفيما حولها، ومن حيث أنها تشكل أقدم الوثائق المعروفة الدالة على مرحلة تطور مدنية باهرة تحققت في بلاد الشام معاصرة وموازية لمثيلتيها في الرافدين ومصر.

من تلك النصوص التي لم تدرس بعد بشكل نهائي وكاف، يمكن أن نستشف أن إبلا كانت قوة سياسية كبرى في سورية الشمالية هيمنت على أجزاء أساسية من الهلال الخصيب كحلب وماري (على الفرات) ومناطق هامة أخرى. وكان لها أحلاف واتفاقيات سياسية واقتصادية. وقوتها السياسية مستمدة من حيوية اقتصادها، فتجارها يجوبون البلاد من الأناضول إلى فلسطين ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الرافدين، ويحتمل أن ملوكها كانوا يتبادلون الهدايا ويتعاملون مع فراعنة المملكة القديمة بمصر. كما يتضح من النصوص ومن الآثار أن إبلا كانت تصنع الخشب المنزل والنسيج الجميل والأثاث وتعالج المعادن المستوردة وتبرع في صناعة الحلي وتربي القطعان الكبيرة وتهتم بالزراعة وتوريد الخشب.

وبسبب التجارة شنت إبلا الحرب مرتين على مملكة ماري، كما تنازعت مع دولة الآكاديين على معادن الأناضول وأخشاب الساحل. ويبدو أن الحروب كانت حامية الوطيس بينهما انتصر في آخر مرحلة منها نارامسين ملك الأكاديين حوالي 2250ق. م.[18] وأحرق قصرها الملكي.

ز. تأويل نصوص إبلا وعثراته:

عند هذه المعلومات العلمية العامة والهامة، كان المفروض أن يتوقف الإنسان بانتظار الدراسة العلمية الدقيقة لمحتويات الرقم، وتصوير الوثائق ونسخها بأمانة ونشرها وفق المنهج العلمي السديد ولكن صادف أن اللغوي المختص بقراءة النصوص لدى البعثة الإيطالية الكاهن السابق جيوفاني بيتناتو كانت لديه على سذاجته الخبيثة، نزعة مباهاة ورغبة في تعجيل الشهرة، فأخذ ينشر التصريحات ذات اليمين وذات الشمال خاصة خلال جولته في الولايات المتحدة[19]. وما يسأل عن حدث أو اسم إلا ويزعم أنه موجود في رقم إبلا. وقد رأينا في مطلع مقالنا أن الكتابة المسمارية كثيرة الاحتمالات وتحتمل التأويلات وتتقبل -ما لم يكن هناك رادع من أمانة- كثيراً من الهوى.

إن الأستاذ روبرت بيغس أستاذ الآشوريات في المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو والاختصاصي الذي يعمل منذ 1963 على رقم مشابهة لرقم إبلا متكشفة في أبو صلابيخ بالعراق[20] يؤكد على صعوبة قراءة وفهم النصوص المسمارية وتعقيد طريقة الكتابة في إبلا ويقول:

"إن فيها استعمالاً كثيراً جداً للإشارات الرمزية الأمر الذي يعني أن الكلمات المقصودة لا يمكن أن نعرفها إلا من مقابلها في اللغة السومرية ولا ندري ما هي في اللغة الإبلية. ثم إن الأدوات التي تربط الكلمات ببعضها لتشكل الجمل قد لا تكون موجودة إطلاقاً. وإذا وجدت تكون مكتوبة بالمقاطع الإبلية وعلى هذا لا يمكن معرفة معناها إلا تخميناً وبالمقارنة مع ألفاظ مماثلة في لغة سامية أخرى. ويبدو في الحقيقة عدم وجود نصوص مكتوبة كلياً بالمقاطع الإبلية وعلى هذا فإن النصوص الإبلية في الكثرة الساحقة لا يمكن فهمها إلا إذا أمكن تفسير الإشارات الرمزية السومرية[21]".

ويتابع روبرت بيغس القول وهو يعدد صعوبات قراءة نصوص إبلا:

إن معظم الإشارات المسمارية لها أكثر من قراءة مقطعية وكذلك واحدة أو أكثر من القراءات الرمزية. ثم إنه ليس هناك أية مسافة أو فاصلة تفصل الكلمة عن الأخرى. ونظراً لكل هذه الصعوبات فإن من الطبيعي أن تتحسن قراءة النصوص في الأسماء تدريجياً مع تطور معرفة العلماء بالمقطعية الإبلية"[22].

"ويظن الإنسان أن فهم النصوص الاقتصادية والإدارية الإبلية هو سهل نسبياً. وقد يكون ذلك صحيحاً بالنسبة لعدد محدود من الحالات أما في الغالب فإن الإنسان، حتى إذا فهم كل الكلمات، لا يعرف المقصود من النص. فإذا كان يعرف أن النص يتحدث عن الشعير فلا يدرك هل الشعير قد صدر أو استورد وما هي الغاية من هذا وذاك"[23].

وكنموذج على اضطرابات القراءة في نصوص إبلا يورد الأستاذ بيغس المثل التالي:

فقد قرأ بتيناتو الإشارات آ. ان. غا. دو. كي. وأعاد ترتيبها بحيث أصبحت آ. غا. دو. ان. كي. وترجمها "آكاد الملك" (إذ أن "إن" إشارة ترمز في الابلية إلى الملك) ثم تبين أن "إن" هي في الكتابة المقطعية بنصوص إبلا تلفظ "رو" وإن الإشارات موضوع البحث يجب أن تقرأ "آروغادو" وهو اسم مدينة![24]والآن يكتبها بيتناتو بشكل "أوركاتو"! يقول الأستاذ بيغس بعد ذلك إن مثل هذا التحسين في لفظ المقاطع هو الذي أدى لتصحيح قراءة الأسماء في نصوص إبلا. ويذكر بالذات أسماء المدن التي رغم تبيناتو أنها المدن الخمس المذكورة في التوراة[25]، كما سوف نرى بعد قليل.

ويذكر الأستاذ بيغس مثلاً آخر عن بيتيناتو وكيف زعم مرة أنه رأى في أحد النصوص اسم سرجون الآكادي واعتبر بالتالي بلاد آكاد تابعة لإبلا ثم كيف تراجع في مقال آخر وقال إن قراءته كانت خاطئة[26]، ويورد مثلاً ثالثاً على أخطاء بيتيناتو فيقول إن قراءته لاسم (توديجا) أحد ملوك آشور القدامى رفضت من جميع قارئي الكتابة المسمارية اللهم إلا فريدمان وداهود (أي جماعته) دون تردد[27].

والحقيقة أن الباحث يجد أمثلة كثيرة على أسماء المدن التي "فبركها" بيتيناتو حتى يجعل آكادو منطقة حران والجزيرة والأناضول وسورية الشمالية وقبرص وغزة ومدن فلسطين في نطاق إبلا وليجعل إبلا بدورها في نطاق التوراة!

ومن الطرائف في هذا المجال قصة الرقيم (ت م 75-1860) فقد كان تبيناتو زعم أن هذا الرقيم يحوي أسماء مدن السهل الخمس الوارد في التوراة سفر الخليقة[28] وأنها واردة فيه بترتيب التوراة نفسه:

سادوم، عمورا، أدما، صبوييم، بالع.

ثم تراجع تدريجياً وقال أول الأمر إن الأسماء ليست مجتمعة في رقيم واحد ولكنها موزعة في عدة رُقم. ثم قال بعد ذلك إن ثلاثاً من أسماء المدن مغلوطة[29] وأخيراً تبين أن محتوى هذا الرقيم يتعلق بسبائك معدنية وأنه من ناحية اللغة الإبلية وكتابتها بالمسمارية لا تستقيم قراءة سادوم ولا عمورا[30]. على أن هذا الرقيم موجود وصوره جاهزة ويمكن لكل عالم أو اختصاصي راغب في الحقيقة أن يطلع عليه[31].

وأخيراً نأتي إلى طرفه تتعلق بلفظة "يا" التي قال بيتناتو خطأ أنها ترد في آخر بعض أسماء الإبلية. وزعم في وقت من الأوقات أنها قد تكون في آخر الأسماء للتحبب أو أنها اختصاراً لاسم الرب، وقيل لعله يهوه. فلم يوافق أحد من العلماء والاختصاصيين لا على هذه القراءة ولا على هذا الاستنتاج حتى ولا الأب ميتشل داهود أو حتى بارمنت و وايزمان[32] فإن "يا" يمكن أن تقرأ أيضاً "إي" أو "لي" أو "ني".

هذا عن بعض "التخرصات" التي حصلت بمناسبة اكتشاف إبلا وسنعرض للبعض الآخر في الصفحات القادمة.

ح. إبلا والتوراة

تتابع القول فنذكر أنه إثر مثل هذه "التركيبات" اللا علمية ولجت صحافة سياسية في موضوع إبلا بكل ما يمكن من سوء النية وقليلاً على سبيل الطرافة والإثارة، وهي صحافة معروفة بمعاداتها لسورية بالذات كالتايم والنيوزويك والديلي تليغراف والايكونومست والوول ستريت جورنال وقائمة طويلة أخرى من الصحف الأقل أهمية..

وأخذت هذه الجوقة بصوت واحد تردد أنه طالما أن لغة إبلا قريبة من العبرية، وأن نصوص إبلا تحوي أسماء أعلام وأسماء مدن تورائية فإن من المحتمل -بكل بساطة- أن يكون أصل العبرانيين من إبلا. وإضافة لهذه "الاكتشافات" الهزلية أخذت تتهم سورية ظلماً وعدواناً وبدون أي مستند بعدم الرغبة بنشر هذه الوثائق. وكان المبرز في هذا المجال الديلي تلغراف[33] والمجلة الأثرية التورائية[34].

أما إن لغة إبلا شبيهة باللغة العبرية فإن المرء ليتساءل ما هي اللغة العبرية؟ ليس بين المؤرخين واللغويين من يجهل أن العبرية كنعانية وكتبت بالخط الكنعاني (الفنيقي) ثم بالخط الآرامي. وإن العبرانيين تكلموا الكنعانية وهي لغة البلاد التي تسربوا إليها فلا يكون تقريب الإبلية من العبرية إلا للتضليل وسوء النية.

أما أن نصوص إبلا تضم أسماء أعلام شبيهة بما في التوراة فالأمر من البداهة بحيث لا يحتاج إلى كبير إيضاح فهذه الأسماء كانت منتشرة في المنطقة انتشاراً كبيراً وفي كل الهلال الخصيب وظلت ألوف السنين وما تزال وهي في جلها أسماء أكادية أو كنعانية مركبة مع اسم "إيل" أي الإله فترجمتها بسيطة فإسرائيل تعني "الله يسود" أو "أسير الله" وإسماعيل تعني "الله يسمع" وميكائيل تعني "من هو كالله؟" وقد استخدم العبرانيون أسماء مصرية كموسى وأسماء حورية وكل الأسماء الشائعة في منطقة الهلال الخصيب[35].

ثم إن إبلا سابقة لورود العبرانيين إلى المنطقة بألف عام ويزيد بل ليس في نظام الحكم بإبلا ولا في تسلسل سلالتها الملكية ولا في نظامها السياسي والاجتماعي ولا في نشاطها الاقتصادي ولا في أصالتها الفنية والمعمارية ولا في معبوداتها وديانتها وطقوسها علاقة أو شبه علاقة بالعبرانيين.

حتى بعد أكثر من ألف عام من إبلا- عندما قدموا إلى المنطقة كانوا بداة رحلاً يجوبون الآفاق مع عيالهم ودوابهم وكانوا حسب قول ويلز

"غير متمدينين وليس لهم كتاب يقرأونه[36]".

إن التوراة التي يحملها اليهود حالياً هي من تأليف اليهود في سبيهم ببابل خلال القرن الخامس قبل الميلاد وتلك بديهية يعرفها حتى طلاب المدارس الثانوية. ومن المعروف أن هذه التوراة التي وضعها اليهود في بابل وشنعوا فيها على ملوكهم وأنبيائهم واعترفوا فيها باغتصاب الأرض وقتل الشعب قد جمعوا في أسفارها أيضاً كل ما تعلموه في الوسط الكنعاني والوسط البابلي من قصة الخليقة إلى قصة الطوفان إلى أسطورة ولادة سرجون إلى أسطورة كيريت إلى تشاريع حمورابي. وخلاصة الأمر أن التوراة نضحت من معين التراث الكنعاني والبابلي والمصري. وهذا هو بالأصل سبب ورود بعض الأسماء، إن وردت، والأحدث ينسخ من الأقدم، وتلك البديهية لا تحتاج إلى برهان، ولا يكون الحصان إلا أمام العربة.

ط- العلم يحسم الموقف:

وإزاء حملة الافتراء التي سعت لتشويه الموقف المنفتح الذي تقفه السلطات المختصة في سورية مع البعثات الأثرية الأجنبية المرخصة بالتنقيب في أراضيها، ونظراً للسطحية والتفاهة التي كان اللغوي الإيطالي جيوفاني بتيناتو، وما يزال، يعالج فيها موضوع رقم إبلا[37]، رأينا في المديرية العامة للآثار والمتاحف وبالاتفاق مع البعثة الأثرية الإيطالية العاملة في تل مرديخ ومع جامعة روما أن نفتح ملف إبلا على الملأ.

وسعياً وراء وضع نتائج قراءة رقم إبلا تحت تصرف الأوساط العلمية في العالم بأسرع ما يمكن، وجهت الدعوة إلى الاختصاصيين في قراءة الكتابات المسمارية -السومرية- الآكادية في العالم. وألفت عام 1978 لجنة دولية تضم خيرة الاختصاصيين العالميين[38].

عقد هؤلاء اجتماعات بدمشق وروما ونظموا عملهم بشكل جيد وهم يعكفون الآن على دراسات الرقم المسمارية المكتشفة في تل مرديخ/ إبلا، كل حسب اهتمامه، وستصدر اعتباراً من العام (1981) أول دراساتهم المفصلة باسم (نصوص محفوظات إبلا الملكية)[39]. كما تصدر البعثة الإيطالية من جامعة روما دراسات ومقالات حول مواضيع لغوية وأثرية وتاريخية تفصيلية خاصة بإبلا وذلك في مجموعتين الأولى تسمى "حوليات إبلا" والثانية "دراسات إبلية"[40].

وفي مايس الماضي، عقدت جامعة روما بين السابع والعشرين والتاسع والعشرين منه ندوة عالمية حول مكتشفات تل مرديخ/ إبلا اشترك فيها عدد كبير من علماء اللغات القديمة والآثار وأسهمنا بها شخصياً. وكان عدد البحوث التي ألقيت خلال هذه الندوة كبيراً أربى على الثلاثين. وكانت بحوثاً منهجية وعميقة لا تراعي في الحق لومة لائم، وضعت مسألة إبلا ومكتشفاتها في مسارها الصحيح وأعطت رداً علمياً جذرياً على التخرصات التي سعت لترويجها، عند اكتشاف محفوظات إبلا أوساط تورائية مشبوهة بعلاقتها الوثيقة بالصهيونية. وكان في حصيلة أعمال الندوة بإجماع على أن إبلا لا علاقة لها من قريب أو بعيد، ولا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون ولا بشكل تقريبي ولا بأي وجه من الوجوه، بالعبرانيين أو التوراة أو قضاة العبرانيين أو ملوكهم. فإبلا كما ذكرنا في القسم الأول من المقال، تسبق ألف عام على الأقل مرور العبرانيين وتفارق مفارق صارخة في شكل المجتمع ودرجة تطوره وفي النشاط الاقتصادي المتقدم وفي نظام الحكم والديانة وفي أنماط المدنية كلها بالإجمال والتفاصيل تلك الجماعة البدوية الهائمة بين الرافدين ومصر والتي طرأت على الوسط الكنعاني في بلاد الشام وتعلمت لغته وتبنت بعض موروثاته وتقاليده وأساطيره. وإذا اتفق وكان هناك أحياناً تشابه في الأسماء، فإننا يجب أن لا ننسى أن هذه الأسماء كانت منتشرة في بلاد الرافدين والشام ونعرفها لدى الأكاديين في دولتهم المعاصرة لإبلا جنوبي الرافدين ونعرفها في المحفوظات المكتشفة في موقع "أبو صلابيخ" بالعراق وفي موقع "فارة" ونعرفها في العهود التالية في أسماء الكنعانيين -الأموريين، وستبقى مستعملة في منطقتنا إلى يوم الدين. ولم يستعمل العبرانيون بعض الأسماء فحسب بل استخدموا كما أوضحنا سابقاً أسماء مصرية كاسم موسى مثلاً.

إن العالم العلمي ليسخر الآن من ذلك العبث اللا علمي الذي راج في بعض الأوساط الجاهلة بألف باء التاريخ، حتى إن كل الذين قادوا حملة التشويه والتشويش أخذوا يحاولون التنصل منها. لقد كان لتلك الحملة أركان ثلاثة وكلهم من بيئة كهنوتية تورائية:

الأول القس دافيد نويل فريدمان رئيس تحرير مجلة "الآثاري التورائي" في الولايات المتحدة الأميركية والثاني الأب ميتشل داهود رئيس قسم المعهد التورائي بروما والثالث طبعاً هو الكاهن السابق جيوفاني بيتيناتو لغوي البعثة الإيطالية سابقاً الذي ارتكز عليه الآخران.

لقد اعترف الأول (أي فريدمان) في مقال جديد له[41] بأنه كان يعتمد في استنتاجاته على تصريحات شفهية كان يقولها له جيوفاني بيتيناتو أو ينقلها له ميتشل داهود. وأن الأخير أعلمه مؤخراً أن بيتيناتو اعترف بأنه أخطأ بقراءة عدد من الأسماء التي كان قربها من بعض أسماء المدن التورائية، وعلى هذا فهو يتنصل منها. وقال فريدمان أيضاً في افتتاحية العدد المذكور من المجلة بما يشبه التراجع: "لقد كانت محتوياتها (أي رقم إبلا) موضع صراع ومصدر توهمات وإدعاءات معاكسة[42]. "كما يقول في صدد المقالة المعتدلة عن إبلا التي كتبها العالم روبرت بيغس في العدد المذكور من المجلة:

"إنها حكم معتدل يجد طريقه بوضوح بين زوابع الإثارة الرخيصة وصخور الشك المفرط"[43].

أما ميتشل داهود فيقول في رسالة كتبها لفريدمان تعليقاً على مقال له نشره في مجلة "الآثاري التورائي" نفسها[44]:

عندما كنت في الولايات المتحدة سمعت أن ثوركيلد جاكوبسون يشك في قراءة بيتيناتو لنصوص إبلا، وتلك الشكوك عززها تطور معرفتنا بمقاطع الكتابة الإبلية".

أما جيوفاني بيتيناتو نفسه فقد أصدر تصريحاً عممه على العالم وكان قد نشر في صحافتنا المحلية[45] قال فيه:

أما عن الصلات المزعومة مع نص التوراة فإني أشعر أن من واجبي أن أوضح بصورة نهائية أن الأنباء التي نشرتها الصحافة وجاءت في بعض مداخلات زملائنا فيما وراء البحار قد أبرزت اتجاهاً وخطراً، من واجبي لا أن أتنصل منهما فحسب بل أن أحذر منهما الاختصاصيين".

ومنذ أكثر من عام وحتى الآن ظهرت بحوث ومقالات عديدة جديدة في الصحافة العالمية تتصف بالموضوعية وتشهد على انحسار موجة الدجل، نذكر منها مقالاً في مجلة "ساينس" الأمريكية[46] ومقابلة مع جيورجيو بوتيلاتي وزوجته في مجلة "ميلووكي سانتيل" الأميركية[47] اولو ماتييه في مجلة "ايستوار" الفرنسية[48] ومقالاً في مجلة "جيو" الألمانية الغربية[49].

وثمة مقال منصف لايفون ريبيرول في جريدة "لوموند" الفرنسية يمثل هذا الاتجاه الجديد[50] حيث تقول الكاتبة خاتمة بحثها:

إن التفسيرات الركيكة والمتسرعة (للنصوص) قد أوهمت البعض بقراءة اسم سودوم وعمورا المذكورتين في سفر الخليقة (من التوراة). كما تردد أنه تم الوقوع ولو بشكل مشوه على أسماء إبراهيم وداوود... إن الاختصاصيين في اللغات الساميّة سرعان ما أبطلوا هذه "الاكتشافات" المزعومة وبينوا أن لغة إبلا بعيدة جداً عن العبرية وأن داوود متأخر أكثر من ألف عام عن إبلا. وتتابع كتابة المقال قائلة:

"إن هذه (الاكتشافات) المزعومة كانت كافية لتثير في الصحافة الأميركية حملة لا تصدق نشرت عنها المجلة الأميركية (ساينس) في 31 آب 1979 سرداً جيداً لهذه القصة. وبعد أن تذكر الكاتبة الاتهامات الظالمة التي وجهت لسورية والسوريين تقول "والآن إن كل الرقم (المكتشفة في إبلا) وحتى أجزاء الرقم التي لها بعض الأهمية قد تم التعرف إلى محتواها وسجلها قيد النشر بإشراف البعثة الإيطالية واللجنة الدولية...

وحالياً كل مكتشفات إبلا ورقمها موجودة في متحف حلب. الأولى معروضة للناس والثانية تحت تصرف الاختصاصيين القادرين على دراستها، كما أن صورها قد نشرت بشكل واسع".

أما في مجال الأبحاث المتخصصة العلمية فلا بد من ذكر مقالين أساسيين أولهما لكبير اللغويين في المسماريات السومرية- الأكادية هو أ. ج جلب من المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو وثانيهما لروبرت بيغس الذي ذكرناه سابقاً والشهير بتفسيره لرقم أبو صلابيخ التي تشابه لغتها لغة إبلا.

يقول جلب في مقاله:

"إن أمور الصلة اللغوية تستند إلى اللغة فقط. ولا شيء غير اللغة. وكل ما عدا ذلك من الأمور لا علاقة له بموضوع اللغة. ومن ذلك عبادة الرب دجن الكنعاني في إبلا، أو ورود أسماء أعلام في محفوظات إبلا موجودة في كتاب العهد القديم (التوراة) أو الصلات الأثرية بين إبلا وفلسطين الكنعانية... إن وجود أسماء مثل يعقوبو وشموايل ويشمع إيل في اللغة الأمورية ليس له علاقة بأشخاص يعقوب وصموئيل وإسماعيل في التوراة[51]".

ويذكر في مكان آخر من المقال:

"يتبين لنا من الجدول المقارن أن أقرب الصلات اللغوية للغة إبلا هي مع الأكادية القديمة والأمورية، وأبعدها هي مع الأوغاريتية وأبعد منها العبرية[52]".

أما روبرت بيغس فقد كتب كما ذكرنا من قبل بحثاً حديثاً نشره في مجلة "الآثاري التورائي" نفسها[53] ووضع فيه النقاط على الحروف بشكل شبه نهائي على موضوع إبلا ونسف كل الأوهام وانتقد بيتيناتو وميتشل داهود نقداً علمياً.

وذكر أن تفسيرات داهود سابقاً لبعض فقرات التوراة بالأوغاريتية كانت محل انتقاد واسع.

كما بين تردد بتيناتو وتناقضاته.

وعند التصدي لزعيم بيتيناتو وداهود حول وجود رب باسم (يا) في إبلا قال:

"أن منطقهما غير مقنع البتة"، ويضيف "إن استنتاجات لا مبرر لها راجت في بعض الأوساط عن التشابه بين بعض أسماء الأعلام المستعملة في إبلا وأسماء يصادفها الإنسان في التوراة. وبصرف النظر عن بعض الأسماء التي ذكرها فريدمان فإن معظم هذه الأسماء لم ينشر في أي من التقارير ولذلك لا يمكننا التحقق منها.

إن أسماء مثل إسماعيل (ويعني الرب إيل يسمع) ترد كثيراً في اللغة الأكادية القديمة والأمورية.

ثم إن عدداً كبيراً من هذه الأسماء يصادفه في نصوص أبو صلابيخ وفي مواضع أخرى في بلاد الرافدين تعود للألف الثالث قبل الميلاد. وعلى هذا يبدو الدليل واهياً على علاقة وحيدة بين أسماء في التوراة وأسماء من إبلا 54".

--------------------------------------------------------------------------------

[1] الآن تروج نظرية جديدة عن طور أسبق يعرف بالكتابة ذات الأبعاد الثلاثة التي يعود أقدم نماذجها للألف التاسع قبل الميلاد وتستمر بعدها بضعة آلاف من السنين. وتتشكل هذه الكتابة من كتل الطين المختومة أو الأشكال الطينية الكروية والهرمية والمخروطية التي كانت تدل على أرقام وأصناف من المنتجات. وقد وجدت نماذج منها في مواقع عديدة من غربي آسيا. وليس من هدف هذا البحث التمهيدي التوسع في شرح هذه النظرية الجديدة التي لم تزل، على كل حال، موضع أخذ ورد والتي تروج لها خاصة السيدة شماندت بيسيرا.

وفي سورية وجدت في مواقع حبوبة الكبيرة وتل قناص وجبل عرودة في الفرات الأوسط نماذج من هذه الكتابة تعود لأواخر الألف الرابع قبل الميلاد.

[2] بالنسبة للكتابة الهيروغليفية التصويرية في مصر ظلت الصور واضحة سليمة حتى آخر عهود مصر في ظلّ الرومان ولكن ثمة كتابة موازية مختزلة لينة هي الهيراطيقية (أي المقدسة) وأخرى شعبية هي الديموقراطية.

[3] هذا الموضوع لم يزل موضع أخذ ورد أيضاً فثمة علماء يعتقدون أن السومريين أخذوا أيضاً من الرافدين قبلهم.

راجع:

Joan Oates, Babylon, London, 1979, P. 19.

[4] الأمر الذي اقتضى فيما بعد لتسهيل عملية التبادل الفكري والتجاري قيام الكنعانية في أوغاريت ومن ثم في جبيل إلى القفزة النوعية التي أوجدت الكتابة الصوتية الخالصة المعروفة بالأبجدية والتي غزت العالم أجمع.

[5] استخدم الطين لندرة الحجر في الرافدين ولعدم ملائمة المناخ الرطب لحفظ الوثائق المكتوبة على الجلود وغيرها.

[6] المعروف أن كلمة المسمارية (الكونيفورم) مشتقة من اللاتينية (كونوس تعني مسماراً أو أسفينا) إلا أن البابليين القدامى أنفسهم كانوا يسمون تلك الكتابة (تيكيف سانتاكي) أي "برقشة الأسافين" راجع:

J. Nougyrol, Ecritures cuneiformes, dans: Notice sur les caractéres étrangrs anciens Et modernes (reunis par Charles Fossey) Paris 1948, P. 17.

[7] تسمى مثل هذه الإشارات "بوليفون" أي متعددة الأصوات.

[8] تسمى مثل هذه الإشارات الكثيرة التي تدل على لفظ واحد "هوموفون" أي مشترك لفظي.

[9] إن اللغة السومرية هي من الفصيلة الأورالية- الألطائية وهي فئة من اللغات المدغمة أو الملصقة وفيها جذر فعلي لا يتغير يلصق به من الأول أو الآخر مقاطع لتغيير أو تصريف الأفعال الخ...

[10] الأمر نعرفه بشكل أبسط عند كتابة العربية بالحروف اللاتينية.

[11] ففي الحالة الأولى يجب أن نقول "شاكانو" وفي الثانية "شاكين" وفي الحالة الثالثة "ايشاكان" وقام البابليون فيما بعد بسد هذا النقص بمتممات لفظية لا مجال للتوسع فيها هنا.

[12] راجع: P. Garelli, Lassyriologie, Que Sais- Je, Paris, 1964, p. 14.

[13] في 12 نيسان 1955 عثر في تل مرديخ صدفة على جرن بازلتي مزخرف وعلى جزء من رقيم.

[14] ذكرت خلال قرون طويلة في نصوص مملكة آكاد ومملكة لاغاش ومملكة أور الثالثة ومملكة ايسن (في الرافدين) وفي نصوص آلالاخ (تلا عطشانة في سورية وحالياً في اللواء السليب) وفي النصوص المصرية. واقترحت لموقعها مواضع شتى ممتدة بين إيران وسورية.

[15] التقديرات كانت مختلفة وأوردت مبالغات كثيرة حول عدد هذه الرقم ولكن العدد الصحيح الذي ظهر بعد التسجيل التفصيلي الكامل هو حوالي 2000 رقيم سليم وحوالي 6000 شبه سليم وحوالي مجموع هذين العددين من الكسور والشظايا.

[16] بيتناتو والبعثة الإيطالية تقربها من الكنعانية والعالم غلب يقربها من الأكادية راجع الحاشية 53.

[17] هذا الاصطلاح اللغوي استعمل في أواخر القرن الثامن عشر بتأثير التوراة ثم انتقل من اللغات إلى الناس وعلمياً لا يوجد جنس سامي بل مجموعة لغات سميت "سامية" ولا بد من أن يتفق الباحثون العرب على مصطلح أصدق.

[18] تباهي نارامسين بأنه فتح ((إبلا التي لم يسبق أن أخذها أحد من قبل)).

على أن إبلا بعد أن أصابها البوار حوالي قرنين أفاقت من جديد حوالي مطلع الألف الثاني قبل الميلاد بسلالة آمورية جديدة. وقد كشفت البعثة قصراً ملكياً رحيباً من هذه الفترة ومقابر على جانب كبير من الغنى.

[19] زار الولايات المتحدة مع ماتييه لإلقاء محاضرات عن إبلا في نيسان 1976.

[20] إن أقرب النصوص إلى نصوص إبلا هي نصوص أبو صلابيخ ونصوص فارة (شوروباك) وكلاهما من الرافدين. وحسب شهادة بيتناتو نفسه هناك حوالي مئة نص من إبلا متماثلة تماماً مع أمثالها في فارة وأبو صلابيخ راجع:

G. Pettinato, Gli archvi reali di Tell Mardikh Ebla, Revista biblica 25, 237.

[21] راجع:

R. Biggs, the Ebla Tablets, Bibical Arch eologist, v. 43 Spring 1980, p. 78.

[22] المرجع السابق والصفحة نفسها.

[23] المرجع السابق والصفحة 78 و 79.

[24] المرجع نفسه ص 78.

[25] المرجع نفسه ص: 78.

[26] المرجع نفسه ص: 80.

[27] المرجع نفسه ص: 81.

[28] أصحاح 12 و 13.

[29] ورد ذلك في مقال كتبه دافيد نويل فريدمان أشد المروجين التورائيين المتصهينين لعلاقة إبلا بالتوراة، فكذب نفسه بنفسه راجع:

Biblical Archeologist, Desember 1978 P. 143.

[30] راجع مقال بيغن المذكور سابقاً ص 82.

[31] رداً على مزاعم عن إخفاء هذا الرقيم ترددت في مواضع خاصة في مقال مسعور كتبه هرشل شانكس في المجلة التوراتية عدد آذار نيسان 1979.

[32] راجع:

Barmant and M. Weitzman, Ebla, A Revelation in Archaeolgy, New york, Times Book, 1979, P. 182.

والمؤلفان صحفي ولغوي يهوديان ألفا هذا الكتاب الذي هو بمثابة سرد صحفي لموضوع إبلا عرضا فيه إلى النزاع بين ماتييه وبيتناتو وإلى بعض مواضيع الخلاف وحاولا الظهور بمظهر الاعتدال.

أما بالنسبة للأب داهود فيراجع:

M. Dahood, Ebla and the Old Testament, Vetus testementum, Supplement 29, p. 106.

[33] عدد 24 نيسان 1979.

[34] عدد آذار- نيسان 1979 (مقال شالكس الذي ذكرناه في الحاشية (31).

[35] فإذا كنت عربياً من دمشق أو بيروت وسماني أهلي قيصر مثلاً فلست بشكل من الأشكال من أقرباء يوليوس قيصر.

[36] H. G. wells, the Pocket History of the world, P. 92.

[37] راجع كتابه الجديد (إبلا إمبراطورية منقوشة على الطين) نابولي 1979. ومقاله في "أورينس أنتيكوس" (إبلا والتوراة) العدد 19/1980.

[38] الأساتذة: أدموند سولبرجه رئيس قسم المسماريات بالمتحف البريطاني، جيورجيو بوتشيلاتي مدير معهد الآثار واللغات الشرقية بجامعة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة، ديتيز ادزارد أستاذ المسماريات واللغات الشرقية القديمة بجامعة ميونيخ، هورست كلنغل مدير الدراسات الشرقية القديمة بأكاديمية العلوم في ألمانيا الديمقراطية، جان روبير كوبير أستاذ اللغات الشرقية القديمة بجامعة لييج ببلجيكا، بول غاريللي أستاذ اللغات الشرقية بالسوريون، الفونسو آركي أستاذ اللغات الشرقية القديمة بجامعة روما، بيليو فرو نزارولي عميد كلية الآداب بجامعة فلورنسة، د. فوزي رشيد اختصاصي المسماريات من القطر العراقي.

[39] ويرمز لها برمز Aret

[40] الأولى Annali Di Ebla والثانية Studiabloit

[41] مجلة الآثاري التورائي. راجع الحاشية 29.

[42] المصدر نفسه، العدد (68) ربيع 1980.

[43] المصدر نفسه.

[44] عدد كانون الأول 1979 ص 143.

[45] "فلاش" عدد شباط 1978 ص 24.

[46] العدد 205-31 آب 1979.

[47] المقابلة في أواسط نيسان 1980.

[48] عدد 23 مايس 1980.

[49] عدد 8 آب 1980.

[50] عدد 24 آب 1980.

[51] أفكار حول إبلا مجلة دراسات سورية رافديه عدد مايس 1977 ص 16.

[52] المرجع نفسه الصفحة 25.

[53] العدد 43/2 ربيع 1980 وقد ألمحنا له سابقاً. - (54)- المرجع السابق ص 83.