اللاذقية من خلال صحافتها القديمة

أول ظهور للصحف بعد اختراع الطباعة، كان في أواخر القرن السادس عشر في أوربة، وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر أخذت الصحافة الدورية تنتشر في أوروبة وأمريكا، وبدأت الصحافة تتخذ مهنة صحفية حقة.

في عام 1702، ظهرت في لندن أول صحيفة يومية في العالم، وفي عام 1788 تأسست صحيفة التايمز الشهيرة، وكانت الثورة الفرنسية حافزاً لظهور الصحافة الحديثة(1).

أما مولد الصحافة في العالم العربي، فقد اقترن بحملة نابليون على مصر عام 1798، فأصدرت الحملة البونابارتية جريدتين باللغة الفرنسية، وفي عام 1828، أصدر محمد علي جريدة الوقائع المصرية(2)، وكانت بعض أعدادها تصل إلى البلاد الشامية، وخاصة عن طريق الحملة المصرية على سورية بقيادة إبراهيم(3) بن محمد علي والي مصر، ثم صدرت الأهرام عام 1875(4)، بعدها مجلة الهلال عام 1892(5).

في عام 1851، صدرت في بيروت مجلة (مجموع فوائد)، تبعتها في عام 1852 مجلة أعمال الجمعية السورية، ثم صدرت في بيروت عام 1858 أول جريدة سياسية أسبوعية (حديقة الأخبار)(6)، وكان رزق الله حسون قد أصدر من قبل في استنبول أول جريدة عربية خارج الوطن العربي هي (مرآة الأحوال العربية) عام 1855(7).

أما أول صحيفة ظهرت في دمشق فهي (نفير سورية) عام 1865، وكانت أسبوعية أدبية أصدرها والي سورية راشد باشا(8)، وفي عام 1865 صدرت في حلب جريدة (غدير الفرات)، وكانت أسبوعية أيضاً، تهتم بنشر أخبار ولاية حلب(9)، ثم الشهباء(10) عام 1878(11)، التي أصدرها عبد الرحمن الكواكبي، وعندما أغلقتها سلطات الاحتلال العثماني، أصدر صحيفة (الاعتدال)، وتعتبر هاتان الجريدتان المثال الأول للصحف الحرة الوطنية التي حاربت السلطان عبد الحميد(12).

صحف اللاذقية في ظل الحكم العثماني:

بعد إعلان الدستور العثماني عام 1908، نشطت الصحافة السورية، لأنها نعمت بحرية نسبية(13) في ظل الدستور، فصدر في سورية أكثر من مائة جريدة ومجلة حتى عام 1914. وفي اللاذقية صدرت الصحف الأسبوعية التالية بعد إعلان الدستور العثماني مباشرة:

-جريدة "اللاذقية" عام 1909: سعيد حسن سعيد

-جريدة "المنتخب" عام 1910: ادوار مرقص

-جريدة "أبو نواس" عام 1911: محمد صبحي عقدة

وكان محمد صبحي عقدة من المشاكسين الأشداء للحكم التركي، فلم تستمر جريدته في الصدور غير بضعة أشهر فقط، أغلقها الوالي التركي بعد ذلك مباشرة، فسافر إلى تركية(14)، واستطاع إقناع السلطات التركية بالسماح له بإصدار جريدة جديدة، فسمحوا له بذلك، وأصدر جريدة تحت اسم (عكاز أبي نواس) في العام التالي 1912، لكن شغب هذا المشاكس الشرس على الحكم التركي، كان السبب في صدور الأمر العثماني بإيقافها، إلا أنه تمكن في العام التالي 1913 من إصدار جريدة أخرى باسم (أبو نواس الجديد)، ولم يكن حال هذه الجريدة أفضل من حال أخواتها، لأن الأمر العثماني صدر بإغلاقها أيضاً، واشترطوا عليه بعد أن أدركوا لعبته في إصراره على اسم (أبو نواس)، بأنه إذا أراد إصدار صحيفة جديدة أن يغير اسمها نهائياً، بحيث لا يمت إلى أبي نواس بأية صلة، فاستجاب لهم، وأصدر في العام نفسه 1913 جريدة باسم (أبو فراس)(15)، ومن الملاحظ أن كل هذه الأسماء تحوم حول أبي نواس، لأن محمد صبحي عقدة- وكان يطلق عليه "أبو نواس"- يريد أن يؤكد من خلال ذلك أن جرائده هذه امتداد لأول جريدة أصدرها باسم (أبو نواس)، وأنه لا يعترف بالسلطات التركية، ولا يحفل بتعسفها، وكانت كل جريدة جديدة تتبع الترقيم الذي انتهى إليه آخر عدد من الجريدة التي صدرت قبلها. ثم أصدر فيما بعد في دمشق عام 1923 جريدة (الحق العام)(16).

وفي عام 1913، أصدر في اللاذقية سعيد حسن سعيد جريدة (العربية)، كما أصدر عبد الحميد حداد جريدة (ما صنع الحداد) في عام 1916(17).

وأنوه إلى أن نشرة صحفية أدبية غير دورية، كانت قد صدرت قبل ذلك في اللاذقية في حدود عام 1898، تحت اسم (من مآثر لاذقية العرب)، أصدرها الشيخ محمد سعيد صفية في مناسبات مختلفة، دون أن يتقيد بمواعيد صدورها، وقد اتخذت هذه النشرة شكل المجلة(18).

في ظل الدستور العثماني الصادر عام 1908، قفزت صحافة الولايات الخاضعة للحكم التركي قفزة واسعة، بسبب الحماية الدستورية الموقتة التي تفيأت بظلها، فازداد منح الامتيازات الصحفية بشكل عشوائي، دون دراسة إمكانيات صاحب الجريدة طالب الامتياز، وتتالت الصحف بغزارة في عموم الولايات، وإذا كان أحد الدارسين(19) يرى أن عدداً من أصحاب هذه الصحف في سورية كانوا من الدخلاء، وأنهم تناولوا موضوعات ليست من الصحافة في شيء، فإن هذا الرأي لا ينطبق على أصحاب الصحف الصادرة في اللاذقية في ظل الدستور العثماني من أمثال: سعيد حسن سعيد- ادوار مرقص- محمد صبحي عقدة- عبد الحميد حداد.

يقول يوسف الحكيم في مذكراته(20) عن سعيد حسن سعيد أنه كان خطيباً في المحافل الشعبية في اللاذقية، ولقب بالخطيب الشعبي لكثرة ما ألقاه من الخطب التي كانت تلهب حماس الجماهير. أما ادوار مرقص، فهو كما هو معروف عنه، الشاعر والكاتب والأديب(21)، ومحمد صبحي مرقص، الوطني المشاكس، هو الذي جعل الفرنسيين يرتعشون وهم يمسكون مدافعهم، عندما يقرؤون ما يكتبه(22)، كما أنه سجن بعد تعطيل صحفه لصلابته وعناده في مقاومة المستعمر دون أن يهادن أو يتنازل عن مبادئه الثورية. وأخيراً الشيخ عبد الحميد حداد المعروف في الأوساط الأدبية والاجتماعية في اللاذقية وغيرها.

ورغم أن الدستور العثماني قد أطلق الحريات في بادئ الأمر، إلا أنه سرعان ما ارتد على عقبه، وفرض الرقابة الشديدة على الصحف السورية، وأصدر القرارات التي تكبل الصحافة وتحد من حريتها(23) إلى أن انتهى بها الأمر إلى توقفها نهائياً عن الصدور.

كانت الجرائد التي صدرت في اللاذقية في هذه الفترة أسبوعية، وهي إما سياسية، كجريدة اللاذقية والعربية والمنتخب، أو مزاحية (فكاهية انتقادية)، كجريدة (ما صنع الحداد)، والجرائد النواسية المتتابعة، وكانت هذه الجرائد تتخذ من الهزل والمزاح، ستاراً تحاول أن تصل من ورائه إلى هدفها من التعرض للسلطات العثمانية والجهاز الإداري المسيطر، ليس هذا فحسب، بل إنها عمدت إلى الكشف عن عيوب مجتمع اللاذقية الذي مزقه الاحتلال مشيرة إلى موضع المرض فيه، قال محمد صبحي عقدة في أحد أعداد جريدته متهكماً على من يدعي العلم والمعرفة وهو جاهل بهما:

إذا هبَّت رياح الخرطبيلِ

وملَّ الناس من قال وقيلِ

تمسَّك إن ظفرتَ بذيل فيل

تكون يداه كالباع الطويلِ

وخذْ عنه المعارف والفوائد

وفي أثناء الحرب العالمية الأولى أغلق الاتحاديون الصحف نهائياً.

في ظل الانتداب الفرنسي:

لم تنعم اللاذقية بحرية العهد الفيصلي 1918-1920، لأن جيوش الانتداب الفرنسي احتلت الساحل السوري عقب انسحاب الجيوش التركية منه مباشرة، وقد صدرت في اللاذقية في هذه الفترة الصحف والمجلات التالية:

عام 1919 -جريدة النهضة الجديدة: ادوار مرقص

عام 1921 -جريدة اللاذقية: عبد الحميد حداد وصبحي الطويل

-جريدة الزمر: خليل المجدلي (سفيه الشرق)

-جريدة المنار: المطران أرسانيوس حداد

-جريدة الصدى: عابد جمال الدين

عام 1922 -جريدة النحلة: مصباح شريتح

عام 1923 -مجلة العلوي: برهان الدين بيك مصري زاده

-النشرة الشهرية للأعمال القضائية

عام 1924 -مجلة الأبحاث القضائية ومجلة النشرة الاقتصادية

-جريدة الاعتدال(24): محمد جميل شومان ثم جلال شومان- حررها فيما بعد فخري راعي وكمال شومان

عام 1925 -مجلة النور: نصر الله طليع وجاد كومين

عام 1926 -دولة العلويين: (جريدة رسمية)

عام 1927 -جريدة صدى اللاذقية(25): عبد الحميد حداد

-مجلة التجدد (صافيتا): أديب طيارة

عام 1928 -جريدة الأدهمية (جبلة): فارس كنج

عام 1929 -مجلة المرشد العربي: الشريف عبد الله الفضل

-جريدة الرغائب: حكمت شريف ومحمد نحلوس

عام 1930 -مجلة الأماني: إبراهيم عثمان

-جريدة الحكمة: حسن جغمو وحكمت شريف

عام 1932 -جريدة اللاذقية(26): محمود رباح حداد

-جريدة الفلق: خليل ترت

عام 1933 -جريدة لسان الشرق: محمد غالب سعيد

-جريدة الإرشاد: أمين حكيم

-صدى بوقا: (رسمية)

عام 1936 -جريدة العوامل: سليمان حكيم

-جريدة الصاعقة: وصفي حداد وأمين حكيم

-جريدة القانون الطبيعي: عبد السلام جود

-جريدة الطبل: فايز شومان

-جريدة الغول: عبد السلام جود

-جريدة الخبر: صبحي فرزات ثم محمد ريس

عام 1937 -مجلة النهضة (طرطوس): وجيه محيي الدين

عام 1938 -جريدة الشاطئ السوري: وصفي وأمين حداد

-جريدة صوت الحق: عابد جمال الدين وعبد اللطيف يونس

عام 1944 -جريدة الوعي القومي: يحررها رياض رويحه

عام 1946 -جريدة الجلاء(27): رياض رويحه

-مجلة القيثارة: محمد عباس وجماعة الشعر الجديد(28)

لم يكن حال الصحافة في ظل الانتداب بأحسن منها خلال الحكم العثماني، فقد فرضت عليها رقابة صارمة، كما صدرت عدة قوانين تحد من حريتها، وتضع قيوداً عليها، وكان الفرنسيون كما كان العثمانيون قبل ذلك، يعطلون كل صحيفة تبث الروح الوطنية، ويلاحقون أصحابها، ويرمون بهم في السجون(29)، وعلى الرغم من الكبت وأساليب القمع والتهديد، إلا أن الصحافة السورية، ومنها صحافة اللاذقية، لم تهادن المستعمر، ولم ترضخ له، وإن خشي البعض من هؤلاء الصحفيين بطش الحاكم الفرنسي، الأمر الذي جعلهم يتوجهون في نقدهم إلى الحكام العرب الذين ينفذون سياسة المستعمر.

ملاحظات على هامش صحافة ما قبل الاستقلال:

1-الصحف الصادرة في اللاذقية في فترة الانتداب تعتبر امتداداً لما صدر قبلها أيام الاحتلال العثماني من حيث الأسلوب والإخراج والكتابة(30).

2-لم تلتزم الصحيفة عادة بما ورد في التعريف الذي أطلقه أصحابها عليها، فقد يرد مثلاً أنها جريدة (هزلية جدية)، أو (جدية هزلية)، كجريدة لسان الشرق، أو جريدة (سياسية انتقادية اقتصادية فكاهية هزلية) مثل جريدة (النحلة)، أو جريدة (علمية أدبية اقتصادية تجارية زراعية) كجريدة الرغائب.

3-بعض هذه الجرائد كانت تنشر بالفصحى والعامية في كل عدد منها، كجريدتي الفلق ولسان الشرق، وعدد قليل منها كان ينشر بالعربية ولغة الاحتلال معاً.

4-كانوا يخلطون بين الصحيفة والمجلة، وتصدر شهرية أو نصف شهرية، فـ(المنتخب) الصادرة أيام الاحتلال العثماني سماها صاحبها صحيفة علم وأدب وسياسة وفكاهة، وقد صدرت في ستة عشر صفحة من القطع الصغير من غير غلاف، مع أن كلمة مجلة وردت في افتتاحية أحد أعدادها.

5-جميع هذه الصحف كانت تصدر أسبوعية وبعضها يصدر مرتين في الأسبوع، وقد يتأخر موعد صدورها في كثير من المرات، فتتعرض للإغلاق(31).

6-الصحافة في العهدين الاستعماريين التركي والفرنسي كانت شخصية خاصة، فقد كان أصحابها ينفقون عليها من مالهم، دون أن يستطيعوا جمع ما صرفوه من بيعها أو الاشتراك فيها، وهذا ما أدى إلى توقف الكثير منها عن الصدور، بسبب العجز المادي الذي لازم أصحابها.

7-قام عدد كبير من أصحاب هذه الصحف بتحريرها بأنفسهم، كما لجأ عدد آخر إلى الاستعانة بمحررين، وكثيراً ما كان ينتقل تحرير الواحدة منها من شخص إلى آخر خلال مدد قصيرة.

أما أسلوب تحرير معظم هذه الصحف، فكان يعتمد بالدرجة الأولى على قص ما تكتبه صحافة دمشق وإرساله إلى المطبعة لنشره، وهذا ما دعا جريدة الاعتدال إلى نشر الخبر الطريف التالي في عددها 648 تاريخ 21/6/946: (اتفقت إدارة هذه الجريدة مع كاتبين كبيرين، أحدهما انكليزي، والآخر أميركي، للاشتراك في تحريرها، وقد وصلا ظهر أمس، الأول يدعى مستر شفرة حلاقة، والثاني مستر مقص جوخ، وذلك مجاراة للصحف اليومية التي تصدر في اللاذقية).

8-حجم الصحيفة يعود دائماً إلى ميزانية صاحبها، فهي من أربع صفحات عندما يكون في بحبوحة، لكنها تنكمش إلى صفحتين صغيرتين عندما يكون في أزمة مالية.

9-صدر عدد هائل من الجرائد في اللاذقية، يفوق ما صدر في غيرها من المدن السورية، ومرد ذلك يعود إلى أحد الأسباب التالية:

-توقف الجريدة بأمر من السلطة لأسباب سياسية، أو لتعرضها لهذه السلطة.

-توقفها بسبب العجز المادي، أو عدم تقيد صاحبها بمواعيد صدورها.

-توقفها بسبب وفاة صاحبها، أو تنازله عنها لغيره.

-طلب صاحبها تغيير اسمها لأسباب شخصية.

وفي كل الأحوال، كان يصار إلى طلب امتياز جديد، لإصدار جريدة أخرى مشابهة للأولى في الاسم، وامتداد لها، كما يبدأ ترقيمها بالعدد الذي يلي رقم آخر عدد من الجريدة التي توقفت، وقد نشرت إحدى هذه الجرائد في ذلك الوقت حول هذا الموضوع الأبيات التالية:

كثرت عندنا الجرائد حتى

أوشكتْ أن تقارب المليونا

وكثير يسعى لنيل امتياز

فكأن الموجود لا يكفينا

لهف نفسي على الجريئة منها

يخلقون الأسباب كي لا تكونا

عهدنا الله لن نقصِّر يوماً

سننادي بالحق لو شنقونا

10-اهتمت صحافة هذه الفترة بالأخبار المحلية البحتة أيضاً، وخاصة أخبار من كان يطلق عليهم (الوجهاء).

11-لأن الأوضاع المالية لأصحاب هذه الجرائد كانت سيئة، فقد كانوا يعتمدون في تمويلها على الاشتراكات دون أي مصدر آخر، كتب خليل مجدلي صاحب جريدة الزمر، الذي أطلق على نفسه لقب (سفيه الشرق)، الشعار التالي في رأس كل عدد من جريدته: "من قرأ جريدة الزمر، أو سمعها، أو لمسها، أو نظرها عن بعدها 50 كم، يعد مشتركاً، ويلزم الدفع حالاً".

قيمة الاشتراك -الدرجة الأولى: عن المروءة.

-الدرجة الثانية: ثلاث ليرات.

-الدرجة الثالثة: الزعران والطفرانين وتقليد أكابر المفلسين: ممنوع اشتراكهم.

كما كان شعار جريدة الفلق: (من قبل عدداً واحداً عدَّ مشتركاً، ويلزمه الدفع حالاً). ومنذ صدور العدد الأول من جريدة الزمر عام 1921، أكد صاحبها على الأمر التالي:

فلا تلم الزّمر السَّفيه لنفخة

إذا أنت في دفع الاشتراك ماطلت

ومع ذلك، فقد كانت هذه الجريدة رصينة جادة، تتكلم عن الإصلاح، وتدعو إلى البناء، كتب صاحبها عن سبب تسميته لها قائلاً: (وقد اخترنا لها اسم الزمر رمزاً إلى أن هذه الأداة الموسيقية الشرقية تستخدم أحياناً بقصد إلفات الأذهان لأمر يراد إشهاره، أو مشروع يراد إيقاف الناس عليه، وأحياناً لحفلات الفرح والطرب، نعم، إن هذه الأداة شرقية، وبما أننا في وسط شرقي، والسواد الأعظم من الأهلين لا يزال متمسكاً بعاداته القديمة وتقاليده، فإننا نتناول الزمر ونتكلم بفمه، فنرجو أن يجتمع حول الزمر الجمّ الغفير من الناس كلما سمعوا صوته، حتى يرفع رأسه افتخاراً بقومه).

بعد الاستقلال:

تابعت بعض الصحف الصادرة في عهد الانتداب صدورها بعد الاستقلال، إضافة إلى الصحف السياسية الجديدة التالية:

صدى الاتحاد 951- البلاد 952- وفي عام 954 صدرت الجرائد: الساحل السوري- الاستقلال- الدفاع- النفير- ثم نداء البلاد وصدى الاتحاد في عام 957، وكانت قد صدرت في عام 950 مجلة المنبر التي تحولت إلى مجلة الغد في عام 953.

ألغى الانقلاب الأول (حسني الزعيم)، الكثير من الصحف السورية، وأبقى في اللاذقية على: الخبر- الاعتدال- الإرشاد- الجلاء- اللاذقية- الشاطئ.

أما الانقلاب الثاني (الحناوي)، فقد أعاد معظم الصحف المعطلة.

وفي عهد الشيشكلي، فرض الدمج على الصحف، فصدرت جريدة البلاد عام 952 نتيجة دمج جريدتي الخبر وصدى الاتحاد، لكن هذه التجربة لم تعمر، إذ عادت الصحف إلى الصدور، وبعد الشيشكلي، أعيد العمل بالقوانين الصحفية التي كانت سائدة قبله، وتوفر للصحافة نوع من الحرية، فأصبحت جادة، تنادي بالوحدة العربية، والعمل القومي.

في ظل الوحدة، صدر القانون 195 لعام 958، الذي يجيز لأصحاب الصحف التنازل عن امتيازات إصدار صحفهم لقاء تعويض مادي تقدره لجنة خاصة، وعلى الصحيفة التي تريد الاستمرار في الصدور أن تضع في حسبانها أنها لن تتلقى أية مساعدة مالية من الدولة(32).

ويعتبر هذا القانون الخطوة الأولى من أجل وضع الصحافة السورية تحت إشراف الدولة، ولأن هذه الصحف كانت تعاني من الضيق المادي، فقد رأى أصحابها في هذا القانون كسباً مادياً لهم، وتم التنازل في اللاذقية عن الصحف التالية لقاء تعويض مادي: نداء البلاد- الاستقلال- الشاطئ السوري- الإرشاد- الساحل السوري- الدفاع- اللاذقية- البلاد.

أما الحكم الانفصالي، فقد رفع الحجر عن الصحف المتوقفة، وسمح لها بالصدور، على أن تسترد الدولة ما قبضه أصحابها من تعويضات لقاء تنازلهم عنها، وأن يتم ذلك على أقساط سنوية، فصدر عدد من الصحف التي كانت متوقفة: الاستقلال- الساحل السوري- الدفاع- البلاد- الشاطئ السوري.

وبعد ثورة 8 آذار، توقفت جميع هذه الصحف، إثر صدور بلاغ يقضي بذلك، وقامت مؤسسة الوحدة، وأصبحت الصحف تتبع الدولة، وصدرت بعض المجلات التي لم تعمر طويلاً، منها: صدى الجامعة 978- مجلة جامعة تشرين 978- الطليعة العمالية عن اتحاد عمال محافظة اللاذقية، إلى أن صدرت جريدة الوحدة عن مؤسسة الوحدة عام 984.

اللاذقية في شارع صحافتها:

ولكن لماذا هذا التسابق إلى إصدار الصحف في اللاذقية، وهي المدينة الصغيرة في تلك الفترة؟ أو كما قال عنها أحد القادة الأتراك عندما زارها: (قرية كبيرة تينها طيب).

1-سنضع في اعتبارنا أولاً أن نسبة المتعلمين في اللاذقية تفوق غيرها في بقية المدن السورية، وهذا ينطبق على أية فترة مرت عليها.

2-في عهدي الاستعمار التركي ثم الفرنسي، كانت الغاية من إصدار الصحف مقارعة الاستعمار، وبث الروح الوطنية، خاصة وأن اللاذقية لم تنعم بالحرية بعد جلاء الجيوش التركية عنها، وقد نهجت في ظل الانتداب الفرنسي الأسلوب نفسه الذي كانت تتبعه من قبل، وإن كان بعض الصحفيين قد صمتوا عن ذلك(33).

3-تبني الأحزاب التقليدية في ذلك الوقت لعدد من هذه الجرائد بغية دعمها في المعارك الانتخابية والحزبية والدعاية لها (الاعتدال- الوعي القومي- الجلاء).

4-هواية بعضهم، وحبهم الحقيقي للعمل الصحافي (فخري راعي- جلال وكمال شومان).

هذا، ولا ينبغي أن يغيب عنا أن هذه الصحف لم تعاصر بعضها في الصدور، لأن الكثير منها لم يعمر غير أشهر أو سنوات قليلة جداً، وكان الشارع في اللاذقية بشكل عام في عهدي الاحتلال والانتداب مشغولاً بمناوأة الاستعمار والتصدي له، وإن كان ذلك يتم في معظم الأحيان عن طريق مهاجمة أذناب الاستعمار، ومن يسير في ركابه.

علاقة صحفيي اللاذقية بالآخرين:

رغم جدية بعض هذه الجرائد في هذه الفترة، إلا أن بعضها الآخر كان يبحث عن وسيلة للتكسب، وتهديد الناس بنشر فضائح واهية عنهم، أو غير صادقة، وكان هؤلاء (الناس) يعرفون ما يرمي إليه صاحب الجريدة، فمنهم من يشتري سكوته، ومنهم من يتحداه ويرفض الرضوخ إلى رغباته المادية، وبالنظر لكثرة عدد الجرائد التي صدرت في اللاذقية في وقت واحد، فقد كان في إمكان من يُهاجم أن يلجأ إلى جريدة أخرى للدفاع عنه مقابل ما يتبرع به إليها باسم الاشتراك أو الإعلان، فقد هاجمت إحدى جرائد اللاذقية مراسل جريدة دمشقية بتاريخ 25/4/947 قائلة: (على إثر إخفاق أحد مراسلي الصحف بالوصول إلى بضع ليرات سورية من مدير شركة-...- في اللاذقية، كتب المذكور إلى جريدة دمشقية محترمة رسالة ملفقة عاب فيها على المدير المذكور تزوجه من فرنسية، ناسياً أو متناسياً أن هناك عدداً من خيرة رجالات البلاد متزوجون من فرنسيات، وبعضهم من ألمانيات، فليخرس النفعيون، ولتنتبه الحكومة إلى أعمال هذه الجراثيم التي تسلب وتنهب وتحتال تحت ستار الصحافة، وجهل أصحابها بحقائق هؤلاء الأدنياء).

وبلغت الجرأة بإحدى هذه الجرائد بأن هددت كل رجالات اللاذقية، عندما نشرت هذا العنوان المفزع: (جريدة- ...- تبدأ بمحاكمة عدد كبير من الشخصيات البارزة في المحافظة... ترقبوا هذا الموضوع الخطير..)، إن كل من كان يعتبر نفسه شخصية بارزة في هذه المحافظة في ذلك الوقت- وما أكثرهم- سيشك بأنه المقصود بهذا العنوان، وبأن الفضائح ستصله وتعريه في العدد القادم، وكل واحد منهم يعرف في قرارة نفسه أنه محل للفضيحة، لذلك فإنه سيسرع إلى إدارة الجريدة ليشتري سكوت أصحابها عنه.

وكان الصحفيون يعانون باستمرار من الضائقة المادية، التي كانت السبب في توقف صدور صحف البعض منهم، كتب أحد الصحفيين بتاريخ 8/1/1945 معتذراً عن توقف صدور جريدته: (إننا نعتب على الظروف التي أبت إلا أن نقف عاجزين عن تغذية هذه الجريدة بما تحتاج إليه من المواد والأطعمة، نعتب على الذين لم يدفعوا لنا إلا عملة الكلام والثناء والتصفيق)، كما أن هذه الضائقة جعلت أحد الصحفيين يحلم باللحم والدسم، كتب في عام 946 في باب (حوادث وأخبار) الخبر التالي: (شوهدت سيارة- ...- متجهة في طريق صلنفة، حاملة خروفاً سميناً... فتصورناه للحال محشياً أمامنا على المائدة، ونحن نأكل بشهية، جعله الله فأل خير..). وهاجمت إحدى الجرائد هؤلاء المتطفلين من الصحفيين، فنشرت قصيدة، نقتطف منها:

إذا الموائد قد مدَّت مناسفها

سمعت منه شخيراً مثلما يجبُ

تخاله عند ضرب النَّاب مفترساً

كأنه لسباع الغاب ينتسبُ

فيمسك القوم عن أكل وعن شرب

يبحلقون وقد هُدَّت لهم ركبُ

أما (فلان) فلا خوف ولا وجل

ولا اكتراث لمن من حوله غضبوا

حتى إذا قام عن عشر وأربعة

من المناسف فلَّ القوم أو هربوا

وكان الذي يزعج إحدى الجرائد في عام 1946 ما يلي:

التسول باسم الصحافة- صاحب الجريدة الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة- النصَّاب الذي يقدم نفسه للناس ممثلاً عن صحافة اللاذقية.

وكان بعض هذه الجرائد يعتمد على الإعانات المادية التي يفرضها على الميسورين تحت ستار الاشتراكات، كما أن الاشتراك فيها كان شبه قسري، والويل لمن يتخلف عن تسديد اشتراكه، كتبت إحدى الجرائد تحت عنوان (كلمة نهائية) في عام 1947 ما يلي: (يؤسفنا أن يعمد البعض إلى المماطلة بأساليب مفضوحة، وفي مقدمة هؤلاء المماطلين الذين أعيانا أمرهم موظف في مصلحة الميرة الإقليمية باللاذقية، سنضطر إلى مطالبته على صفحات هذه الجريدة إذا لم يبادر إلى تسديد ما عليه قبل صدور العدد القادم...).

هذه المهاترات، وهذا الأسلوب الرخيص والإسفاف في العمل الصحافي، ومحاولة إقلاق المواطنين، والتشهير بهم، سواء في اللاذقية أو في غيرها من المدن السورية، دعا إلى فرض الرقابة على الصحافة السورية في عام 1947(34)، إلا أن الأمر لم يعجب أصحاب الصحف التي كانت تعيش على موائد الآخرين في ذلك الوقت، فكتبت إحدى هذه الصحف تعليقاً على ذلك: (ما زالت الحكومة ماضية بتطبيق سياسة المستعمر على الصحف السورية، مخالفة بذلك روح الدستور ونصه، فكلما قامت صحيفة تقول الحقيقة... نزلت بها كارثة التعطيل...).

حديث الشارع في اللاذقية:

رافقت هذه السلبيات إيجابيات ملتزمة، كان الصحفيون الجادون يرفضون الانسياق وراء هذه المهاترات الشخصية، ويدركون أن مهمة السلطة الرابعة النقد السليم المتزن والتوجيه، وخدمة القضايا الوطنية بعيداً عن المآرب الخاصة، وكانت البلاد قد خرجت من قبضة قوى الانتداب، فرحة بحريتها، لكنها لم تستطع أن تنظر إلى نفسها في المرآة لتصلح من شأنها، وتسوي من حالها، فقد صدمها التآمر على جزء غال من الوطن العربي، وكانت قضية فلسطين شغلها الشاغل، وهمها الكبير، وكانت صحافة اللاذقية الجادة متميزة في مواقفها، صادقة في دعواتها إلى توحيد الصفوف، والدعوة إلى الجهاد، وجمع التبرعات، فتوقفت الحملات فيما بين أصحابها باتفاق مسبق كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وبلغ الأمر ببعض هذه الصحف، وقبل قيام حرب فلسطين إلى أن نبهت إلى الخطر من ضياع فلسطين كما ضاع لواء اسكندرون، ففي تاريخ 19/10/1946 وتحت عنوان (من صحفي عربي إلى الرئيس ترومان)(35)، علا صوت الصحفي الشاب فخري راعي صارخاً: (إذا كانت قضية فلسطين توضع موضع المساومة للفوز بصفقة الانتخابات، ففلسطين قبل كل شيء ليست من ولايات أميركا ولا من مستعمراتها، بل هي من بلاد العرب، وفي قلب كل عربي، وإذا قدِّر لك أن تفوز بأمنيتك، وهذا ما نمقته، فعليك أن تدرك بأن الناس أحرار في بلادهم، كما أنتم أحرار في بلادكم، وإن عليك أن تعرف أيضاً أن القنابل الذرية، والصواريخ تستطيع أن تحطم وتدمر، ولكنها ليست بمستطيعة أن تفرض الصهيونية الجانية على فلسطين، ولا أن ترفع من قدر أميركا في أعين العالم الحر، وأنظار الشعوب المتمدنة...).

قبل نهاية عام 947، كان الشارع في اللاذقية يغلي حماساً من أجل إنقاذ فلسطين، بعد إعلان الصهاينة عن إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، إثر رفض الدول العربية مشروع التقسيم، فقد عمت المظاهرات شوارع المدينة احتجاجاً على ذلك، وأقيمت معسكرات التدريب للمتطوعين، وبقيت فلسطين حديث صحافة اللاذقية، حتى أن السجناء في سجون اللاذقية تقدموا بطلبات للتطوع في جيش الإنقاذ الذاهب لتحرير فلسطين(36)، وفي عام 948 كانت صحافة اللاذقية تستصرخ الضمائر كي لا تتحول فلسطين إلى مأساة أندلسية ثانية، وحتى لا تضيع كما ضاع لواء اسكندرون، وكانت تدعو الحكومات العربية إلى العمل الجاد من أجل إنقاذ فلسطين(37). وبدأ الحديث عن حرب فلسطين منذ تاريخ شباط 948، وكان عام 1949 عام الخيبة بعد أن احترقت فلسطين وسرقت، وكان يكتب في صحافة الخمسينات في اللاذقية (لا تنسوا فلسطين).

وفي عام 947 كان الشارع في اللاذقية مشغولاً بتأمين الرغيف الذي أطلقوا عليه (خبز الفقير)، وكان يوزع مجاناً على الفقراء كما يلاحظ ذلك مما نشرته صحف تلك الفترة، وكانت عناوين الصحف تقول (لا خبز في بلاد الخبز).