الصحافة الأدبية في الساحل 1923-1954

مما يؤسف له، أن الدراسات التي ظهرت، ورصدت النهضة الأدبية والفكرية في سورية، أغفلت دور الساحل تماماً، ولم تشر إليه لا من قريب ولا من بعيد، فبقيت صحافة الساحل نسياً منسياً. صفحات ضائعة من تاريخ الصحافة السورية، والعربية.

وما نقوم به في هذه الدراسة الموجزة، نفض لغبار النسيان الذي تراكم فوق تاريخ صحافة الساحل، ومحاولة متواضعة لتأريخها والتعريف بها.

وأول ما يلاحظه الباحث المدقق فيما يتعلق بصحافة الساحل: إنها، أولاً- من مواليد مرحلة ما بعد الانقلاب العثماني، أي ما بعد عام 1908 بينما وجدت الصحافة في دمشق وحلب، قبل الانقلاب العثماني بمدة طويلة في دمشق عام 1865، وفي حلب عام 1867.

وهي، ثانياً، ولدت أهلية، بعكس صحافة دمشق وحلب، التي كانت في بداياتها الأولى، رسمية، نشأت بعناية الولاة وتحت رعايتهم.

ثم إنها، مرت بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى:

مرحلة العهد العثماني، أو مرحلة التكوين، وتمتد من 4/5/1909 (تاريخ صدور أول صحيفة في الساحل)، إلى 5/11/1918 (بداية عهد الاحتلال الفرنسي للساحل).

المرحلة الثانية:

مرحلة الحكم الفرنسي والحكومات المستقلة، أو مرحلة النضج وتمتد من 5/11/918 إلى 20/12/1942 (تاريخ انضمام حكومة اللاذقية، نهائياً، إلى سورية).

المرحلة الثالثة:

مرحلة الاستقلال وتمتد من 20/12/1942 وحتى اليوم.

***

وليس من السهل معرفة تأثير الصحافة على الحياة الأدبية في الساحل خلال الفترة ما بين عام 1909- تاريخ صدور أول صحيفة وهي اللاذقية(1) وعام 1923- تاريخ صدور أول مجلة وهي العلوي- نظراً لعدم توافر المراجع التي تعين الباحث على الدراسة، وعدم وجود مجموعات من هذه الصحف في المراكز الثقافية أو دور الكتب العامة أو الخاصة. وكل معلوماتنا عن صحافة اللاذقية خلال الفترة المذكورة لا تتعدى أسماء هذه الصحف، وتواريخ صدورها، وأسماء أصحابها وهذا أمر يؤسف له أشد الأسف.

***

*وأول مجلة ظهرت في الساحل السوري هي العلوي (15 أيلول 1923) مجلة سياسية أدبية اقتصادية حرة تصدر مرتين في الشهر لصاحبها برهان الدين بك مصري زاده، صدرت باللغتين العربية والفرنسية وكان رئيس الكتاب بالقسم الفرنسي برهان الدين مصري زاده، ورئيس الكتاب بالقسم العربي عبد الكريم الخيِّر. عدد صفحات العدد /24/ صفحة منها /16/ صفحة باللغة العربية و/8/ صفحات باللغة الفرنسية.

وكانت المجلة مقسمة إلى الأبواب التالية: الأدبيات- السياسيات- أخبار نصف الشهر- الكلمة الأولى صدر منها خمسة أعداد فقط ثم توقفت. ولم تنهض بأي دور يذكر في حياتنا الأدبية والثقافية. كما أنها لم تكن شيئاً يذكر بالنسبة إلى المجلات الراقية التي صدرت بعدها، وكان لها شأن كبير في حياتنا الأدبية.

*ولهذا يمكن القول، أن أول مجلة ثقافية قامت بدور هام في حياتنا الثقافية واحتلت مكاناً بارزاً فيها، هي مجلة النور لنصر الله طليع وجاد كومين.

صدر العدد الأول منها في شهر حزيران 1925 (شوال 1843). وكانت خطة المجلة كما أوضحها صاحبها في افتتاحية العدد الأول: "لن تحمل سوى صورة للنهضة الأدبية، ومثالاً من الفكر الحر الطليق، فهي مجلة المفكرين والشباب الناهض، هي ميدان البحث الأخلاقي والأدبي تتبارى فيه أقلام الكتَّاب الباحثين، في عزلة عن السياسة، لأنني لا أرى لأمتي فلاحاً بسوى رفع مستواها الأدبي والأخلاقي، ونزع الفوارق من بين طوائفها وفئاتها...".

كانت النور تصدر شهرياً. وسنة المجلة عشرة أشهر. وعدد صفحات العدد /80/ صفحة. تصدرت غلافها الخارجي الكلمات التالية: صلة الأدباء. رابطة المفكرين. مجال الأقلام الطليقة. رمز النهضة الأدبية. نصيرة الحق. عضد الضعيف. نور ونار.

أبواب المجلة هي:

1-المقال الافتتاحي:

ومن المقالات التي نشرت في هذا الباب: العاطفة والمادة محور الحياة والاجتماع- الأمل والحذر عاملان قويان في سير الحياة- تطاحن الطبقات ومسؤوليتها تجاه المجتمع- الزعامة بين البيئة والعبقرية- القوة والضعف ناموسان من نواميس الطبيعة- الإرادة في الأفراد والأمم كيف تكون وكيف تطلب- .. الخ...

2-خمائل الأفكار:

وهو باب الشعر ومن الشعراء الذين نشرت لهم: بدوي الجبل، محمد رشاد رويحة، فتاة غسان، الأخطل الصغير، منح هارون، أديب فرحات، محمد كامل شعيب العاملي، محمد مجيد عجان، جميل صدقي الزهاوي، عندليب الوادي (عبد الكريم الخيِّر) أحمد شوقي، حليم دموس، وغيرهم...

3-تطور المجتمع:

تحت هذا الباب نشرت المجلة مقالات تدور حول مواضيع مختلفة منها: نهضة العمال- الحلقة المفقودة وعقول القردة- الساعة العجيبة- اكتشاف أمريكا- الشرب والصحة- الفاشيست- الاشتراكية.

4-خراب وسهام:

أوراق الخريف، حوادث الشهر، وهذا الباب عبارة عن جولة في الأخبار الداخلية والخارجية.

5-زهر وشوك:

وكان ينشر تحت هذا الباب إهداءات النور، والمطبوعات الجديدة. ولمجلة النور، الفضل في تعريفنا ببعض أدباء الساحل الذين ما كنا لنعرف عنهم شيئاً لولاها كمحمد سعيد أزهري (1834- 1900) والياس الصالح (1839- 1885) وغيرهما... ومما يذكر أن المجلة اهتمت بالرواية المترجمة فنشرت على حلقات متتابعة رواية (المدالية الذهبية) رواية أدبية غرامية اجتماعية مترجمة بتصرف عن الفرنسية.

أما القصة الموضوعة. فلم تكن مدار اهتمام المجلة. وكل ما نشر منها قصة (أنا والطائر الحزين) لأديب مهنا. وهي محاولة بدائية غير ناضجة. وقصة (الفرج بعد الضيق) للآنسة اميلي سابا وهي أرقى من الأولى.

وأهم ما نشر على صفحات المجلة كتاب (تاريخ فرنسا) لحكمت الشريف. والدراسة المطولة المعنونة (تطاحن الطبقات).

وعلى صفحات النور ظهرت أولى محاولات الشعر الحر. حيث نشرت تحت عنوان "مذكرات شريد" مقطوعات من هذا اللون الأدبي بعنوان: عند قبر الجندي- أمام الكوخ- ساعة في قصر- ليلة في حقل- العاشق الفاشل- مع القافلة- القاصر والوصي.

وبعض هذه المقطوعات نشر بتوقيع مستعار: ديك الجن أو ابن المدينة.

ولإعطاء القارئ فكرة نعرض هذا المقطع:

مليكة الحقل يا بنت الجبال

شقيقة الشمس وأم الهلال

إن معرفة ما تحوينه من الجمال

لضرب من ضروب المحال

تتعهدين الحقل عند الصباح، والنحل فوق النسرين والأقاح، يأخذ لقاحاً ويدس سم لقاح، فتذبل وجوه تلك الزهور، ويشرع غيرها في الظهور، فيعجل النحل بالبكور...

لم تعش النور طويلاً، توقفت بعد سنة واحدة من صدورها.

*المجلة الثالثة التي عرفها الساحل، هي، التجدد لأديب طيار(2) مجلة أدب وفن واجتماع وفكاهة. صدرت في (صافيتا) في مطلع آذار 1927- رمضان 1345، سنتها عشرة أشهر وعدد صفحات كل عدد /64/ صفحة. والعدد مقسم إلى الأبواب التالية: في رياض الشعر، من هنا وهناك، في عالم الكتب، فكاهات، رواية العدد، سير العلم، الفنون الجميلة...

ومن استعراض أبواب المجلة نجد أنها اهتمت بالفنون الجميلة. وهذا سبق يسجل لها. كما يتبين أنها اهتمت بالقصة. فخصصت لها باباً مستقلاً بعنوان (رواية الشهر) وتحت هذا الباب نشرت: الأقحوانتان، ملاك الظلمات، الراهبة البيضاء. وهي من القصص الراقي بقلم الأديب الشاعر زاهي عرنوق، فتكون التجدد عرفتنا برائد مجهول من رواد القصة في الساحل السوري. لم يهتم به أحد من الدارسين فمات مغبوناً.

وكالنور لم تعش التجدد طويلاً. احتجبت بعد عام من صدورها، مخلفة وراءها فراغاً كبيراً.

*بعد التجدد، صدرت مجلة المرشد العربي للشريف عبد الله آل علوي الحسني. مجلة علمية تاريخية أدبية شهرية. شعارها: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن".

كانت المرشد العربي مجلة دينية "مولية وجهها نحو البحث عما يبين حقيقة الدين ويفند مزاعم المبطلين، ويفضح دعاوى البدعيين والمحدثين متبسطة تبسطاً لائقاً بها فيما يهذب النفوس ويثقف العقول ويغذي الأفكار باحثة بدورها في الأخلاق، والعادات، والآداب، والتاريخ، والتراجم، والعلوم النظرية، والاجتماعية".

صدرت المجلة بتاريخ 10 نيسان 1929 (1 ذو القعدة 1347) كان العدد مقسماً إلى الأبواب التالية:

دينيات- أخلاقيات- حقوقيات- اقتصاديات- تاريخيات- أدبيات- في عالم المطبوعات...

على صفحات المرشد العربي تلاقت أسماء نخبة من خيرة كتاب الوطن العربي أمثال: الشيخ عبد الحميد السائح، عبد الرزاق الحسين، عبد القدوس الأنصاري، عبد الكريم الدجيلي، عبد الصاحب الدجيلي، محسن مظفر، عمر الرافعي، محمد رضا المظفري، عبد الحميد الرافعي، محمد زاكي عثمان.

ومن أدباء الساحل زكي فوز، الشيخ راغب العثماني، ضياء الدين أديب، محمد المجذوب، محمد حنا المثبوت، أحمد سعيد والد الشاعر أدونيس، ... وغيرهم.

وكان انتشار المجلة أوسع من انتشار النور والتجدد، إذ تخطى انتشارها مدينة اللاذقية والساحل وسورية إلى لبنان وفلسطين والعراق والحجاز واليمن والهند وسيلان وجاوا نظراً لما كان يتمتع به صاحبها الشريف عبد الله من صداقات واسعة في تلك البلاد.

ومن أهم ما نشرته المجلة كتاب (تاريخ الأديان) لحكمت الشريف و(تاريخ العلوم العربية وأزمان وضعها ومن وضعها) لابن الجزيرة. والبحث المطول المعنون (الصابئة قديماً وحديثاً) للسيد عبد الرزاق الحسني.

وكان باب (المطبوعات الحديثة) من أبواب المجلة المهمة. وفي هذا الباب تعرفنا بعدد كبير من الكتب من ذلك: كتاب إبداء الرغاب في مسألة الحجاب، وكتاب إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة، وكتاب روضة الأزهار في تاريخ آل المقيد الأخيار، وكتاب ذخيرة المتأدب، وكتاب عمران بغداد، والزهرات، وكتاب روح الإيمان في نفس الإنسان، وكتاب البلاغ المبين في أصول الدين، وكتاب شيخ الأسطح أو أبو طالب، وكتاب البابيون في التاريخ، وكتاب الرحلة العلمية، وكتاب التوأمان، وكتاب الفضيلة الملثمة.. وغيرها... وغيرها... من الملاحظات اللافتة للنظر أن المرشد العربي لم تول القصة أية عناية. وأهملتها تماماً.. وقد توقفت المجلة عن الصدور بعد مدة قصيرة من صدورها...

*بعد المرشد العربي، ظهرت مجلة الأماني التي أصدرها إبراهيم عثمان في مطلع شهر تشرين الأول سنة 1930 وكان شعارها: "إن أعمالك مرآة لك. فإذا شئت أن تعرف من أنت فانظر إلى أعمالك".

قدمت الأماني نفسها للقارئ، وحددت خطتها بالكلمات التالية: "لم تخلق للكسب المادي، ولمس النفوس، وخطتها أن لا تتقدم بالزلفى وإيقاد البخور على مذابح المقامات وأصحاب النفوذ كما أنها لم تخلق لتكون أداة للهدم والتحطيم وستستمر على الصدور بعونه تعالى ما دامت تتغذى من جهود رفاق شاركوني في مشروعها بدافع نشر الثقافة والأدب، لا بدافع حب الظهور والتطوح الأعمى، وستحمل على صفحاتها صرخات الشباب الصاخبة لتحطيم الأغلال ومحاربة الجمود، وحكمة الشيوخ المتروية الهادئة، في جو بعيد عن السياسة وأساليبها، أما الأبحاث الأدبية فستعالجها من كل نواحيها ببراءة وجرأة حتى إذا وجد القارئ الكريم في حديقتها الزنبقة اللامعة والعوسجة الشاحبة فلا لشذى الأولى وشكل الثانية بل لوجود كيان خاص في كل ظاهرة من ظواهر هذا الكون".

وعندما صدرت الأماني كتب الأستاذ أديب طيار صاحب التجدد كلمة تحمل معنى الشفقة عليها من مصيرها المحتوم جاء فيها: والأماني يا سيدي القارئ هي المجلة الأدبية الثالثة التي تصدر في هذه البقعة المنكوبة من الأرض. بعد (النور) و(التجدد) وقد توارت أشعة النور عن العيون في أحشاء الظلمات وهوى نسر (التجدد) من سمائه فتكسرت جناحاه فوق الصخور والقبور والأفاعي وهشمت رأسه الأشواك الرجعية فدفنه صاحبه في ظلمات الأبد وأقسم على ضريحه اليمين.. فما عساه يكون حظ الأماني في صفحة القدر.. أيكون نصيبك أيتها المجلة العروس من الحياة كنصيب شقيقتيك (التجدد) و(النور) فتحطمين القلم وتسكبين عليه دموع اليأس والندم. أم أنك ستطالبين بنصيبك من غنائم العبقرية وخمورها على موائد الأمجاد في عالم الأدب"(4).

على صفحات الأماني كانت انطلاقة نديم محمد. حيث نشر بواكيره الشعرية المتمثلة بقصائده التالية: أخفتهما وراء ثوبيها، الله في طبع الحسان، إني أدين بما تدين به، آمنت بالحسن، الكنز المباح، غفر الله لها، وهي غير موجودة في أي من دواوينه المنشورة.

وعلى صفحات الأماني نشر بدوي الجبل عدداً من قصائده: المعبد المسحور، إلى عبد الوهاب، وانجلت نفسي في النور، أما الشباب، أطل من حرم الرؤيا فعزاني، العذراء الخائنة، حيرة النفس، وغيرها وبعض هذه القصائد غير موجودة في ديوانه.

وعلى صفحات الأماني أيضاً، نشر بدوي الجبل أول مقال نثري له بعنوان "الخيام بيني وبين سيدة افرنسية"- الأماني- العدد /7/ نيسان 1931- وكان أهم ما نشرته الأماني على صفحاتها المآخذ والاستدراكات التي سجلها العلامة الشيخ سليمان الأحمد على شراح ديوان البحتري وأبي تمام الطائي ودراسته الفذة الموجزة عن رسالة الغفران للمعري.

وفضلاً عن ذلك كانت صفحات الأماني ميداناً رحباً لكوكبة من فرسان الشعر والنثر من أدباء الساحل وأدباء العرب مثل: ادوار مرقص، فتاة غسان، خليل عثمان، محمد المجذوب، شحادة اليازجي، نوفل الياس، أحمد محمد حيدر، محمد حمدان الخيِّر، عبد اللطيف إبراهيم، يوسف إبراهيم، عيسى شعود، منح هارون، حكمت الشريف، أمين نخلة، جرجس كنعان، رئيف خوري، الحر، عبد الرؤوف أمين، محمد كامل شعيب العاملي، ايليا أبو ماضي... وغيرهم...

ومما يسجل للأماني بمداد الفخر اهتمامها بالنقد، وكانت سباقة في هذا المجال. إذ هي خصصت زاوية بعنوان (زاوية سهيل) لنقد كل ما ينشر فيها من مقالات وبحوث وقصائد. وكان نقدها أشبه بالوخزات التي تؤلم أكثر مما تجرح، من ذلك ما كتبه سهيل في نقد مقال بدوي الجبل "الخيام بيني وبين سيدة افرنسية" وهو(5): لا نغبط "الخيام" كثيراً على حضور هذه الحفلة ولو عن طريق الذكرى لأن الكاتب لم يدعه إلا لينفذ من خصاصه إلى مشتهيات السيدة الافرنسية. وأعجب من هذا قول الكاتب عن نفسه أنه شاعر في الثلاثين من سنيه، متلمساً الحساب "النسائي" في تقدير العمر لأنه نظم قصيدة سنة 1920 جاء فيها:

وأراني سوف أمشي للردى

مستظلاً بالسيوف الباترة

ملقياً نفسي في غمراتها

كيفما دارت هناك الدائرة

فإذا مت غريباً نائياً

وأنا في التسع بعد العاشرة

اذكريني واحفظي عهد الهوى

واندبي شؤم الجدود العائرة

ثم نظم قصيدة في 7/8/928 قال في أحد أبياتها عن نفسه:

كبا وركائب الأعوام فيه

من العشرين لم تنقل خطاها

وكل ما تقدم هذا البيت من قرائن تشير إلى أن كبوته كانت في السنة التي نظم بها قصيدته، فإذا كان يضيف إلى عمره سنة واحدة كل ثماني سنوات كان ذلك "فوق علم العليم"(6).

وتجدر الإشارة إلى أن الأماني اهتمت بالشعر المنثور وقد سبق سهيل- إبراهيم عثمان- غيره من أدباء الساحل في هذا الفن الذي بلغ على يده ذروة الجمال والكمال والأناقة. من قصيدة "إليها"(7) نختار هذا المقطع:

والابتسامة العذبة التي أغفلها العناق على شفتي،

يوم كان الصمت العميق أبلغ ما نتكلمه ساعة اللقاء،

والقلب النابض الذي تملكته ارتعاشة خفيفة،

تقلصت على ثغري ومذ مرت عليها الذكرى،

تكيفت بشكل كآبة مبهمة.

فيها كل رموز الحياة.

ومما تفردت به الأماني، وكانت السباقة إليه أيضاً، إعلانها عن مباراتين أدبيتين الأولى للشاعر الذي ينظم أجمل قصيدة في موضوع الأماني، والثانية لمن ينتخب أفضل مقال أو قصيدة تنال استحسانه من المجلة.

بقي أن نذكر، أن الأماني على الرغم من اهتمامها الكبير بالموضوعات الأدبية، لم تول القصة أي اهتمام وعلى مدار سنتين، لم تنشر غير قصة واحدة موضوعة هي "ثمن القبلة الأولى" لبولس الياس. وملخص قصة رنيه للكاتب الفرنسي شوتوبريان، تعريب أليس بشور.

عاشت الأماني مدة سنتين ثم توقفت بسبب العجز المادي لأن طبع العدد الواحد كان يكلف عشر ليرات ذهبية فكان نصيبها من الحياة كنصيب شقيقتيها (النور، التجدد) وباحتجابها فقد الساحل مجلة أدبية راقية كانت واسطة عقد مجلاته الأدبية، وما زال السؤال عنها يتردد إلى يومنا هذا.

وما ينبغي ذكره أن مجلة الأماني كانت موضوع أطروحة جامعية تقدمت بها الآنسة أسمهان صالح إلى جامعة القديس يوسف ببيروت كرسالة ماجستير، بإشراف الدكتور أسعد علي.

*بعد سنة من احتجاب الأماني صدرت مجلة (صدى بوقا) في أوائل شهر تموز 1933 ولم نعثر على أي عدد من أعداد هذه المجلة، وكل معلوماتنا عنها، مأخوذة عما كتبته جريدة الإرشاد(8). ففي العدد /16/ الصادر في 30 حزيران 1933 قرأنا إعلاناً صغيراً جاء فيه: "اطلعنا على بيان مصور صدر عن مدرسة بوقا الزراعية بعزمها على إصدار مجلة نصف شهرية بعنوان (صدى بوقا) اشتراكها السنوي 75 قرشاً سورياً و50 قرشاً للطلبة لمديرها ورئيس تحريرها حضرة الفاضل (زوزيموس) تبحث في الزراعة والفنون والكشافة والرياضة والآداب فنرحب بالرصيفة الجديدة ونتمنى لها النجاح السريع".

وفي العدد /18/ الصادر بتاريخ 14 تموز 1933 قرأنا الكلمة التالية: "وافانا العدد الأول من مجلة صدى بوقا فتصفحناه وإذا به مملوء بالأبحاث الشيقة من زراعية وأدبية ورياضية وموسيقية فنتمنى لها سرعة الرواج والانتشار".

*وفي عام 1936 صدرت مجلة الصاعقة لوصفي حداد "مجلة أدبية روائية انتقادية أسبوعية مصورة" لكن بكل أسف كانت هذه المجلة دون المستوى المطلوب. ولكونها هزيلة المحتوى، لم تستفد منها الحركة الأدبية بشيء.

*في العام التالي لصدور الصاعقة، وعلى وجه التحديد في شهر تشرين الثاني من عام 937، أصدر المرحوم الدكتور وجيه محي الدين، بطرطوس، مجلة النهضة، شهرية تبحث في الأدب والاجتماع. وقد حاول صاحبها أن يسد بها الفراغ الذي خلفته الأماني باحتجابها.

جاءت النهضة، بعد أن خلت الساحة من النور والتجدد والأماني وكان مبدأ المجلة، كما عبرت عنه افتتاحية العدد الأول: "الكفاح ضد الرجعية، ونبذ الطائفية الممقوتة والسير وراء المجد والسؤدد بتضامن وإخلاص، وبث روح التآلف والإخاء بين مختلف أبناء هذا الشعب، فتكون هذه الصحيفة كمنبر يتبارى عليه كل من أعطاه الله نصيباً وافراً من حس الذوق الأدبي، والثقافة العالية، والتضحية في سبيل المثل العليا".

وقد ظهرت على صفحات المجلة أسماء كثيرة منها ما كان معروفاً، وله حضوره الأدبي، ومن أصحابها من نزل إلى معترك الحياة الأدبية لأول مرة، فسار خطواته الأولى على صفحات المجلة.

اهتمت النهضة بالقصة القصيرة فنشرت أمام هيكل بعلبك للمجلة، فراشة ويراعة، يمامة وغراب، ثعالب وقرود لإبراهيم جمال الدين، وفاء امرأة لبهجت مخائيل منصور..

كما اهتمت بالأدب الأجنبي فنشرت ليالي آلفرد دوموسيه، ترجمة محمد علي علوش، هيلويز الجديدة لهوغو ترجمة أحمد المحمود، نشيد السائرين إلى الشمس لناظم حكمت، اعتراف فتاة روسية إلى صديقتها الفرنسية لـ ز.هيبيوس ترجمة زاهي عرنوق...

ومما يلاحظ أن هذه المجلة استعارت من الأماني زاوية "الرسائل الممزقة"، كما قلدتها في باب النقد، إذ أفردت باباً خاصاً بعنوان "معرض الشهر" للنقد، لكنها لم تصل إلى ما وصلت إليه الأماني في هذا المجال.

مما يعيب هذه المجلة أن تبويبها كان سيئاً، تتفوق عليها النور والتجدد والأماني، في هذا المجال عاشت النهضة سنة كاملة، ثم توفي صاحبها، فحاول شقيقه محي الدين محي الدين بالاشتراك مع المحامي زاهي عرنوق مواصلة إصدارها، لكن المحاولة فشلت ولم يصدر منها في سنتها الثانية سوى بضعة أعداد ثم توقفت.

بعد احتجاب النهضة، عاش الساحل السوري محروماً من مجلة أدبية تحتضن أقلام أدبائه وتحفظ آثارهم، وامتد هذا الحرمان ما يقارب ثماني سنوات، من نيسان 1939 إلى حزيران 1946، حيث صدرت القيثارة التي أصدرتها جماعة الشعر الجديد في اللاذقية، وجعلت شعارها "رسالة شعرية فنية"، وقد حمل العدد الأول الكلمة التالية: "أقر رأينا على إصدار هذه النشرة، ورأينا أن نخصص للناحية الأكثر وضوحاً واستقراراً في بلادنا وهي الشعر، أرحب حقل من حقولها تمرح فيه عرائس الشعراء وخيالات القراء طليقة حرة".

كانت هذه المجلة تختلف عن المجلات السابقة في حجمها وإخراجها فهي أولاً أدبية صرفة لم تبحث بغير الأدب، وكان حجمها صغيراً وعدد صفحاتها أقل مما هي عليه الحال في سابقاتها، وهي مقسمة إلى الأبواب التالية: في رياض الشعر أو ألحان القيثارة- لآلئ منثورة- ألحان الريف- باقات من الشعر العالمي- شاعر معاصر- شاعر قديم- تطواف الفراش- الفنون الجميلة- آراء وخواطر.

من ذلك يتبين أن المجلة اهتمت اهتماماً كبيراً بالشعر العربي والعالمي، الموزون المقفى، والحر الطليق أو المنثور، الفصيح والزجل.. ومن الشعراء الذين نشرت لهم: أحمد الصافي النجفي، حامد حسن، محمد المجذوب، عزيزة هارون، بديع حقي، نزار قباني، الدكتور أديب مظهر، سعيد عقل، ادوار مرقص، الياس قنصل، شفيق المعلوف، عجاج المهتار، إبراهيم منصور، حبيب خير بك، كمال فوزي، الدكتور يوسف سمارة، مالك طوق، ميشيل طراد، رشيد نخلة، أحمد حبيب منصور، بشارة الخوري، أحمد الجندي، أحمد سليمان الأحمد، سلامة عبيد، عزيز أباظة، جورج مصروعة، علي أحمد سعيد (أدونيس)، كريم سيف الدين، ماجد خير بك، هنري أبو فاضل، محمد عباس، صلاح الأسير، وديع جعجع، بدوي الجبل، عمر أبو ريشة، أنور الجندي، علي دمر، فاتح مدرس، يوسف الخال، محمود عيسى، محمود علي كامل، عبده مسوح، عبد القادر المحمودي، حسن علي، منير عرنوق، زين الحسن، بولس الدويهي، وغيرهم...

من الشعر المترجم نشرت قصيدة مساء لألبير سامان، والإناء الكسير لسولي بردوم، والفن والحب لهوغو واعتراف الفنان لشارل بودلير، وأنشودة محمد لغوته.. كما نشرت دراسات عن شارل بودلير حياته وشعره، وعن الشاعرة الرومانية هيلانة فاكارسكو، وعن الشاعر الألماني ماكس داوتنداي... وأهم ما نشرته المجلة على صفحاتها ديوان الأم لنديم محمد، ودراسة مفيد عرنوق عن أوغاريت وحضارتها وآثارها، وبحث الرواية والمسرحية في التاريخ والفن لأديب طيار. لكن مما يؤسف له، أن هذه المجلة لم تعمر طويلاً، عاشت سنة واحدة فقط من حزيران 1946 إلى حزيران 1947، لكن الأثر الذي خلفته في النفوس كان كبيراً. وبتوقف القيثارة عن الصدور، فقد الساحل آخر مجلة أدبية شهرية راقية عرفها على مدى اثنتين وعشرين عاماً من تاريخه. لأن المجلات التي صدرت فيما بعد كالمنبر ثم الغد كانت أسبوعية، وكانت تختلف اختلافاً جذرياً من حيث الإخراج والمضمون والتبويب...

*صدرت المنبر(9) في مطلع شهر أيار عام 1950، وقد رحبت بصدورها جريدة الشاطئ السوري فكتبت تقول(10): "تلقينا العددين الأولين من مجلة المنبر الغراء التي تصدر في اللاذقية لصاحبيها السيدين خالد شاكر وغازي أبو عقل فألفيناها طافحة بالمقالات الشيقة المتعددة المواضيع مما يلذ له القارئ ولا يسعه أن يتركها قبل أن يأتي على آخرها، إننا نتمنى للزميلة الرواج الذي تستحقه ونحث المواطنين على مناصرة الأدب وتشجيع الزميلة لتثابر على خدمة الوطن في الخطة الحكيمة التي رسمتها لنفسها".

كانت المنبر تختلف عن سابقاتها، النور، التجدد، الأماني، في كل شيء، الشكل والمضمون، وترتيب المواد، وعدد الصفحات، وموعد الصدور... فالمجلات السابقة كانت "محافظة" على حين المنبر كانت "شابة" قامت على أقلام شابة، برزت في منتصف الأربعينات كمحمد حاج حسين ومحمد شيخ ديب وعباس بهلول ومصطفى سعد الدين وإبراهيم الحلو وفائق محفوض وكمال سبع الليل وإبراهيم قدري وأحمد الدالي ومعلى الصارم، وانضم إليهم نفر من الأدباء الشباب الذين أظهروا موهبة وأصالة كان أنبههم اسماً وأغزرهم نتاجاً رياض نصور الذي رافق المجلة من بدايتها إلى نهايتها وتردد اسمه في كل عدد من أعدادها، ويليه الياس مشتاوي.

مما يذكر أن عدد صفحات المنبر (16) صفحة، وعلى الرغم من أنها كانت "مجلة أدبية أسبوعية" إلا أنها لم تكن تصدر أسبوعياً بصورة منتظمة، مثلاً صدر العدد /63/ بتاريخ 12 شباط 952 والعدد /64/ في 22 شباط 952 والعدد /65/ في 2 آذار 1952 والعدد /66/ في 12 آذار 952، والعدد /67/ في 22 آذار 952.. والعدد /122/ في 25 تشرين أول والعدد /123/ في 31 تشرين أول 953، والعدد /134/ في 10 تشرين ثاني 953، والعدد /128/ في 21 تشرين ثاني 953 والعدد /129/ في 10 كانون ثاني 954... ومواد العدد موزعة بدون ترتيب، ولم يكن للمجلة، بشكل عام، فهرس يسهل الرجوع إلى المادة المنشورة. لكن ميزة المنبر. أنها كانت "منفتحة" فتحت صفحاتها للأقلام الشابة ولكل ذي موهبة، فتجد على صفحاتها اسم الأديب الشاب الذي يبحث لنفسه عن موطئ قدم في دنيا الأدب كالياس مشتاوي ورفيق خوري وسليم زهدي ويسر غندور ونبيهة حداد وعزة عجان ونديم سليمان و... إلى جانب أسماء أساتذة الأدب العربي، وأصحاب الأقلام الناضجة كفائق محفوض وعباس بهلول، وإبراهيم الحلو، وكمال سبع الليل، والياس طعمة، ومعلى الصارم، ومحمد عباس و... وكان اهتمام المجلة بالقصة كبيراً، ففي كل عدد قصة، وقد تألق على صفحاتها رياض نصور والياس مشتاوي من الأدباء الشباب الجدد. وإلى جانب القصص نشرت المجلة الدراسات المطولة الراقية كعصاميون عباقرة لمحمد شيخ ديب والإنسانية والقومية على صفحات التاريخ لتيسير جيفي والغزل في زمن بني أمية لالياس طعمة وشعراؤنا في المهجر لرياض نصور وقد نشره باسم مستعار هو طريد.

ومن جهة أخرى، تقع العين على أسماء عدد من كبار أدباء العرب تردد ذكرهم على صفحات المنبر مثل: وصفي القرنفلي، رياض معلوف، ايليا أبو ماضي، نسيب عريضة، فوزي المعلوف، رشيد نخلة، أحمد الصافي النجفي، حليم دموس، سلامة موسى، الدكتور جبرائيل جبور، بدوي الجبل.. و... لكن ما تجدر الإشارة إليه، أن أعداد المنبر لم تكن كلها على مستوى واحد. فهناك الأعداد الجيدة، وهناك الأعداد التافهة. عاشت المجلة أقل من أربع سنوات من أيار 1950 إلى 10 كانون الثاني 1954 ثم توقفت وكان مجموع ما صدر منها /129/ عدداً، لكن توقفها لم يطل كثيراً فسرعان ما صدرت باسم جديد هو (الغد) وقبل صدورها نشرت جريدة الشاطئ السوري الإعلان التالي: "جاءنا من صاحب مجلة المنبر الأستاذ إبراهيم أدهم فوز أنه قد بدل اسم مجلته باسم جديد هو (الغد) ولقد تناهى إلينا أن المجلة ستصدر بحلة قشيبة وبأقلام قوية وبتبويب رائع ونحن الذين نود لصحافة هذا البلد الرقي والازدهار نرحب بهذه الخطوة التي خطاها الزميل ونرجو لمجلته في عالم الصحافة الرواج والتقدير الذي تستحقه مجلة كمجلته استقطبت خيرة المفكرين والكتاب والأدباء والشعراء في هذا البلد(11). صدرت الغد يوم الأحد في 24 كانون الثاني 1954 الموافق 20 جمادى الأولى سنة 1373 وقد حملت افتتاحية العدد الأول، الكلمة التالية:

"هكذا ستكون الغد عزيزي القارئ نقدم لك العدد الأول من مجلتنا الجديدة (الغد) التي استبدلناها بالمنبر، متخذين من هذه التسمية الجديدة شعاراً للعمل، وآملاً في المستقبل. وعلى هذا الأساس وضعنا خطة جديدة نلخصها في ما يلي:

1-تقدس المجلة حرية الرأي والتعبير، فتفتح صدرها للأقلام الحرة والآراء المخلصة التي تتجاوب مع أماني الشعب وتعبر عن رغباته وحاجاته الأساسية.

2-ليست هذه المجلة ملكاً لحزب أو هيئة أو حكومة أو جماعة، وإنما هي ملك للشعب، فلا تعمل إلا لمصلحته، ولا تحرص إلا على إرضائه.

3-تؤمن المجلة إلى حد ما بمبدأ الالتزام في الأدب والفن والصحافة فهي تزن الأمور بميزان اجتماعي بمقدار ما يقدمه من نفع للهيئة الاجتماعية.

4-تؤكد "الغد" أنها لن تسعى إلى كسب مادي ولا إلى شعبية رخيصة ولن تستمد العون والقوة والإيمان إلا من القراء الذين لن يجدوا فيها مديحاً لحاكم أو سكوتاً على تهاون أو إغضاء على سيئة.

5-لقد أخذنا على أنفسنا عهداً أن لا نجعل من "الغد" طريقاً للدعاية لمؤسسات أجنبية وسنرفض نشر كل إعلان يصدر عن هذه المؤسسات لاعتقادنا بأنها تعمل على هدم كيان الوطن وإفقاره وتضليل أبنائه.

6-ستكون "الغد" ثورة على الظالمين وحرباً على الاستعمار وصنائعه في الداخل والخارج وستسلط أنوارها الكشافة على المرتزقة والمارقين الذين يعملون في الظلام لمصلحة الطغاة وأعداء الشعب.

7-إن "الغد" مجلة ناشئة لأن كتابها ناشئون، فهم يستميحون القراء عذراً عما يمكن أن يصدر عنهم من أخطاء، طالبين إليهم أن لا ينقطعوا عن إبداء ما يخطر لهم من ملاحظات ونقد وإرشاد ويشفع لهم أنهم لا يصدرون إلا عن عمق وطنية وطهارة يد وضمير.

8-وأخيراً فللغد وحده القول الفصل في ما أخذنا به أنفسنا من عهود...".

على الرغم من أن مجلة الغد تعتبر امتداداً لمجلة المنبر، إلا أنها تميزت عنها بما يلي:

أ-كانت الغد أفضل من حيث الإخراج وترتيب مواد العدد.

ب-كما كانت أغزر مادة، ومواضيعها أكثر تنوعاً، والأعداد كلها على مستوى واحد تقريباً لا تفاوت بينها.

ج-ازداد عدد صفحاتها، فعلى حين أن المنبر كانت من /16/ صفحة، فإن عدد صفحات العدد من الغد /30/ صفحة، وأحياناً يزيد عدد الصفحات عن الـ/30/ ليصل إلى /34/ صفحة كالأعداد 5 و6 وأحياناً ينزل عدد الصفحات إلى /28/ صفحة كالعدد /13/ أو إلى /26/ صفحة كالأعداد /9 و14/ أو /22/ صفحة كالعدد /10/.

وكما كان عدد صفحات العدد غير ثابت، فإن صدورها غير منتظم أيضاً، فالعدد الأول صدر في 24 ك 2/954، والثاني في 31 ك 2/ 954، والثالث في 15 شباط، والخامس في 13 آذار، والسادس في 30 آذار، والسابع في 8 نيسان، والعاشر في 23 أيار، والحادي عشر في 7 حزيران، والثاني عشر في 20 حزيران 1954 وهكذا... وقد ترددت على صفحات الغد نفس الأسماء التي طالعتنا على صفحات المنبر وهي: رياض نصور، محمد شيخ ديب، الياس مشتاوي، نبيهة حداد، حسن حمام، عباس بهلول، تيسير جيفي، محمد حاج حسين، إبراهيم الحلو و... كما طالعتنا أسماء جديدة لأدباء من سائر الأقطار العربية: العراق، تونس، مصر، الأردن مثل: خالد محمد خالد، كاظم سماوي، صفاء حيدري، عبد الرحمن الشرقاوي، عيسى الناعوري، عبد الله العلايلي، الشاذلي زوكار، محمد مهدي الجواهري، عبد الوهاب البياتي... وهذا يدل على أن الغد كانت تتمتع بسمعة طيبة ورواج، وإلا لما احتلت صفحاتها هذه الأسماء الكبيرة الضخمة. لكن مما يؤسف له، أن عمر الغد كان قصيراً جداً، أقل بكثير من عمر المنبر، ويعد احتجابها خسارة للحياة الأدبية في الساحل. وكانت هذه المجلة تستحق وقفة أطول، وأكثر شمولية، لكن ضيق المجال لا يسمح، وعسانا نخصها بدراسة مستقلة.

***

وإذا كانت الحياة الأدبية، في الساحل السوري، مدينة لهذه المجلات، فإنها مدينة أيضاً وبالقدر نفسه، إلى الصحف التي كانت تصدر في الفترة الزمنية ذاتها، صحيح أن هذه الصحف لم تكن تخصص صفحة معينة للأدب، إلا أنه لم يخل عدد من أعداد تلك الصحف من مادة أدبية تنشر، وعلى العكس مما كانت عليه الحال بالنسبة إلى المجلات وبخاصة النور والتجدد والأماني التي كانت وقفاً على الأسماء الكبيرة المعروفة، فإن الصحف احتضنت الشباب والطلاب وأفسحت لهم صدر صفحاتها ليعبروا فيها عن خلجات أنفسهم ويظهروا إبداعاتهم، مما أثرى الحياة الأدبية في الساحل ورفدها بدماء شابة كان لها الفضل في ظهور وتطور فن أدبي جديد لم يهتم به شيوخ الأدب في اللاذقية، قبلاً، هو فن القصة. ففن القصة مدين من نموه وتطوره للصحف وحدها التي أولت هذا الفن رعاية خاصة واهتماماً زائداً.

فمنذ عام 1946 خصصت صحف اللاذقية كالاعتدال والجلاء والشاطئ والخبر وغيرها صفحة خاصة بعنوان (قصة العدد) وجد فيها كثيرون من الأدباء الشباب انطلاقتهم، ومن الأسماء التي ظهرت وكان لها دورها البارز في ارتقاء فن القصة محمد حاج حسين، مصطفى سعد الدين، صديق بطرس، إبراهيم قدري، فرح باصوص، حنا مينة، مصطفى قاسم السيد، شوقي بغدادي، طه الكسيح، الخ...

وللصحف أيضاً فضلها العميم في ظهور العديد من الأقلام النسائية الشابة كعزيزة هارون.. ولا يمكن للباحث المنصف أن يغفل الدور الكبير الذي لعبته (حديقة الطلاب) في تحريك وتنشيط الحركة الأدبية في الساحل. وهي صفحة أدبية حررتها أقلام الطلاب بإشراف خالد الشريقي، وصدرت بتاريخ 27/10/1952 عن جريدة البلاد، وكانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع. وعند بدء ظهور هذه الصفحة وجهت نداء إلى الطلاب تطالبهم "بتجريد أقلامهم من مكامنها" وما كاد خبر هذه الصفحة ينتشر حتى تهافتت عليها أقلام الطلاب من كل حدب وصوب بحيث ضاق بريد الصفحة بنتاج الطلاب من الجنسين، ومن الأسماء الشابة التي مرت على هذه الصفحة وأخذت طريقها إلى الشهرة فيما بعد أدونيس، كمال خير بك، رفيق خوري، محمد عمران، عبد الله عبد وغيرهم... وأهم ما قامت به هذه الصفحة إعلانها عن مسابقة لأحسن قصة، وذلك في شهر نيسان 1954 وقد فاز بالجائزة الأولى المرحوم عبد الله عبد عن قصة (المتشرد) وفاز بالجائزة الثانية أنور فرح عن قصة (من أجل أمي) وفاز بالجائزة الثالثة خديجة الأرناؤوط عن قصتها (الشريدة)...

ومن الأسماء التي تردد ذكرها على صفحات حديقة الطلاب: خالد رمضان، أنور فرح، سعاد بكباشي، أحمد حسن، ميشيل عون، خلدون فوزي، أمير الريف، محمد عدنان حسين، عبد الله عواد، كمال سعد الدين، ابنة البحر، يوسف علي حسن، عبد الرزاق يوسف، ملحم وهبي التل و... و... دامت هذه الصفحة سنة واحدة ثم توقفت، ونظراً لما كانت تتمتع به من شهرة وشعبية، حاولت جريدة الشاطئ تقليدها فاستحدثت صفحة مماثلة تحت عنوان (صدى الطلبة) يحررها: هشام شومان وعبد الله أدهم وسميح زين، وهي نشرة طلابية أدبية خاصة تصدر كل يوم خميس عن مؤسسة جريدة الشاطئ، كما استحدثت نشرة ثانية بعنوان (النهضة) نشرة أدبية خاصة تصدر كل يوم سبت عن مؤسسة جريدة الشاطئ، يشرف على تحريرها: مروان حداد، لكن هذه المحاولة لم تنجح وتوقفت الصفحة نهائياً بعد مدة قصيرة جداً.

***

وإذا كان لنا ما نقوله في ختام هذه الكلمة، هو أننا نتمنى على إحدى مؤسساتنا الثقافية الرسمية أو الخاصة، أن تبادر إلى إعادة طباعة مجلات النور والتجدد والأماني والقيثارة، فإنها بذلك تسدي يداً بيضاء، وتعيد إلى الحياة صفحة من تاريخنا الأدبي ضائعة، خاصة وأن تلك المجلات كانت في مصاف أرقى المجلات الأدبية التي صدرت في الوطن العربي في زمانها. ونستطيع القول جازمين أنه لم يكن في سورية، في الفترة الزمنية ذاتها، ما يماثل هذه المجلات.

أمنية نود لو تتحقق، وما أحلاها من أمنية.

الحواشي:

(1)-صدرت يوم الثلاثاء في 14 ربيع الثاني سنة 1327 الموافق 21 نيسان ش 325 و4 مايس غ سنة 1909 وهي صحيفة سياسية أدبية علمية زراعية تجارية.

(2)-ولد في صافيتا سنة 1905. مارس مهنة التعليم في مدارس طرطوس واللاذقية. توفي عام 1981، صدر له كتاب حسنات الاضطهاد عام 1936 كما أصدرت له وزارة الثقافة السورية كتاباً بعنوان (من نصوص أديب الطيار) صدر سنة 1986.

(3)-من افتتاحية العدد الأول، ص /9/.

(4)-الأماني- العدد /3/ 1 ك 1 1930.

(5)-الأماني- العدد /8/ أيار 1931، وسهيل هو صاحب المجلة إبراهيم عثمان.

(6)-فوق علم العليم قصيدة لبدوي الجبل.

(7)-العدد /3/ 1 كانون أول 1930.

(8)-صدرت باللاذقية في 10 آذار 1933 لصاحبها محمد أمين حكيم.

(9)-صاحب الامتياز الصيدلي أدهم فوز وصاحب المجلة خالد شاكر.

(10)-الشاطئ السوري- العدد /49/ تاريخ 12 أيار 1950.

(11)-الشاطئ السوري- العدد /397/ تاريخ 16 كانون الثاني 1954.