الرباعيات الأربع(1)

نورتون المحترقة (I)
1
ربما كان الزمن الحاضر والزمن الماضى
حاضرين فى مستقبل الزمن؛
فالماضى يحتوى المستقبل.
إذا كان الزمن الماضى حاضرا أبدا فلم يكن ليستعاد،
ولبقى مايمكن أن يكون
احتمالا سرمديا مجردا
فى عالم من التكهنات.
ما يمكن أن يكون وما كان،
يشيران الى نهاية واحدة، هى الحاضر دائما.
تتردد أصداء خطى فى الذاكرة،
على الطريق الذى لم نسلك،
ونحو الباب الذى لم نفتح أبدا،
فى حديقة الورود تتردد كلماتى فى عقلك هكذا
ولكن لماذا نثير الغبار على آنية من بتلات الورد ؟
لا أدرى.
أصداء أخرى تسكن الحديقة، هل نتبعها ؟
قال الطائر: أسرعوا والحقوا بهم .. الحقوا بهم؛
وراء الناصية، من الباب الأول،
الى العالم الاول. هل نتبع خداع البلبل فى عالمنا الاول ؟
هاهنا كانو مختبئين، يتحركون بلا ثقل على الأوراق الجافة، فى قيظ الخريف
اذهبوا اذهبوا اذهبوا؛
قال الطائر، فالانسان لايستطيع احتمال كثير من الحقيقة.
الزمن الماضى والزمن المستقبل
ماكان يمكن أن يكون وما كان،
يشيران الى ذات النهاية، والتى هى الحاضر دائما.

2
الثوم والزمرد فى الطين
فى حنايا جذور شجرة الأكسل
والدودة التى تزغرد فى الدماء
وتغنى تحت الندوب القديمة،
تهيج حروبا عفا عليها النسيان.
الرقصة على طول الوريد
ودورة الالياف؛
محسوبة فى مسار النجوم.
نصعد الى الصيف فى الشجرة
ونتحرك فوق الشجرة المتحركة
فى الضوء على الأوراق
ونتسمع على الأرض الرخوة
تحت الدب والدب الأكبر
يتبعان مسارهما كما كانا أبدا،
لكنهما متصالحان بين النجوم.
عند النقطة الثابتة من العالم الدوار؛
لابالبدن ولا بدونه،
لامن ولا الى، فى النقطة الثابتة هاهى الرقصة.
ولكن لاالسكون ولاالحركة، ولا تسمها الثبات؛
حيث يجتمع الماضى والمستقبل، لاحركة منها ولا إليها،
لاهو الصعود ولا الهبوط، فيما عدا النقطة؛
النقطة الثابتة.
لارقصة هناك، وماهناك سوى الرقصة.
أستطيع فقط أن أقول هاهناك كنا،
ولكنى لاأستطيع أن أقول أين.
ولاأستطيع حتى أن أقول متى؛ لأن هذا يعين مكانها فى الزمن.
الحرية الداخلية من الرغبة الجزئية،
التحرر من الحركة والمعاناة تحرر من الجبر الداخلى والخارجى،
إلا أننى محاط بلطف فى الحواس،
ضوء أبيض ساكن متحرك،
تسام بلا حركة، تركيز بلا استبعاد،
عالم جديد والعالم القديم معا
اتضحا وفهما
فى اكتمال لذته الجزئية
وإصرار رعبه الجزئى،
إلا أن ارتباط الماضى بالمستقبل؛
منسوج فى ضعف الجسد المتغير،
ليحمى الانسان من السماء واللعنة،
والتى لايستطيع الجسد احتمالهما.
الزمن الماضى والزمن المستقبل؛
لايسمحان سوى بوعى قليل.
فالوعى خروج عن الزمن،
ولكن فى الزمن فقط يمكن أن نتذكر
اللحظة فى حديقة الورود،
واللحظة التى تدب فيها الأمطار على الشجيرة،
واللحظة فى الكنيسة الخالية عندما يسقط الظلام،
ونرتبط بالماضى والمستقبل،
فلا يفل الزمان إلا الزمان.

3
هنا حيث لاتعاطف.
مافات من الزمان وما يأتى
فى ضوء داكن.
لاهو ضوء النهار،
يستثمر الشكل فى سلام ساكن
ويحول الظلال الى جمال زائل،
بدوران بطئ يوحى بالثبات،
ولا هو ظلام ينقى الروح
ويفرغ الحسى بالحرمان،
ويطهر التعاطف من المؤقت.
لاهو بالامتلاء ولا بالفراغ، ولكنها ومضة
على الوجوه التى أجهدها الزمن،
لاهية عن الذهول بالشرود،
مليئة بالأوهام فارغة من المعنى.
كآبة ضالة بلا تركيز
ناس وقصاصات أوراق،
تلهو بها الريح الباردة
التى تهب قبل الزمان وبعده.
زفير وشهيق رئات مريضة.
مامضى من الزمان وما يأتى،
تجشئات أرواح سقيمة
فى الهواء الناحل المكتوم
تسوقها الرياح التى تجتاح تلال لندن الكئيبة
هامستد وكليركنويل وكامبدن وبوتنى،
هايجيت وبريمروز ولودجيت.
ليس هنا، ليس هنا الظلام فى ذلك العالم الساقط
تهبط فقط، هبوطا الى عالم من الوحدة الدائمة،
عالم ليس هو العالم، ولكن ذلك الذى ليس بعالم،
ظلام داخلى وحرمان،
وتجرد من كل ملكية،
انهيار عالم الحواس،
وابتسار عالم الخيال،
وتعطل عالم الروح.
هذا طريق، والطريق الآخر
هو نفس الشيئ، ولكن لافى الحركة،
بل فى الامتناع عن الحركة حين يدور العالم
فى شهوة على طرائقه المعدنية
فى الزمن الماضى والزمن الحاضر.

4
الوقت والجرس شيعا النهار،
وحملت السحابة السوداء الشمس بعيدا
هل تنظر الينا زهرة العباد،
وهل ينحنى الينا الأقحوان عطرا نضيرا ؟

صقيع..
هل تنحنى علينا مخالب الصنوبر ؟
بعد أن خفق جناح الملك الصياد،
وأجاب ضياءا بضياء، ثم صمت وسكن الضوء
فى النقطة الساكنة من العالم الدائر.

5
تتحرك الكلمات، وتتحرك الموسيقى فى الزمن فقط،
ولكن ذلك الذى يعيش لايملك سوى أن يموت.
الكلمات بعد مقالها تصل عبر السكون،
ولكن بالشكل فقط يمكن للكلمات أو الموسيقى أن تصل الى السكون.
مثل آنية صينية تتحرك فى سكونها الى الأبد،
لامثل سكون الكمان بينما تستمر النغمة،
ليس ذلك فقط، ولكن الوجود المشترك.
أو قل أن النهاية تسبق البداية،
والبداية والنهاية كانا هناك أبدا؛
قبل البداية وبعد النهاية،
وكلاهما دائما الآن.
الكلمات تجهد، وتتشقق، وأحيانا تنكسر
تحت التوتر، وتقع وتنزلق وتهلك وتهترئ بالركاكة،
ولن يبقى مكانها سوى أصوات صارخة تجتاحها دائما؛
تحتقر وتتهكم، أو مجرد أن تثرثر.
والكلمة فى الصحراء أكثر عرضة لهجوم أصوات الاغراء.
الظل الباكى فى رقصة الجناز،
وعويل الغولة الحزينة.

الحركة تفاصيل النموذج؛
كما فى شكل السلالم العشر.
الرغبة ذاتها حركة ليست مرغوبة فى ذاتها؛
إلا أنها سبب الحركة وغايتها؛ لازمنية ولاراغبة سوى فى جانب الزمن
حين تتجمد فى تحدد شكلى بين الكينونة والعدم.
فجأة فى ضوء شعاع الشمس؛ يثور الغبار.
وترتفع الضحكة المختبئة للاطفال فى الخمائل.
سريعا. الآن. هنا. الآن. دائما،
يبعث على الأسى ذلك الزمان المضيع الحزين؛
الذى يمتد من قبل ومن بعد.