معبد حدد ,أكبر معابد الشرق القديم

تعد اكتشافات معبد الإله حدد في قلعة حلب الأهم في نهاية القرن العشرين وفقا لما ذكره البروفيسور الإيطالي باولو ماتييه في إحدى الدوريات الأوروبية التي تعنى بالآثار.

كما ورد ذكر الإله حدد في نصوص ماري وإيبلا ومعظم نصوص مواقع الشرق القديم حيث اعتادت الممالك القديمة إقامة طقوس تقديم الهدايا والهبات لإله العاصفة في معبده الرئيسي في مركز مملكة حلب العمورية.

ويقول الدكتور يوسف كنجو رئيس شعبة التنقيبات الأثرية في مديرية آثار ومتاحف حلب أن موقع معبد الإله حدد لم يكن معروفا إلى أن جاء عالم الآثار الفرنسي جورج روترو أثناء فترة الانتداب الفرنسي على سورية خلال عامي 1929-1930 عندما قام بأعمال تنقيب في قلعة حلب وفي عام 1996 تشكلت بعثة سورية ألمانية كانت مهمتها الرئيسية التنقيب في معبد الإله حدد في قلعة حلب واستطاعت خلال 12موسما تنقيبيا كشف قسم كبير من مساحته والتعرف على مراحل وتاريخ بنائه ليتبين ان جذوره تعود الى الالف الثالث قبل الميلاد وهو من اكبر المعابد المكتشفة في سورية والشرق عامة من تلك الفترة من حيث المساحة والضخامة حيث تشير تقديرات الابعاد الخارجية البالغة 75 مترا والداخلية البالغة 36 مترا الى افتراض قوي بوجود معالم أثرية أخرى تابعة له تنتظر الاكتشاف.

وأضاف الدكتور كنجو أن المعبد سلط الضوء على فترات مهمة من تاريخ حلب وخاصة الأهمية الدينية للمدينة في فترة مملكة يمحاض كما أشارت وثائق ماري وايبلا الى كون حلب مركزا دينيا مهما يتمثل بوجود معبد الاله حدد مشيرا الى أنه لم يسبق القيام بتنقيبات أثرية منهجية في مدينة حلب بسبب اندثار المدينة القديمة وبالتالي كل ما يعرف عن تاريخ حلب جاء من أرشيف ماري وايبلا وايمار والمدن الأخرى وهنا تكمن الأهمية القصوى لتنقيبات المعبد التي أثبتت بالدليل القاطع المعلومات الواردة عن حلب.. كما كشفت الكتابات اللوفية الموجودة فيه عن وجود مملكة صغيرة امتدت بين الأناضول وحلب وحماة وتزعمها الملك تيتاس الذي وجد تمثال له أمام تمثال الاله حدد في المعبد.

ولفت رئيس شعبة التنقيبات الأثرية الى تشابه بين المعبد والمعابد الاخرى المكتشفة في عين دارة وتل حلف وكركميش من حيث المخطط والمنحوتات الموجودة فيه لكنه ينفرد بأنه الاكمل من حيث المعالم ويتميز بوجوده في مكانه الاصلي ما شجع مديرية اثار ومتاحف حلب بالتعاون مع المديرية العامة لاثار دمشق والبعثة الاثرية العاملة في الموقع وجهات عالمية اخرى للعمل على انشاء متحف خاص بالمعبد في مكانه الاصلي لحماية المنحوتات الاثرية وتأمين زيارات للمهتمين بالتاريخ.

بدوره تحدث الباحث محمد المفتاح من البعثة السورية الالمانية عن المكتشفات التي يعود تاريخها الى منتصف الالف الثالث قبل الميلاد اي عصر البرونز القديم حيث يعود المدماك السفلي في الجهة الشمالية من المعبد الى هذه الفترة بينما ازيلت المداميك وبنفس المحاور والابعاد ليعاد بناوءها في فترة البرونز الوسيط حيث ادخلت الالواح الحجرية المشذبة من الداخل بارتفاع 114 سم وعرض من نصف متر كما استعملت المداميك التي بنيت في فترة البرونز القديم كاساس في فترة البرونز الوسيط حيث كانت الارضية في المرحلة الاقدم من الحوار المدكوك بسماكة 10-15 سم في حين تم في المرحلة التالية تبليط الارضية بألواح حجرية من الحجر الكلسي الابيض والبازلتي الاسود بشكل منتظم وبأشكال هندسية بديعة.

كما دخلت الواح بازلتية مشذبة في المرحلة الاخيرة من البرونز الوسيط لتزيين المعبد من الداخل لها نفس الابعاد التي كانت في المرحلة السابقة وبعضها اكبر حجما لكنه تعرض لحريق دمره في المرحلة الاخيرة.

واشار المفتاح إلى العثور على منحوتة واحدة من فترة البرونز الوسيط مكانها الاصلي مجهول تم استخدامها في المراحل المتأخرة كبلاطة وتشبه منحوتات ايبلا كما عثر على اجزاء لمنحوتة غير كاملة لشخص يجلس على كرسي في اسفلها نحت لمشهد يمثل اشخاصا يحملون اسلحة.

واضاف الباحث ان عصر البرونز الوسيط شهد بداية دخول التأثيرات الحثية الى معبد حدد من خلال المنحوتات واخذ المعبد الابعاد نفسها باستثناء ابعاد القسم الشمالي التي اصبحت اصغر وتحولت من 18 م الى 12 م ويبدو ان اجزاء كبيرة من الارضيات والعتبات تم استخدامها.

وتابع المفتاح.. اضيفت المنحوتات او النقوش النافرة بدلا من الحجارة المشذبة وأخذت الحجارة المنحوتة شكل نوافذ مغلقة وبينها منحوتة صغيرة على شكل ثور يظهر بوضوح في الواجهة الشرقية كما يمكن ملاحظة التناوب ما بين اللونين الابيض والاسود او الحجر الكلسي والبازلتي الذي يحاكي نموذج الابلق ويلاحظ في هذه المرحلة تغير مكان قدس الاقداس الذي كان في الشمال على نفس محور المدخل ليتحول بمحور قدره 90 درجة وليصبح على الجدار الشرقي حيث يقف تمثال كبير للاله حدد اله العاصفة وقد تعرض المعبد في هذه الفترة للتخريب ومن ثم اعيد بناؤه في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وهنا دخل تمثال الملك تيتاس مع الكتابة اللوفية إلى جانب تمثال الاله حدد كما يوجد نص كتابي على البوابة الداخلية على تمثال الاسد وجميع النصوص الكتابية تعود الى القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

وبين المفتاح ان المرحلة الاخيرة من القرن العاشر قبل الميلاد لم تشهد انهيار المعبد انما حدثت تعديلات في المنحوتات وخاصة في المصطبة الموازية للجدار الشمالي بحيث تركت ثلاث منها من الفترة الحثية وهي اله الجبل واسدان اسطوريان غير متقني الصنع واضيفت منحوتات جديدة واستخدمت اغلب الحجارة القديمة بطريقة اخرى وهنا تداخل الفن من ثلاث حضارات مختلفة الاشورية والحثية والارامية حيث يظهر الموزاييك الحضاري واضحا في هذه المنحوتات لكن المعبد لم يعمر طويلا بعد ذلك وتعرض للاهمال والاندثار لتنتهي صفته الدينية نهائيا وصولا للفترة الهيلنستية حيث تم حفر حفرة كبيرة فيه واخذت حجارته لتستخدم في بناء أبنية أخرى لكن المنحوتات الحجرية التي تظهر صورة الإله البشرية تركت في مكانها الاصلي اعتقادا بقدسيتها ومن ثم ردمت الحفرة ما ساهم في الحفاظ على الكثير من المنحوتات من التلف والسرقة غير أن المعبد تعرض خلال الفترة البيزنطية لعملية حفر كبيرة خربت الطرف الشرقي لمدخله الرئيسي بشكل كامل اما المدخل الغربي فبقي موجودا بحالة جيدة وخلال الفترة الزنكية تم حفر اساسات لبناء مستودع فعثر على المنحوتات لكن ضخامتها حالت دون ازالتها او خلعها فتركت وبنيت الأساسات فوقها.

إن تاريخ قلعة حلب الموغل في القدم مكنها من معاصرة كل الفترات و العصور التاريخية بدءاً من منتصف الالف الثالث قبل الميلادوما المكتشفات الاخيرة في معبدها الا تأكيد جديد لعراقة الحضارة في حلب.

(حنان جنيكة -سانا)