قراءة في سونيتات شكسبير

فعل الترجمة فعل تاريخي لا يقتصر على ظاهر النص و تحويله من معجم لغة إلى معجم لغة أخرى مهما كان هذا الفعل دقيقا و هاما و لكن وضع النصوص في سياقها الحقيقي و نسبتها إلى أصلها الروحي و رصد الامكانات التاريخية لتلاقح النصوص في علاقة الشعوب ببعضها و هذا مما لا تقوله النصوص التاريخية بل يبوح به النص في لحظة مكاشفة نادرة مع قارئ عاشق هو ما يعطي الترجمة مقامها الأسمى فالنص يحمل خارطته الجينية في كلماته و مقاطعه و بين سطوره و قد عمل الدكتور كمال أبوديب على ترجمة سونيتات شكسبير في صبر الباحث و لهفة المُحبّ لتاريخه و للآداب الأخرى على حدّ السواء متتبعا أصول التوشيح في هذه النصوص باحثا عن أب حقيقي وفرَ هذا الانتقالَ من العربية إلى الانجليزية و قد كان "صقليا عاش في فترة قريبة العهد جدا من الحكم العربي لصقلية و كان قريبا في الزمن من ابن حمديس الصقلي (من حوالي1056-حوالي1133)، بل إنه عاش في المقاطعة نفسها التي عاش فيها ابن حمديس قبله و هي سيراكيوز و قد اشتهر ابن حمديس بالشعر الذي كتبه حنينا إلى صقلية بعد خروجه منها و اُسم هذا الشاعر جياكومو دا لنتينو و يكتب أيضا "لنتيني" و قد عاش في بلاط فريدريك الثاني (1194-1250) و عمل لفترة من الزمن حاكما للقلعة الصقلية المسماة "كارسيلياتو" و الأهم من ذلك أنه كان زعيم المجموعة الأولى من الشعراء الإيطاليين و قد نظم هو و مجموعة الشعراء من حوله إحد و ثلاثين سونيت" ص34 و هكذا يكون أصل السونيت عربيا انتقل إلى التراث الانجليزي من نصوص مترجمة من الايطالية و أصلها العربي "السمط" أو تحريف "نصت" من الانصات ص36لأن السونيت في الأساس قطعة مُغناة أما عن بنية السونيت فقد اُكتشف د.كمال أبوديب "أن السونيت المؤلفة من 14 بيتا هي في الواقع سلسلة مزدوجات تشكل سباعيتين و يمكن أن تُكتب بنظام الشطرين العربي كما يلي: 21/21/43/43/65/65/77 و هو نظام متبع في الشعر العربي و له نماذج عديدة في الموشحات(...) على صعيد آخر هو البنية الدلالية أو الفكرية، تتميّز بنية السونيت بتغيّر يشبه "الفتلة" في الفقرة الثالثة منها و كثيرا ما تأتي في البيت التاسع و هي أيضا تشكل انقلابا في المقولة التي تكون قد تشكلت حتى تلك اللحظة أو نقضا لها أو ردّا عليها أي انعطافا عنها بشكل أو آخر. و قد تحدث هذه الفتلة في الفقرة الختامية خصوصا في سونيتات شكسبير. لكن موقع الثقل الدلالي و الكثافة و التركيز الفكري-اللغوي في السونيت هو دونما شك الفقرة المزدوجة الخاتمة التي تتميز عن كل ما سبق دلاليا-فكريا أو شعوريا، كما تتميّز في لغتها و في التقفية فيها إذ تكون كما أشرت ذات قافية واحدة في البيتين. و بهذه الخصائص تكون هذه المزدوجة التي يشبهها أحد الباحثين الانجليز ب(السدادة التي تسدّ قارورة مفتوحة أو القبعة التي تغطي رأسا مكشوفا فهي ختما في كلتا الحالتين) صورة دقيقة ل"الخرجة" في الموشح كما يصفها اُبن سناء الملك(1155-1211)" ص27-28
لقد عرّب د.كمال أبوديب شكسبير نصّا و روحا بعد مجهود بحثي مُضن تتبّع فيه المنابت العربية لجنس السونيت و تمفصلات الابداع التاريخية و الفنية لدى الرجل فجاءت صُوَرُهُ الشعرية حقيقية رغم الترجمة، عربية رغم صورتها الانجليزية رافلة في أندلسيتها الأولى دون تكلف إلا غلالة زمن شفافة كعَوْد على بدء ل"حياة لا تفنى"ص176

قراءة في سونيتات سكسبير:
إن حياة الانسان عند شكسبير هي، كما لدى العديد من شعراء الرومنطيقية، حياة الزهرة و لكنه أعمق من شعراء الفرنسية في تحليل هذا البُعد فهو يقول بكثير من الجمال "لأن مظهرها (الورود) هو فضيلتها الوحيدة/ فهي تحيا دونما إغواء و تذبل دون إجلال/ و تموت وحيدة/ أما الورود الحلوة فلا تفعل ذلك/ فمن ميتاتها الحلوة تُصنع أفضل العطور/ و كذا شأنك أنت، أيها الفتى الجميل الحبيب/ حين يذوي ذلك، فإنّ شعري سيقطّر حقيقتك" سونيت الجمال الباطن* 54 ص 100
إن الخلود في الشعر يمُرّ عبر محور الذاكرة و ذاكرة الكلمات اللغوية و السمعية و البصرية و الذوقية و اللمسية و الشمّية و من خلال رسائل الحس المختلفة و تراسل الحواس يقع تثبيت الفكرة فيلتصق المحبوب بصور جمالية تظل عالقة في ذهن القارئ و تتلبّس بتجربة عاشها أو يتمنى في سرّه أن يعيشها و يتحرر من خلالها كذات فردية و يتعرّف على الآخر المنقوص فيه. إن التوحد (مذكر و مؤنث) هو الكفيل الوحيد بالانتصار على "قوة الفناء الحزينة" سونيت الحبر اللألاء 65 ص104 و هذا التوحد لا يتم وجوديا و نفسيا إلا في علاقة الحبّ الذي يكون سُلّما للمعرفة من المحبوب الانسان إلى المحبوب الخالق للوجود و الانسان و هو ما يعتبره ميشال فوكو تفسيرا للحبّ العذري فالحبّ العذري ليس الحب الذي ينكر الجسد بل هو الذي يرتقي بالمحب من المادة إلى الروح، من الصورة إلى الأصل، من المخلوق إلى الخالق "و هكذا أتضوّر جوعا و أولِمُ يوما بعد يوم إما أنا مُتخم بكل شيء أو خاوٍ من كل شيء"سونيت أحوال العاشق 75 ص107.
إن هاجس الموت لدى شكسبير يجرح نرجسيته المتضخّمة حتى أنه يغبط ذات المحبوب على خلوده في شعره "إما أن أعيش لأكتب شاهدة قبرك/ أو تبقى انت بعدي، و أنا أتفسّخ في أعماق الثرى/ إن الموت عاجز عن أن يمحو ذِكرك من هنا/ أما أنا فإن كل شيء مني سيُنسى/ إسمك منذ الآن ستكون له الحياة الأبدية/ أما أنا فما أن أرحل حتى أموت بالنسبة للعالم كلّه/ و الأرض لن تمنحني سوى قبر عادي/ أما أنت فإنك ستتمدد في ضريح في عيون الخلق/ و سيكون نصبك التذكاري شِعري المُرهف/ الذي ستقرؤه مرّة بعد مرّة عيون لم تُولد بعد/ و تنطق بوجودك ألسِنة ستأتي في مثقبل الأيام/ حين يكون كل من يتنفّسون الآن قد ماتوا/ أنت ستحيا أبدا (تلك هي مزيةُ قلمي العظمى)/ حيث تتنفس الحياة بذروة عنفوانها في أفواه البشر" سونيت هوة النسيان 81 ص108 و كأن اسم المعشوق سيظل في ذاكرة الحياة القادمة أكثر من ذاكرة الكاتب نفسه و كأن ما يغبطه شكسبير حقا ليس الحياة في الأبيات بل الحب نفسه الذي سيتنفسه المحبوب عبر قلوب كل من يقرأ شعر شكسبير فالشاعر فالشاعر (كل شاعر) يظن أنه غير محبوب كفاية و الحب و الموت في نظره خطان متوازيان يسيران بنفس السرعة و لا يفترقان و إشكال الحب بالنسبة له إشكال وجودي قبل أن يكون جنسيا لأن عصب العلاقة بالنسبة إليه عاطفي/جمالي/وجودي قبل أن يكون ماديا جنسيا.
إن الحبيب لدى شكسبير هو فجر الوجود، إنه مرآة الأنا و حياتها الحقيقية- إن وُجد- و تعرّفت عليه الذات فيصير كل ما عداه غياب ذلك السنى و الضياء "كل النهارات ليال لِعَيْني إلى أن أراك/ و الليالي نهارات لامعة حين تجلوك لي الأحلام"سونيت نعيم الحلم 43 ص99 فأحلام اليقظة للشاعر حياة مكتملة يستدعي فيها في الواقع و بها يُغذي تجربته الابداعية إذا استطاع بالمكابدة أن يجعل منها رافدا للمخيال و خلق واقع محايث للواقع المُعاش.
إن خوف الشاعر من الزمن خوف من الفناء و لهذا يواجهه بالقصيد الخالد الذي يستنفذ فيه كل طاقته و عبقريته لأنه بذلك يعطل مرور الزمن عند القراءة -على الأقل- كما أنه يهبه عند القراءة نفسها حياة ثانية إن بالفهم أو بالشعور و الشاعر يحارب الفناء بالنسل أيضا لأن فيه يعيد الانسان خلق صورته و يتجدد في ازمنة لاحقة و هو ما لا يملكه بكيانه الناقص الفاني و أساس هذين الفعلين (الابداع الشعري، النسل) هو الحب لأنه الوصفة السحرية للخلود بل الشباب الخالد "أنت ايها الزمن المفترس(...) اخلق مواسم للغبطة و مواسم للفجيعة و أنت تهرع عابرا/ و افعل ما تشاء، يا خاطف القدمين يا زمن/ بالعالم الشاسع و بكل حلاواته السائرة إلى أفول/ لكن ثمة جريمة نكراء واحدة أمنعك أن ترتكبها/ لا تحتزّنّ بساعاتك جبين حبيبي الجميل/ و لا ترسمنّ عليه التجاعيد بقلمك العتيق/ و اُسمح له أن لا يمسّه مسّ في مجراك/ ليظل أنموذجا للجمال للأجيال الآتية/ و مع ذلك، افعل أسوأ ما بوسعك أيها الزمن/ فإن حبيبي رغم إساءاتك سيحيا فتِيّا أبد الزمان/ في شعري" سونيت الزمن الوحش 19 ص69-97

هوية الرجل/ هوية المرأة في شعر شكسبير:
تطرح العلاقة الثالوثية الجنسية بين رجلين و المرأة في نص شكسبير علاقة وجودية خالصة، إنها تكشف عواطف و أفكار الثالوث في علاقات ثنائية من الداخل و من الخارج ايضا فعلاقة شكسبير بالفتى و الفتاة كل على حدة و علاقة الفتى بالفتاة في علاقة خائنة للشاعر ثم علاقة الفتاة نفسها بعشاق آخرين من خارج الثالوث كلها تعطي تلونات للحالة الجسدية و النفسية و الفكرية و تضعها تحت المجهر فشكسبير المتأثر بالموشح العربي و بالتراجيديا اليونانية و اللاتينية فيما بعد لا يتقبل من خلال مزاجه المشبوب إلا العلاقات الملتهبة و التي تصنع أدبا قويا و فرجة تنتزع المشاهد انتزاعا فينصرف بكليته إلى العمل المسرحي او الشعري و لا يهتم بغيره في تلك اللحظة و لهذا قد تقرأ نصوص شكسبير العاطفية المترجمة التي يتوجه بها إلى الغلام في صيغة التانيث مع فرق في الوزن و القافية و لكن المعاني تبادلية بين الجنسين في هذه التجربة النواسية و هو ما يوفر هذا الالتباس الجميل والمُحيّر إذ أن اللغة الانجليزية نفسها لا تضع الحدود بين المؤنث و المذكر بصفة واضحة و هو ما يعطي الشاعر مجالا اوسع للابداعية و التحرر و يعطي الشعر الشكسبيري بُعده الوجودي المتعلق بالأنا و الآخر و الأصل و الصورة و التناسخ الابدي.
إن أساس العلاقة الجنسية الثلاثية لدى الشاعر هو البحث من جهة عن الانتماء و الاعتراف من الآخر بأنه جدير بالحب من جهة أخرى و هذا يعود في اغلب الأحيان إلى حب و اعتراف لم يجدهما الشاعر في طفولته من أهم قطبين في حياته أو من احدهما و هما الأب و الام و خصوصا من الجنس المغاير لجنس الشاعر (الأم إن كان الشاعر ولدا و الأب إن كان بنتا) و هكذا يتلبّس الحب الجنسي بالعاطفي حتى يغدوَ لاجنسيا كما في قوله في سونيت جائزة الألم 141 ص119 "بصدق انا لا أحبكَ بعينيّ/ إذ إنهما تلحظان فيك ألف عيب/ و لكن قلبي هو الذي يعشق ما تزدريه عينايم قلبي الذي يلذّ له رغم المنظر ان يتولّه/ و ليست أذناي بنغنات لسانك مغتبطتين/ و لا الشعور الرقيق للمسات الخسيسة توّاق/ و لا الذوق و لا الشم يشتهيان أن يُدْعَيَا/ إلى أية وليمة شبقية معك وحدك لكن لا ملكاتي الخمس و لا حواسي الخمس/ تستطيع ان تثني هذا القلب الأحمق عن خدمتك/ هو الذي يترك ما فيه من شبه بالرجال جامحا لا يُلجَمُ/ ليكون عبد قلبك المتكبّر و أجيرك البائس/ إنني لا أحسب حتى الآن ربحا كسبتُهُ سوى طاعوني/ أن تلك التي تجعلني أقترف الإثم تكافئني بالالم" بل إنه يدخل في دائرة التأثيم و يفقد كنهه الجسدي ليتحول إلى لعبة بلاغية بحتة ظاهرها السعادة و المقدرة و باطنها العجز و العذاب و لا ينكر شكسبير هذه الصورة في علاقته بالحبيبة، علاقة فاشلة سلفا لأنها تنبني على علاقة أوديبية مع الأم "اُنظري، مثلما تجري ربة بيت حريصة لتمسك/ بِطائر من طيورها هرب منها طارحة طفلها على الأرض/ و جارية بأقصى سرعة، تطارد ذلك الذي تتمناه أن يبقى لها/ فيما يطاردها طفلها المُهمًَل/ متشبثا بأذيال ثوبها، و هو يبكي محاولا أن يلحق بها/ تلك التي لا يشغلها إلا أن تلحق بذلك الطائر أمام وجهها، غير آبهة لعذاب الطفل المسكين/ كذلك تجرين أنتِ خلف ذلك الذي يطير هاربا منك/ فيما أطاردكِ، أنا طفلُكِ، بعيدا خلفكِ" سونيت المطاردة 142ص119
إن هذه العلاقة الأوديبية الحادة التي قد تكون نابعة من صدمة الشاعر في أمّ خائنة للأب فضلا عن خيانتها الضمنية للطفل الذي يعتبرها الحبيبة الأولى و النموذج الذي تنبني عليه صورة الحبيبات القادمات، إن هذه الخيانة التي تجعل الأوديبية تصل ذروتها هي عصب العلاقة الثالوثية في شعر شكسبير، فشكسبير يعشق الأم فيفتقد الأب و يعشق الأب فيفتقد الأم، هذه المرأة التي تأجج صراعاته الجنسية و الوجودية و القيمية بخيانتها و في العلاقة الثالوثية "علاج" غير واع أو واع عبر الأدب لهذه الظاهرة فكأنه بذلك يحصل على الأب و الام معا بل يستعيدهما و هو أمر مستحيل في الواقع إلا انه مسموح في الساحة الشعرية الانجليزية المتأثرة بالأدبيات اليونانية مما يُعطي نص شكسبير وجاهة و شرعية "لدي معشوقان، في واحد (الأب) الراحة و في الآخر (الأم)/ و هما مثل روحين، يُغويانني دائما/ الملاك الخيّر رجل تامّ الجمال أبيض/ و الروح السيئة امرأة ملوّنة بالقبح(...) تُغوي أنثايَ الشريرة ملاكيَ الصالح و تأخذه من جانبي (..) و ينتابني الشك في أن ملاكي قد يتحول إلى روح شريرة/ غير أني لا أستطيع الجزم قاطعا بذلك/ لكن لأن كليهما بعيد عنّي، و كل منهما صديق الآخر" سونيت العشيقان 144 ص 120. إن الشاعر يتعاطف مع الأب بحكم انتمائهما لنفس الجنس و هذا يخفف حدة الشهوة تجاه الآخر كما يتعاطف معه لأنه يشترك معه في تلقي فعل الخيانة كزوج و لكن لفظة الكراهية تتكرر في السونيتات مرّات عديدة لتدل على هذه العلاقة المشبوهة تجاه الذكر/الرجل/ الأب "إذن- إذا كنتَ ستكرهُني يوما- فاُكرهْني الآن/ الآن و العالم كله مصمّم أن يُحبط كل ما أودّ أن أفعلَهُ / كُن شريكا لنوائب الدهر ضدي و اُجعلني أنحني/ و لا تأتينّ متأخرا بعد كل الضربات لترميني بطعنة منكَ" سونيت ذروة العشق 90ص108 هذه الكراهية تتجلى تجاه الأنثى/ المرأة/ الأم "لكن يا حبيبة، اُستمرّي في الكُره، فإنني الآن أعرف كيف تفكرين: إنك تُحبين المُبصرين، و أنا أعمى" سونيت كراهية149 ص 123
إنها لغة شكسبير النفيسة التي يستعمل فيها الأبطالُ سلاحا متساويا يجعل التراجيديا حربا بلا هوادة لغة و عاطفة، إنها تستهلك اللغة حتى آخر رمق فيها حتى يتقطع ذلك الخيط المتوتر بين الواقع و الخيال، بين المبنى و المعنى.

«the dark lady »أليست المرأة الداكنة هي اُمرأة الظل
المرأة المحرّمة التي تسكن أشعار شكسبير و هي وعاء التوتر بين الفضيلة و الرذيلة "فلقد أقسمت أنكِ جميلة و آمنتُ أنكِ متألقة/ أنتِ السوداء سواد الجحيم، الحالكة حُلكة الليل البهيم" سونيت حُمى العشق147ص 122 إن الحب يمتزج عند شكسبير بالإثم و لهذا فهو حبّ طاغٍ عنيف تتصادم فيه المشاعر و القناعات و هو حُبّ مُدمّر للذات بما هو ضد تيار المجتمع و الاخلاق فلا مُسوّغ له إلا الفن إذا خرج من حوضه يموت "آه، أيها الحب ما أدهاكَ، بالدمع تُبقيني دائما أعمى/ لئلا تكتشف عيناي، إذا اُنجلى بصرهما، عيوبك الفاحشة"سونيت الحب المضلل148ص123
و هو يُذكر بالمناخ الاغريقي الذي يكون فيه البطل تراجيديا يدخل في صراع غير متكافئ مع قوى خارقة لا ليهزمها بل ليتطهر عبر اللغة من خلال التعبير الصادق عن مأساته التي لا يَدَ له فيها فحساسية الشاعر تجعله يتطلب من مُحيطه حُبّا و اُهتماما أكثر من غيره و هو يًُسقط علاقته الفاشلة مع أمه (بحكم وُجود الأب من جهة و العشيق من جهة ثانية) على علاقته بالحبيبة و يسِمها بالعدائية في علاقة لا تقبل ثالثا فإما العشق و إما الكراهية: "هاتان الشفتان اللتان صاغهما إله الحب بيديه/ أصدرتا الصوت الذي قال:"أنا أكره"/ لي، أنا الذي ألوب عذابا بسببها (..) "أنا أكره"، ثم حوّرتها بخاتمة تبِعتْها/ مثلما يتبع النهارُ العذب الليلَ/ الذي يُقذفُ طائرا، كما تطير روح شريرة/ من الجنة إلى الجحيم/ "أنا أكرهُ" أفرغتْها من الكراهية/ فأنقذتْ حياتي/ إذ أكملتْ قولََها: غيرَكَ لا أنتَ" سونيت لعبة الحبيبة 145 ص121

إن سونيتات شكسبير، سواء في ترجمتها النظمية القريبة جدا من النمط الأندلسي أو النثرية التي تظل أقرب إلى عالم شكسبير الشعري من أمزجة و تفاصيل يومية و نفسية تعتبر مجهودا كبيرا قام به د.كمال أبوديب إن على مستوى المبنى لإعادتها لأصولها الأندلسية العربية أو على مُستوى المعنى لنقل روح الشاعر نقلا دقيقا، هذه السونيتات ليست عملا إبداعيا على غرار عُطيل أو هاملت او الملك لير بقدرما هي سيرة ذاتية شعرية طرح فيها الشاعر من خلال علاقة جنسية ثالوثية مشبوهة مأساته الأوديبية و التي على ضوئها يمكن قراءة بقية اعماله.

*أسماء السونيتات من ابتكار د.كمال أبوديب لأن شكسبير عنونها بالأرقام.
المرجع: وليم شكسبير-سونيتات نقلها إلى العربية كمال أبوديب/ كتاب دبي الثقافية.

09جانفي2010