الضائع من الموارد الاخلاقية لدى البدو

الدكتور علي الوردي

ان هذا الموضوع الذي أحاول البحث فيه اليوم يختلف في طبيعته عن المواضيع الاخرى التي دعتكم هيئة الدراسات العربية الى الاستماع اليها .ان موضوعنا يتصل بالاخلاق .والاخلاق كما تعلمون من الامور النسبية التي يختلف الناس في تقديرها وهي ليست اذن كالموارد الصحية او التقنية او الاقتصادية من حيث اتفاق الناس في الغالب على ما يستحسن منها وما يستقبح .
فلقد اتفق الناس مثلا على ان الامراض بشتى انواعها شر يصيب الانسان وان السلامة منها خير يسعى الانسان نحوه ويحاول الحصول عليه بكل جهده ولكنهم لم ينظروا في الاخلاق بمثل هذه النظرة الثابتة قد يصح القول بأن كل ثقافة بشرية تتخذ لنفسها نظاما في الاخلاق خاصا بها وهي تنظر الى اخلاق الاخرين بشيء من الريبة والاحتقار .
ولهذا وجب علينا قبل البحث في الضائع من الاخلاق العربية ان نعرف ما هو الاساس الذي تبنى عليه البحث إنا بعبارة أخرى يجب ان نعرف ما هي الاخلاق قبل ان نعرف ما هو الضائع منها .
وفي سبيل اتخاذ ركيزة استند عليها في طرق هذا الموضوع سأحاول المقارنة بين اخلاق البداوة والحضارة . ولي سبب يدعوني الى ذلك حيث وجدت ان المجتمع العربي قد اختص من بين كثير من المجتمعات الاخرى بكونه شديد الصلة بالبداوة من ناحية وكونه موطن أعرق الحضارات في التاريخ من الناحية الاخرى .
ويؤسفني في هذا الصدد ان ارى بعض الباحثين العرب لايهتمون بهذه الناحية من نواحي مجتمعهم اهتماما كافيا فقد وجدتهم يدرسون مجتمعهم على نمط ما اعتاد الغربيون ان يدرسوا مجتمعاتهم به مع العلم ان المجتمع العربي يختلف عن المجتمعات الغربية في تراثه الثقافي والحضاري . وهو إذن في حاجة الى منهج للدراسة خاص به .
يجب ان لاننسى قبل كل شيء ان البلاد العربية تقع في أعظم منطقة صحراوية في العالم .سرحوا النظر فيها من مراكش غربا حتى العراق شرقا تجدوا البادية شاملة لها متغلغلة فيها الى درجة تلفت النظر .
وقد امتلا تاريخ هذه البلاد بالموجات البشرية التي كانت ترمي البداوة بها الى السهول الخصيبة منها جيلا بعد جيل.
ليس من الجائز لنا إذن ان نهمل أثر هذه الصحراء في تكوين المجتمع العربي إننا لا نلوم الغربيين إذا هملوا أثر القيم البدوية في مجتمعاتهم ذلك ان بلادهم خالية من الصحراء تقريبا وليس فيها تراث بدوي يتغلغل في أعماق النفوس منها أما نحن العرب فالقيم البدوية تكاد تؤلف جزءا لايستهان به من نظامنا الاجتماعي .وفي رأيي إننا لانستطيع أن نفهم الاخلاق العربية في وضعها الراهن قبل ان ندرس اخلاق اجدادنا البدو وكيف كانوا ينظرون في شؤون الحياة .

شخصية المجتمع البدوي:

دعونا الان ندرس المجتمع البدوي وهنا اقول بان الابحاث الاجتماعية الحديثة ترى بأن أي مجتمع من المجتمعات البشرية هو كالفرد يملك شخصية خاصة به وهذه الشخصية المجتمعية تعرف في الاصطلاح العلمي باسم (culture) .
واذا درسنا البداوة في هذا الضوء خرجنا من ذلك بنتيجة قد تختلف عن النتائج التي توصل اليها السواح او المستشرقون الذين درسوا البداوة في عصرنا الحاضر. ومشكلة هؤلاء الدارسين انهم كانوا يصفون الصفات التي اكتشفوها في المجتمع البدوي جنبا الى جنب من غير ان يتحروا عن العامل المشترك الذي يختفي وراءها. أنهم بعبارة اخرى كانوا كمن يدرس احد الافراد فيذكر صفاته المختلفة دون ان يذكر طابع الشخصية الذي يؤلف من تلك الصفات نظاما حركيا متماسكا.
تقول الأستاذة روث بندكت في كتابها المعروف (patterns of culure) ان الصفات في اي مجتمع هي كالعناصر التي يتألف منها المركب الكيماوي إذ هي تتفاعل وتترابط فيما بينها بحيث يظهر من جراء ذلك شيء جديد يختلف في صفاته عن صفات العناصر المكونة له. وهذا هو ما اطلقنا عليه اسم الشخصية المجتمعية او ال(culure) .
وهنا نسأل : ما هو الاساس الذي تقوم عليه شخصية المجتمع البدوي؟ للجواب على ذلك ينبغي أن نقارن بين الشخصية البدوية والشخصية المناقضة لها اي الشخصية الحضرية ومن الممكن القول في هذه المناسبة ان الشخصية الحضرية تقوم على (الانتاج) بينما تقوم الشخصية البدوية على (الاستحواذ) وشتان بين أخلاق الانتاج واخلاق الاستحواذ كما تعلمون.
نحن نعرف بوجه عام ان الفرد الحضري العريق في حضارته يصعب عليه ان يعيش من غير مهنة او نوع من الانتاج يحاول الحذق فيه. وقد يكون الانتاج ماديا او يكون فكريا ،انما هو على كل حال براعة تنال بالجهد والمران في معظم الاحيان وكلما حسنت براعة الفرد الحضري في مهنة التي اختص بها راج سوقه وارتفع مستوى معاشه بالنسبة الى أقرانه الذين يعيشون في مثل ظروفه .
أما البدوي فله شأن اخر .ان يعيش في صحراء لاتعرف من شؤون الانتاج الا قليلا وليس فيها سوى العشب ينبت هنا وهناك بأمر الله .قال القران يخاطب سكان الصحراء {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }الذاريات22 وهو يشير بذلك الى المطر الذي ينزل من السماء حيث ينبت به العشب الاخر وتكثر الغدران وتمتلىء الابار وعند هذا ينعم البدو بالشبع والري دون ان يحسبوا لغدهم حسابا.
ومشكلة البدو الكبرى انهم لايستطيعون ان يقتسموا مواطن العشب والماء فيما بينهم او يسجلوا حقوقهم فيها على صكوك كما يفعل المتحضرون في أموالهم .فمواطن العشب والماء قليلة بالنسبة الى عددهم المتنامي وهم مضطرون إذن ان يتنافسوا ويتنازعوا عليها بحد السيف وليس البادية مكان للضعيف الذي يدعوا الى مبادىء العدالة والمساواة
يقول الشاعر البدوي :
ونشرب ان وردنا الماء صفوا............................. ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وجاء في أمثالهم الدارجة (الحق بالسيف والعاجز يريد شهود). وجاء كذلك قولهم (الحلال ما حل باليد) .
والذي يجلس اليهم يستمع الى احاديثهم يجد انهم يقيسون الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ وهم اذ يمدحون رجلا يقولون عنه انه (سبع) ياخذ حقه بذراعه ولايقدر احد عليه ومن أكبر العار على احدهم ان يُقال عنه انه صانع او حائك فذلك يعني في نظرهم انه ضعيف يحصل على قوته بعرق جبينه كالنساء ولايحصل عليه بحد السيف ومن هنا أطلقوا على العمل اليدوي اسم (المهنة) والمهنة مشتقة من المهانة كما لا يخفى.

مقاييس الحضارة :

إن الحضري العريق في حضارته لا يستسيغ هذه القيم البدوية فهو قد نشأ منذ طفولته على قيم أخرى وهو يقدر الناس بمقدار براعتهم في مهنهم وما يربحون منها وهو يعد البدو مجرمين سلابين لا يؤمن جانبهم .أنه ينسى ان البدو ينظرون اليه بعين الاحتقار كما ينظر هو اليهم فهو في نظرهم جبان ذليل لاكرامة له ولا حق له في الحياة .
زار الدكتور فاضل الجمالي قبيلة عنزة في صحراء الشام ودهش حين راهم يؤمنون بالله ويصلون له ويصومون بينما هم لايتوانون عن النهب والغزو عندما تحين الفرصة المناسبة .فسالهم عن هذا التناقض فيهم فكان جوابهم أنهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة التفكير في هذا السؤال من قبل .
مشكلة الدكتور الفاضل أنه يقيسهم بمقياس الحضارة التي نشأ فيها وهو ينسى ان لهم مقاييسهم الخلقية الخاصة بهم فهم يتخيلون الله مثلهم يحترم الرجل الشجاع القادر على النهب ومما يدل على ذلك انهم يتصدقون على ارواح امواتهم من المال الذي ينهبونه في غارتهم المجيدة وهم يعدون (غارى الضحى) أجل الغارات وأقربها الى الله لانها تجري في وضح النهار وتدل على جراة القائم بها وبسالته .
يغضب البدوي اذا قيل له (حرمك الله من غارة الضحى !) وقد سأل الأستاذ عباس العزاوي أحد البدو قائلا له : أصحيح انكم تنفقون الخيرات على موتاكم مما تكسبون من غارة الضحى ؟ ولماذا يغضب البدوي من القول له : حرمك الله من غارة الضحى، فاجاب البدوي قائلا :
( وهل احل من غارة الضحى فهي على وجه نهار وكيف تحرمني من مثل هذه الغارة )
ولا يجوز لنا ان نلوم البدو على أخلاقهم هذه فالاخلاق في الواقع ليست سوى صورة من صور تكيف الانسان لمحيطه ولو نشا أحدنا منذ طفولته بين البدو لما استطاع ان يتخذ لنفسه اخلاقا اخرى وقد أخطا المفكرون والقدماء الذين كانوا يستنبطون قواعد الاخلاق من عقولهم المجردة ثم يفرضونها على الناس
إن الانسان لايفهم المثل العليا التي جاء بها الفلاسفة الحالمون انما هو يجري في سلوكه على نمط ما يحترمه المجتمع عليه ولو احترم المجتمع قردا لصار جميع الناس يحاولون ان يكونوا قرودا والعياذ بالله !.

غلطة بعض المستشرقين :

وجد بعض المستشرقين الذين درسوا البدو أن الرجل منهم يحب المال حبا جما ولايقدر غير الدراهم والدينار اما المعنويات فلا قيمة لها في نظره ومن هؤلاء المستشرقين الاستاذ أوليري ، فقد قال في كتابه Arabia before Mohammed إن البدوي يعد نموذجا للنزعة المادية حيث يتملك الطمع مشاعره وليس لديه مجال للخيال والعواطف والدين (وهو ينظر الى الأمور نظرة مادية وضعية ولايقومها الا بما تنتج من نفع عاجل ) .
أني اعتقد ان هذا الراي الذي جاء به أوليري لا يخلو من غلو فهو ينظر الى الحقيقة الاجتماعية من جانب واحد ويهمل الجوانب الاخرى منها .الواقع إننا في الوقت الذي نرى البدوي فيه أعتدائيا نهابا نجده كذلك كريما شهما أبيا وفيا الى درجة لايستطيع الحضر ان يدانيه فيها .
إن البدوي يطلب المال حقا .. ولكنه لايطلب المال من أجل المال فالمال عنده من علامات الرجولة والغلبة. وهو لايبالي ان يسخو بالمال حالما يصل الى يده ومن هنا جاء وصف البدوي بأنه (نهاب وهاب) إنه نهاب عندما يكون النهب رمزا للقوة وهو وهاب عندما يكون الوهب رمزا لها كذلك .
ولذلك تجده من أحرص الناس على الفلس الواحد حين يؤخذ الفلس منه اغتصابا وعنوة بينما هو من أسخى الناس حين يُستغاث به او يؤتى الى مضيفه او يطلب منه العون وهو قد يبذل في سبيل ذلك حياته علاوة على المال.
والبدوي كذلك صادق صريح لايحب الرياء والمرواغة او الختل .ولعله يعد المراوغة بشتى انواعها ضعفا لا يلائم طبيعة الشجعان الغالبين ان يقتلك او ينهبك ولكنه لا يداجيك او يخون امانتك او ياكل دينك وقد ياتي من اقصى البادية ليؤدي لك ما عليه من دين في الوقت الذي ربما كنت قد نسيته او يئست منه لطول المدة وهو لايقسم بالله كذبا ولو كان في هذا القسم منجاة له من التهلكة فاذا اقسم لك مثلا بـ(العود والرب المعبود وسليمان بن داود) كان ذلك منه حجة لاتمارى وهو الاغلب صادق فيما اقسم عليه مخلص فيه .

عندما يتحضر البدوي :

تلك هي شخصية البدوي بما فيها من محاسن ومساوىء وهي قائمة كلها على اساس الغلبة والاستحواذ والشجاعة ولي ان اقول ان هذه الشخصية تظل محافظة على محاسنها ومساوئها ما دامت باقية في الصحراء وهنا نسأل هل في ميسور البدوي ان يظل قابعا في صحرائه القاحلة زمنا طويلا ؟
انه شجاع باسل يحمل السيف البتار ويرى في الأمصار المجاورة أُناسا متحضرين قد شبعوا من الخام والطعام وهم في الوقت ذاته جبناء مخنثون فهل يتركهم يرتعون في النعيم الذي لا حق لهم به ام يغزوهم وينهب اموالهم ؟.
شهد التاريخ سللة طويلة من الغزوات البدوية التي اجتاحت الامصار المجاورة للصحراء ولا شأن لنها بهذه الغزوات من الناحية السياسية
فأمرها معروف ولها الباحثون المختصون فيها إنما نريد هنا ان نبحث فيها من الناحية الاجتماعية ولا سيما ما له من صلة بموضوع الاخلاق الذي نحن فيه .
يذهب ابن خلدون الى القول بأن البدو يكاد لا يستولون على الامصار المتحضرة ويعتادون على ترفها وملذاتها حتى ينسوا بالتدريج خصالهم القديمة وياخذون باكتساب الخصال الحضرية وابن خلدون يقصد من ذلك انهم ينسون خصالهم البدوية جميعا بما فيها من محاسن ومساوىء.
وأني اكاد اعتقد ان هذا الراي الذي جاء به ابن خلدون صحيح في نطاق العصور القديمة التي عاش فيها ابن خلدون او قرا تاريخها اما في العصور الأخيرة فقد لايصدق هذا الراي كل الصدق ولي استدراك عليه لايخلو من صواب .
وفي رايي ان العصور الاخيرة تختلف عما سبق في طبيعة السلاح الذي كان مستخدما في القتال بين البدو والحضر. فقد كان الناس يستخدمون السيف قديما كما هو معروف ولهذا كان البدوي منتصرا في معظم الأحيان التي يغزو فيها الامصار المتحضرة ان البدو ابرع في قتال السيف من المتحضرين ومعنى هذا انهم كانوا يستولون على الامصار ويؤسسون فيها الممالك حيث يؤلفون فيها الطبقة الحاكمة اما في العصور الاخيرة فقد ذهب زمان السيف وحلت محله الاسلحة النارية والبدو لايستطيعون ان ينتجوا هذه الاسلحة او يحذقوا فنها كما يحذقه المتحرون ولهذا شعروا بالعجز عن اجتياح الامصار المجاورة على منوال ما كانوا يفعلون قديما فهم لايكادون يتحرشون بالحضر حتى يجدوا المدافع الضخمة قد صوبت عليهم وقذفتهم بشواظ من نار لقد ادركوا ان بسالتهم القديمة لا تجديهم كثيرا إزاء فوهات المدافع وطلقات النار.
وقد لاحظت من دراستي لترايخ العراق في العهد العثماني ان القبائل البدوية اخذت تاتي الى العراق عن طريق التغلغل التدريجي بدلا من طريق الفتح الحربي . وقد حاولت بعض القبائل بتأثير المذهب الوهابي ان تغزو العراق بحد السيف غير مرة فباءت بالفشل واستطاعت الحكومة العثمانية على ضعفها ان تردهم على أعقابهم بعد المذبحة التي قاموا بها في كربلاء في أواخر القرن الثامن عشر واستطاع محمد علي بعد ذلك ان يهاجم عاصمتهم في صميم الصحراء ويضرب حركتهم ضربة قوية قاصمة وتلك كانت معركة لم تشهد جزيرة العرب لها مثيلا في تاريخها الطويل حيث لم يتمكن من قبل اي جيش حضري ان يغزو الصحراء او يتغلغل فيها فاتحا .
خلاصة ما اردت قوله في هذا الصدد ان الصراع بين البدو والحضر قد اتخذ في العصور القديمة شكلا جديدا إذ صارت قبائل البدو تتسلل الى الامصار المجاورة خلسة فتستقر فيها دون ان تحاول الاستيلاء عليها .

أخلاق العشائر العراقية :

أريد ان اتحول الان الى دراسة اخلاق العشائر بعد تحضرها في العصور الاخيرة ومما تجدر الاشارة اليه بان معظم دراستي في هذا الصدد قد تركزت حول عشائر العراق ومعنى هذا ان بحثي سيكون جزئيا غير شامل ولكني ارجو ان يكون على اي حال ذا نفع لاخواني الباحثين في البلاد العربية الاخرى إذ قد يستطيعون به مقارنة وضع العراق من الناحية الخلقية بوضع غيره من البلاد ولعلهم يجدون بينهما شيئا من الشبه او الخلاف على اي حال .والامر الذي اود ان الفت انظاركم اليه هو ان القبائل البدوية التي استقرت في العراق في العصور الاخيرة لاسيما في العهد العثماني اخذت تفتقد كثيرا من محاسنها القديمة بينما هي ظلت محافظة على المساوىء إنها فقدت الصدق والأمانة والصراحة مثلا ولكنها بقيت متمسكة بالعصبية القبلية والثأر والاعتداد بالغلبة والفخار بالغزو والنهب .وهذا امر غريب يلفت النظر فما هو السبب الذي جعل المحاسن البدوية تضعف تجاه الظروف الحضرية الجديدة في الوقت الذي تظل فيه المساوىء صامدة لابد أن يكون وراء ذلك عامل اجتماعي يؤدي الى هذه النتيجة التي لاتخلو من ضياع خلقي كبير فما هو ؟الذي اميل اليه ويميل اليه بعض زملائي من الباحثين العراقيين هو أن نظام الحكم الذي كان يسود العراق في العهد الاخير له يد في هذا الضياع الخلقي .وهنا يجب ان لاننسى ان الحكومة العثمانية لم تكن حكومة بالمعنى الصحيح فهي لم تكن تعنى بالمحافظة على الامن والنظام في البلاد كما هو شأن الحكومات الراقية ولم يكن همها في حكم الناس الا ان تجبي منهم الضرائب والمغارم وليفعلوا بعد ذلك بأنفسهم ما يشاؤون.وكانت سياسة الحكومة تجاه العشائر أنها تتركهم يتقاتلون ويتناهبون فيما بينهم والمعروف عنها أنها كانت تشجع فيهم هذا القتال والتناهب أحيانا في سبيل إضعافهم على طريقة (فرق تسد).ومما زاد في حدة هذا النزاع العشائري أن الاراضي في العراق كانت ولا تزال دائمة التبدل من حيث جودة انتاجها وسهولة ريها فكثيرا ما تكون البقعة من الأرض جيدة في اول امرها ثم تسوء بعد ترسُب الاملاح فيها فتضطر العشيرة الى التحول منها الى ارض اخرى ولايتم هذا طبعا الا بعد قتال مرير حيث تستحوذ العشيرة القوية على الاراضي الصالحة بعد ان تطرد عنها اصحابها الاولين ولم يعرف العراق حتى عهد متأخر نظاما ثابتا مسح الاراضي او تسجيل الحقوق فيها فكانت العشائر إذن تتقاتل على الاراضي الجيدة في العراق كما كان الاسلاف يتقاتلون في الصحراء على العشب والماء .والذي يدرس تاريخ اي عشيرة عراقية يجد انها لم تستقر في ارض معينة مدة طويلة فهي اما طاردة او مطرودة تبعا لقوتها وعصبيتها وميلها الى الغزو والاستحواذ وهذا يؤدي بابناء العشيرة طبعا الى الاحتفاظ بعاداتهم القديمة التي تساعدهم على البقاء في هذا المعترك العنيف.وفي الوقت الذي نجد فيه العشائر العراقية تتقاتل وتتناهب فيما بينها وتحس بالعزة المتطرفة إزاء من يريد انتهاك حرمتها نراها تتخذ إزاء الحكومة موقف الذل والمسكنة ولي ان اقول بان الفرد العشائري أصبح من جراء ذلك ذا وجهين فهو أبي باسل يشعر بكرامته وعزته عندما يلتقي بأمثاله من ابناء العشائر وتجده عند ذاك من اكثر الناس غضبا وعصبية وحرصا على اخذ الثأر إنما هو لايكاد يلمح جباة الحكومة او جلاوزتها قادمين عليه حتى يتقمص شخصية أخرى حيث يمسي بها خنوا يتحمل الصفعات والاهانات دون ان يثور او يحقد .اخذ الفرد العشائري بفقد بالتدريج صفات الصراحة والإباء والأمانة وغيرها من الصفات التي كانت معروفة عند اجداده في الصحراء انه يرى جباة الحكومة واقفين له بالمرصاد يحصون عليه أغنامه وحاصلاته الزراعية وهو مضطر ان يكذب عليهم ويحلف بالله وبجيمع أنبياه واوليائه زورا لكي يدرا عنه قسطا من الضريبة المفروضة عليه ولو انه اتبع سبيل الصدق في معاملة الحكومة لما بقي لديه ما يكفي أطفاله طعاما ولباسا .من الاحاديث المروية عن النبي محمد إنه مر ذات يوم ببعض دور الانصار في المدينة فوجد فيها محراثا فقال : (ما دخلت هذه دار قوم الا دخلهم الذل ) وقد حار المحدثون في تفسير هذا الحديث وحاول ابن خلدون تفسيره بقوله إن الذين يمتهنون الزراعة يقعون تحت وطأة القهر من الحكام وفرض الضرائب والمغارم عليهم وهذا يؤدي بهم الى اعتياد الذل وما يتبعه من خلق المكر والخديعة .واعتقد ان هذا الحديث ينطبق على العشائر العراقية انطباقا كبيرا فهم قد وقعوا تحت وطأة الحكومة العثمانية زمنا طويلا وتعلموا من جراء ذلك ان يراوغوا ويكذبوا وان يكونوا اولي شخصيتين يواجهون باحداها جلاوزة الحكومة ويواجهون بالاخرى اقرانهم من ابناء العشائر .واستطيع ان اقول بأن العشائر العراقية لم تغير من اخلاقها هذه بعد قيام الحكم الوطني في العراق ومما يؤسف له ان الحكومة الوطنية الحاضرة قامت على أنقاض الحكومة البائدة وأعيد استخدام الموظفين القدامى فيها على نطاق واسع فاصبح الفرد العشائري لايجد فرقا كبيرا بين الماضي والحاضر .ومما زاد في الطين بلة ان الحكومة الوطينة فرضت على ابناء العشائر نظام التجنيد الاجباري بعدما كانوا معفيين منه في العهد العثماني وبدا الفرد العشائري يشهد ضباط التجنيد قادمين عليه بالاضافة الى جباة الضرائب فصار يستعيذ بالله منهما ومن كل موظف ترسله الحكومة اليه ان العشائر اليوم تخاف من كل افندي ومن كل من يتصل بالافندي بصلة قريبة او بعيدة فهي قد اعتادت ان لاترى الافندي الا في الشر ولذا فهي لاتقدر على مصارحته او الصدق معه في شيء ولو كان الصدق نافعا لها .حدث لي مرة ان ذهبت مع جامعة من الطلاب الى قرية ريفية في سبيل ان ندرس احوالها الاجتامعية فظن اهل القرية اننا جواسيس ارسلتنا الحكومة لتحري اخبارهم وايقاع الشر بهم وكانت المراوغة واضحة في اجوبتهم وهم لايصدقون بنا ولو اقسمنا بالايمان المغلظة لهم واليمين لافائدة منه في نظرهم إذ هم قد اعتادوا كما قلنا الحلف بالله وبجيمع انبائيه وأوليائه كذبا عند الحاجة ولايقتصر هذا الامر على الفلاحين وحدهم انما هو شائع بين سكان المدن لا سيما الاميين منهم وهذا هو السبب الذي جعل الاحصاءات التي تقوم بها الحكومة او اية لجنة من الخبراء مغلوطة لايمكن الاعتماد عليها ومن المفارقات التي يتفكه الناس بالحديث عنها في هذا الشأن ان نفوس العراق قد يبلغ عددها العشرة ملايين مثلا عندما يكون هناك توزيع للسكر او القماش بالبطاقات ولكن هذا العدد قد ينخفض الى الثلاثة ملايين تقريبا عندما يسجل الناس في سبيل التجنيد الاجابري ومعنى هذا ان الناس يكذبون بالزائدة تارة وبالناقصة تارة اخرى اما الرقم الصحيح فلا يعلمه الا الله العلي الخبير .

أثر الاقطاع في الاخلاق
وبعد أن تحدثنا عن أثر الحكومة في تفكيك الاخلاق لدى العشائر العراقية ننتقل الى اثر الاقطاع فيها ومن الجدير بالذكر هنا ان امر الاقطاع بدأ يستفحل في العراق أخيرا وصار له من الأثر في تفكيك الاخلاق ما يناهز اثر الحكومة ان لم يفقه أحيانا .
ويجوز لي ان اقول بان الاقطاع في العراق حديث النشأة فهو لم يكن في العهد العثماني على الحال التي نشهدها اليوم والسر في ذلك هو ما قامت به الحكومة الحاضرة من مسح الاراضي وتسجيل الحقوق فيها ولست أنكر بان الحكومة ارادت بهذا المسح والتسجيل خيرا ولكنه انقلب الى شر من بعض النواحي .
كان شيخ العشيرة في الماضي زعيما لقومه يقودهم في الحرب ويرعى شؤونهم في السلم إنه كان كما يقول علماء الاجتماع متبوعا لا مسيطرا ومشيخته مستمده من طاعة العشيرة له واحتراما إياه. فإذا ظلم قومه او استغلهم في مصلحته الخاصة نفروا منه واتبعوا احد منافسيه من اخوته او ابناء عمه والشيخ اذن مضطر ان يكون حسن السيرة كي يحتفظ بزعامته في عشيرته.
ولم يكن للشيخ من حق في نتاج الارض الا ما يمكنه من القيام بواجبات الزعامة المتعارف عليها وقد يصح القول ان ابناء العشيرة كانوا يستثمرون الارض على اساس تعاوني تحت زعامة الشيخ . وهم يشعرون بانهم شركاء في الأرض غير مأجورين والى هذا اشار المستر كوك في كتابه (التحدي والاستجابة في الشرق الأوسط) حيث قال بأن شيوخ العشائر كانوا في العهد الماضي يقومون بوظيفة الاوصياء المشرفين على الاراضي المزروعة بشكل تعاوني والخاضعة لحيازة العشيرة المشتركة .........
أما الان بعد ان مسحت الاراضي وسجلت باسماء الشيوخ فقد تبدل الحال تبدلا كبيرا أخذ الشيخ يشعر بأن الارض أصبحت ملكا خاصا له ، وهو قادر على استغلالها والتمتع بثمراتها ما دامت الحكومة راضية عنه ومن هنا صار يترك ارضه بيد وكلائه ثم يذهب إلى العاصمة يسكن فيها ويتزلف الى حكامها وقد يذهب في المساء الى الملاهي ليبذل على غانياتها ما كافح الفلاحون في جمعه طيلة العام .
إن الشيخ صار بعبارة أُخرى بمثابة السيد الاقطاعي الغائب عن أرضه وبعدت الشقة بينه وبين اتباعه فلقد اهمل وظيفته الاجتماعية القديمة في القبيلة ولعله اخذ يشمئز من زيارة قريته او مقابلة القذرين من سكانها إنه اعتاد على حياة الترف والبذخ في المدن يأنف ان يسكن القرية الوضيعة التي كان يألفها المرحوم ابوه....
واتخذ بعض الشيوخ لانفسهم جلاوزة يسوسون رعاياهم ويجيبون منهم المغارم على شكل لم يعهده الريف العراقي من قبل وهؤلاء الجلاوزة العشائريون يُعرفون باسماء مختلفة حسب المناطق التي يعيشون فيها ففي منطقة العمارة مثلا يطلق عليهم اسم (الحوشية) وفي الفرات الاوسط يعرفون باسم (الصبيان) وفي المنتفق يسمون بالـ(الغلمان(...
وامسى الفلاح يعاني منهم اشد مما يعاني من جلاوزة الحكومة وجباتها فهم قادرون على تعذيبه او حبسه او قتله إذا امتنع عن اداء ما يطلب منه وليس هناك من قانون يضبط سلوكهم تجاهه سوى إرادة الشيخ واذا كان للشيخ في ملاهي العاصمة غانية تستنزف ماله وقعت وطأة هذا العشق الخبيث على عاتق الفلاح .
لا حاجة بنا الى القول بأن هذا الوضع يؤدي الى كثير من التفسخ في أخلاق الفلاح العراقي . إنه مضطر ان يتظاهر امام الجلاوزة بالمسكنه والبراءة ولكنه في اعماق نفسه يضمر شيئا اخر فلقد سرق قسطا من الانتاج قبل مجيئهم حتى اذا جاؤوه اخذ يقسم بالله وبجميع القديسين على أنه لم يسرق ولن يسرق ابدا.
من النادر جدا ان نجد فلاحا عراقيا غير سارق ومن النادر كذلك ان نجد فلاحا لا يحلف بالايمان المغلظة في سبيل البرهنة على براءته من السرقة .
إننا نسميها سرقة وهو يسميها حقا مشروعا ولا لوم عليه في ذلك فهو يريد ان يعيش واذا لم يلجأ الى السرقة مات هو وأطفاله من الجوع.
ومن الطرائف التي تروى في هذا الصدد ان (سيدا) من اولاد الرسول امتلك ارضا وجمع الفلاحين للعمل فيها واخذ الفلاحون يخونونه ويسرقون منه كدأبهم مع الاخرين واكتشف السيد خيانتهم فدعا الله بأن ينزل عليهم العقاب الشديد وشاءت المصادفة ان يموت كبيرهم في اليوم التالي فهرب الفلاحون جميعا من ارض هذا السيد الذي يستجيب الله لدعائه عاجلا وشاع خبره بين العشائر فلم يجرأ احد منهم ان يعمل معه في زراعة الارض واضطر السيد أخيرا الى ترك ارضه والى اتخاذ وسيلة اخرى للعيش .
ادرك انه يستطيع ان يكون (قديسا) بين ابناء العشائر ولكنه لا يستطيع ان يكون صاحب ارض يعمل فيها الفلاحون فالفلاحون غير قادرين على زراعة ارض من غير ان يسرقوا من انتاجها شيئا .
وهنا ينبغي ان نذكر ان طبيعة السرقة لدى الفلاح العراقي تختلف من تلك التي اعتاد عليها جده البدوي في الصحراء فالبدوي يسرق بحد السيف وهو لا يحب ان يسرق عن طريق الخيانة والختل إذ ان ذلك في نظره ديدن الضعفاء الجبناء اما الفلاح فالسيف لا يجديه شيئا ولا بد له اذن من اتخاذ طريق الخفاء والكذب في السرقة اذا اراد ان يعيش.

يتبع....