السادات أعطى أمريكا كل شيء بلا مقابل

خلال الأسابيع التى تلت صدمة يونيه يعنى بقية يونيو ويوليو وأغسطس وسبتمبر إلى آخره فى هذه الفترة كانت المعارك فى ميادين القتال على أشدها معارك المدافع ومعارك إغلاق إيلات ومعارك فى هذه الفترة أيضا كان هناك طلب للشباب الجديد المتطوع أن يجعل عملياته أكثر جرأة ويتقدمون ويدخلون بدوريات وراء الخطوط الإسرائيلية عبر قناة السويس لكى يلتحموا مع العدو حتى يطعموا ضد الخوف وكانت هناك تعليمات أيضا أنه باستمرار يتغير شباب هذه الدوريات حتى يتاح لأكبر عدد من الشباب الوجود فى المعركة فى ملامسة أو اشتباك مع العدو لكسر حاجز الخوف ولكى يشعروا بأنفسهم بأكثر من الخطوط الدفاعية وبأكثر من انطلاقات المدافع وبأكثر من إيلات.

وفى نفس الوقت كانت هناك معركة دبلوماسية على خطوط النار فى معركة السلاح كدور لمساندة أى عمل دبلوماسى أو سياسى على مختلف القنوات وهناك قنوات كثيرة تعمل وهناك قنوات دبلوماسية مباشرة وهناك قنوات اتصالات جانبية وهناك قنوات الدبلوماسية العامة، ولكن فى هذه اللحظة كان هناك رأى أن تتحدث قناة واحدة عن مصر وليس قناتين أو ثلاثا وهذه القناة هى قناة الوفد الموجود فى نيويورك لأنه كان هناك إحساس فى ذلك الوقت بعد بناء جسور مع فرنسا ومع إنجلترا وجاء الوقت لبناء جسور مع أمريكا وكان هذا ضروريا وكان الاحساس وقتها هو أننا لا نبنى جسرا فالطريق ما هو إلا حقل ألغام مفروش على آخره بكل أنواع المتفجرات وكان المطلوب فى ذلك الوقت فتح ممر شبه آمن بنزع فتيل بعض الألغام، ولم يكن يتصور أحد فى ظل هذه الظروف فتح جسور مع أمريكا كما فعلنا مع الاتحاد السوفييتى وهو فتح أبواب وفتح جسور مع فرنسا ولذلك تقرر فى ذلك الوقت أن المسار الرسمى والوفد الرسمى عليه أن يعمل وبعد ذلك تعمل باقى القنوات، وفى ذلك الوقت كان الاتصال ضروريا لعدة أسباب لأننا كنا أمام معركة لديها مدى طويل وسوف يغطيها عمل سياسى لهذه الفترة وإذا أريد لعمل سياسى أن يكون مؤثرا أو موجودا لا بد أن تكون الولايات المتحدة طرفا فيه لعدة أسباب، أولا: لا يمكن أن يتحدث أحد عن عمل سياسى بصرف النظر عن اعتقاده عن نتائج عملية وحقيقية له أو ليست هناك إلا والولايات المتحدة موجودة فيه، وحقائق موقف دولى وحقائق لحظة تاريخية معينة لا يستطيع أحد مهما كانت عواطفه أو مشاعره أن يهرب من هذه الحقيقة، والشئ الثانى:

الموضوع كان مهما بالنسبة للاتحاد السوفييتى نفسه لأنه كان مهما ألا نكون بمفردنا مع الاتحاد السوفييتى وكان هذا من دواعى فتح جسور مع أوروبا الغربية وقلنا إنه إذا لم تكن هذه الجسور موجودة بالفعل لوجب اختراعها ووجب تنفيذها أو العمل على إنشائها، والعلاقة مع الولايات المتحدة ضرورية لطمأنة الاتحاد السوفييتى وضرورية لتشجيع أوروبا أن تقوم بدور، وضرورية من ناحية أصدقاء لنا لهم رؤى مختلفة للاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة الأمريكية ورأيهم وقد يكون له منطق يسنده، وهو أن السياسة المصرية استفزت الأمريكان ولابد أن نلطف قليلا وهؤلاء من كانوا ينادون بذلك طرف عربى مهم جدا، فى هذه المعركة وفى هذه اللحظة قناة واحدة فقط من العمل السياسى وهى القناة الدبلوماسية المصرية.

حقل الألغام

وكان الذى يقود هذه العملية فى نيويورك فى الأمم المتحدة وفى مجلس الأمن الدكتور محمود فوزى، وتحدثت عنه كثيرا وسألجأ قليلا لهذه الفترة لبعض الوثائق، ففى هذه الفترة أول برقية جاءت من محمود فوزى هو ذهابه إلى نيويورك فى أوائل يوليو ثم أرسل برقية 16 يوليو قال فيها إنه قابل المندوب الأمريكى جولد برج وأناسا كثيرين لكن قيل له صراحة بطريقة غير مباشرة من كل الوفود العربية إن الرسالة واضحة من أرثر جولد برج وهو المندوب اليهودى فى ذلك الوقت للولايات المتحدة فى الأمم المتحدة، وهو المندوب الدائم للرئيس لندن جونسن وهو الأقرب له فى ذلك الوقت وهو الذى طلب فى هذه اللحظة وهو من أكبر أصدقاء إسرائيل.

وفى أول البرقية قال جولد برج لكل الوفود العربية لأن كل الوفود العربية أرسلت جزءا منها لنيويورك وهنا الوفد المصرى مكلف بشيئين ألا وهو حضور هذه المناقشات بالطبيعة الجارية فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول مشكلة الشرق الأوسط ثم هو مكلف أيضا بفتح هذا الممر وسط حقل ألغام، والوفد كان قويا فكان فيه محمود فوزى ومحمود رياض والدكتور حسن صبرى الخولى وأشرف غربال ومجموعة قوية وأحسن مجموعة كان من الممكن أن توجد فى نيويورك فى هذه اللحظة، وقال محمود فوزى فى البرقية إن كل بلد فيكم لا بد أن يعقد صلحا مع إسرائيل فى هذه اللحظة ثم تبقى فى موقعها، والولايات المتحدة لا يهمها أن تقوم أو تبقى حكومة عربية أو تسقط، فلتسقط حكومات عربية كثيرة حتى تأتى الحكومة الملائمة التى يكون فى مقدورها أن توقع صلحا مع إسرائيل. وكانت هذه فاتحة برقية محمود فوزى ولم تكن مبشرة لا بأمل ولا بخير لكنى أعتقد أن الدكتور فوزى وصف حقيقة، وانتقل مع البرقية يوم 16 يوليو من فوزى والتى قال فيها إن الأمور واضحة جدا ويجب أن تعقد الحكومة العربية صلحا نهائيا مع إسرائيل ومن لم يستطع سيقع.

وبعد ذلك نجد أن حسن صبرى الخولى لم يلحق بالوفد وكان الممثل الشخصى للرئيس وقتها فى اجتماعات القمة العربية ولأنه لما بدأت هذه القمم العربية اتفق الزعماء العرب على تسهيل الأمور وتشكيل لجنة اتصال فيها ممثلون للرؤساء تواصل متابعة تنفيذ ما توصلوا له مع الأمانة العامة للجامعة العربية بطبيعة الحال وأجد أنه فى يوم 20 أغسطس وقبلها 17 أغسطس نجد أن السفير دونالد برجس سيحضر للقاهرة للالتحاق بالسفارة الإسبانية التى هى قائمة على شئون المصالح الأمريكى فى القاهرة ولما تقطع الدول علاقتها بينها وبين بعضها عادة تختار كل دولة دولة أخرى أو سفارة دولة أخرى تمثلها فى مصالحها المعنية، والسفارة الإسبانية فى ذلك الوقت كانت الممثلة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأخطرونا أن دونالدس برجس قادم ودونالد برجس وهو سفير ملحق بالسفارة الإسابنية بالقاهرة رأى حسن الخولى قبل أن يلتحق السيد حسن خولى بالوفد وهنا قال له إنه يتأسف لحضوره فى هذه الظروف الصعبة وإنه عرفه فى ظروف سابقة، وإنه فى حيرة ولا يعرف ماذا يفعل، فقال له حسن صبرى الخولى إنه يستطيع أن يتصل باثنين ــ وكان وقتها الرجل الثانى أو الثالث فى وزارة الخارجية ــ فقال له تستطيع الاتصال بزكريا محيى الدين نائب رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت، أو هيكل، وكان رأى جمال عبدالناصر هو ألا يتصل أى أحد فى ذلك الوقت، وهناك العديد من البرقيات أمامى فيها أشياء غريبة منها أن الأمم المتحدة قررت قطع معونة عن السودان إذا لم يعلن السودان عن عودة العلاقات بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وكان السودان قد قطع علاقته بالفعل بعد أن ظهر التدخل الأمريكى فى 7 و8 و9 يونيو 67 وضمن حكومات عربية كثيرة، فبدأوا بالسودان كأنه قصد مقصود، والشىء الآخر أنه فى برقية أخرى أن دين راسك وزير الخارجية الأمريكية يسأل الدكتور محمود فوزى وأرسلها فى برقية بتاريخ 3 أكتوبر يقول فيها إنه هل مصر كلها تتحدث بصوت واحد، فرد عليه فوزى أن هناك وفدا واحدا يمثل الجمهورية العربية المتحدة وليس لأى أحد أى شىء آخر وهذا ما لدى من القاهرة.

ثم قال له راسك إنه لا يرى موقفا عربيا موحدا فيرد عليه إن قرارات الخرطوم هى التى تمثل العربى الموحد وإذا كان قد سمعتم آراء أخرى، مثل قرار واشنطن بمنع استيراد القطن من مصر ومقاطعة النسيج المصرى، وأجد مقابلة أيضا يبدو فيها اللعب بين والت روستو مستشار الأمن القومى للرئيس جونسن فى ذلك الوقت وبين السفير الإسرائيلى فى واشنطن هارمان، وقال الأول له إن الملك حسين هو الجبهة التى يمكن التركيز عليها فى هذه اللحظة، وأنه أكثر من أضير فى هذه الحرب وفقد الضفة الغربية، وفى كل اتصالاتنا به يقول إنه ذهب للخرطوم لكى يرى موقفا عربيا واحدا وقد رآه لكن هذا الموقف العربى الواحد متشدد لأنه لا قرارات ولا صلح مع إسرائيل، ولكى أكون أمينا ذهب الملك حسين ينقل فى حضور هارمن ورستو وكان يبدو أنه قلق ولم يستطع أن ينتظر الموقف وأنا فى ذلك الوقت قد عذرته لأن كان يخاف من أى تصرفات إسرائيلية فى الضفة الغربية إذا طال الاحتلال، وكان فى ذلك الوقت عصبيا لكن على أى حال الإسرائيليين تصوروا وقالوا للامريكان والأمريكان شاركوه فى هذا التصور ألا وهو جبهة الاختراق فى الشرق وهناك معركة قادمة من جبهة شرقية واحدة وغربية واحدة، فهنا الملك حسين يلمح الأمريكان والإسرائيليين وهو يعرفهم من تجارب سابقة أن جبهة الأردن قد تكون الجبهة الأولى التى قد يمكن اختراقها وبالتالى يحدث كلام من السفارة فى واشنطن أو الوفد أن الملك حسين يبدو استعداده للموافقة عقد صلح مع إسرائيل ويبدو فى أحيان أخرى عدم قدرته على الخروج عن الاجماع العربى، وأنه بالخروج يعرض العرش لأسباب داخلية لمخاطر لكن رفض صلحا أيضا مع إسرائيل يعرضه لضغوط، وموقف الملك متردد ويشعر الأمريكان، وهنا يمكن لجبهة الأردن ان يحدث لها اختراق.

القرار الأمريكي

ويطلب الملك حسين من محمود رياض ان ينقل للقاهرة أن الأمريكان يعملون على سحب القوات الإسرائيلية وبالتالى وقع الملك تحت ضغط شديد للغاية بغرض تحقيق موافقته على مشروع القرار الأمريكى، وفى برقية أخرى للدكتور فوزى يقابل راسك ويقول له إن هذا القرار لا يبدو مقبولا وأنه يحتاج لمناقشات طويلة فقال له راسك إنك رجل دبلوماسى، وإنك إذا طلبت تدخل الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل فلا بد للولايات المتحدة أن تجتهد للاشىء ونحن لا نستطيع أن نوافق على مشروع قرار لا نقدر على بذل جهدنا من أجل تنفيذه، ونحن نضغط على إسرائيل من أجل قرار واضح أمامنا.

وعندما حضر الدكتور فوزى للقاهرة تكلم مع عبدالناصر فى المشروع، وجمال عبدالناصر باحساسه رافضا هذا المشروع لكن الدكتور فوزى وأنا اعتقد ان لديه قدرا هائلا من حكمة مجرب وهو يقول له لقد حضرت يا سيادة الرئيس معظم هذه المناقشات وجزء منها اجتماع منها بالتحديد جرى فى القناطر فى استراحة القناطر، وقال له يا سيادة الرئيس نحن جميعا مسلمين ان العمل السياسى غطاء لعمل عسكرى وان فى اعتقادى وباستمرار على مدار التاريخ النصوص ليست ما يعتد به وما يعتد به هى القوة التى وراء هذه النصوص وأن أى وضع يمكن أن يملى نصا وإذا تغير هذا الوضع ونحن نرى على ذلك فتتغير النصوص وما يملى النصوص هو أمر واقع وأنا أخشى ان هذا النص هو قصارى ما نستطيع أن نصل اليه مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، لأنه بدا هنا الخلاف بين الدبلوماسية والعسكرية فى الاتحاد السوفييتى.

وقال فوزى لعبدالناصر ان هذا القرار سيصدر بأغلبية وسوف يملى علينا وأنا اعتقد انه نحتاج لقاعدة أو صخرة نبنى عليها مواقف سياسية إذا استطعنا ثم ندرك أنه فى هذا الموضوع وهذا الوضع الذى نشأ يوم 5 يونيو لا شىء يمكن تغييره وأنا أتذكر فوزى فى ذلك الوقت يستعمل تعبيرا باللغة الإنجليزية أنه لابد أن نلغى ما قد حصل ولا بد أن نمحى ما قد حدث، ونجد ان عبدالناصر استمع لهذا الكلام، وكانت كل الأمور فى واشنطن جارية وأنا لا أريد ان استوضح أشياء كثيرة لكن تبقى أمامى مقابلة واضحة من الجانب الأمريكى وأظن أننا نعرف الحكاية. وقال راسك للملك حسين اننا فى طريقنا للاتصال بالشرق الأوسط إذا تحققت ثلاثة شروط، أولها ان يكون العرب على يقين من قوة إسرائيل عسكرية، ثانيا أن توضح الولايات المتحدة للاتحاد السوفييتى أنها لن تسمح بمزيد من التغلغل السوفييتى فى الشرق الأوسط، وألا يعطى تلغراب آمالا زائفة فى تدخل الأمم المتحدة أو غيرها لفرض تسوية على إسرائيل.

والغريب أيضا قول جولد برج للوفود العربية دون أن يخفى رأيه إنه لابد من بناء حقائق سياسية تقنع العرب أنه لا فائدة فى حلم قد يراودهم إلى ميدان القتال.

شروط متغطرسة

وأنا هنا تحضرنى ثلاثة مشاهد لأستكمل قفزة للأمام تؤكد فيما بعد أن ما وصلنا إليه مع الولايات المتحدة كان طبيعة الأمور وكان من الصعب احتمال الوضع أو تقبله وكأنه لم تحدث معركة، فهذه الأمة حاربت وهذه الأمة قاتلت ولكن هناك تصميما أمريكيا بشكل ما، أولا فى ذلك الوقت لقاء مع الملك حسين مع راسك وكان موجودا فى الأمم المتحدة وكان قد قابله فى نفس السنة فى أكتوبر نوفمبر، وقابله فى لندن فى زيارة سرية فى عيادة الدكتور هربت وأجد أن الذى كتب إدليش لاين أحد المؤرخين العظام وهو إنجليزى إسرائيلى وهو يقوم بالتجهيز فى جامعة أكسفورد وهو يعتقد انه مؤرخ لديه حس بالعدل التاريخى، وحس بالحقيقة التاريخية، وهى رواية الملك حسين لإدليش لاين على أى حال، وقال الأخير إن الملك حسين قابل هذا وتصوره أن الملك حسين الاستعداد عربيا والكلام سلميا قد يساعد ان يكون الأردن نموذجا وأنه حدث كلام فى واشنطن حول البداية كخطوة أولى وأنا مستعد البداية كخطوة أولى إذا بدت بادرة تشجعنى على هذا، وأنا لا أقدم على وعود فقط ولم يملك راسك ما يقدمه للملك حسين وعاد الملك حسين من هذا كله خائبا وأظن أن هذا كله كان يجب أن يعلم أناس كثيرين درسا.

المشهد الثانى الذى أريد التحدث فيه هو ممر آمن مع أمريكا لكنى لا أعرف انه هناك من تقدم بمنتهى الشجاعة وعرض كل شىء على الولايات المتحدة الأمريكية وهو الرئيس الأنور السادات، وأنا هنا أكمل الخط الأمريكى لأصل به إلى منتهاه لأنه فيما يتعلق ببناء جسور أو ممرات وسط حقل ألغام أنا أعتقد أنها قضية تحتاج لإعادة نظر وإلى دراسة متأنية على الأقل لأن إعادة النظر أعتقد انها ستأتى فى تاريخ مقبل لكن تحتاج إلى بعض الروية والحذر.

هذا الكتاب كتبه السير أرستل هورل وهو أحد أهم المؤرخين العسكريين الإنجليز وكان ضيفى هنا فى القاهرة من سنة ونصف السنة، وطلب مقابلتى لأنه كان يكتب كتابا عن كسنجر سنة 1973 وهو اسم الكتاب وأحب كمؤرخ ان يكتب عن سنة واحدة وهى 73 معتبرها فى السياسة الدولية سنة هنرى كسنجر لأنه فيها تحرك فى الوفاق وتحرك أمام الصين وتحرك فى أزمة الشرق الأوسط وكان أكبر نجاح له.

لكن السير أرستل هولم تصور أنه سيركز على هذه السنة فقابل وهو يقابل كسنجر وهو يكتب كتابه فطرح له لكتابة الكتاب بعض الاسماء وكنت منهم لكى يقابلهم ومعرفة ما جرى سنة 73.

مشروع هنرى كسنجر

ارستل هولم يحكى نقلا عن كسنجر أنه كان يدخل للسادات وكان متخوفا من اللوم لأنه كان السبب فى الجسر الجوى الذى انقذ إسرائيل أو أنقذ المعبد من الانهيار كما كان يقول ديان، وكان هذا الجسر مهما للغاية ولكن هناك قضية أخرى وهى الاتصالات السرية لكن هارلم كان يتوقع أن يفاتحه فى موضوع الجسر الجوى أو قضية وقف اطلاق النار لكن لم يفاتحه السادات وقال له أنا لا أريد الدخول فى تفاصيل، وقال له السادات أنا اقترح عليك مشروعا وتسميه هنرى كسنجر ولكن اسمعنى جيدا فأنا سوف أعكس كل سلفياتى فنحن دخلنا فى مواجهة معكم أنا لا أؤمن بها ولا أعتقد فيها وأنا أرى أن الوقت قد حان لعكسها فأنا لا أريد الاتحاد السوفييتى فقد أدى غرضه ولم تكن هناك حروب، ومن الآن فصاعدا سأكون صديق الولايات المتحدة، وقد أدهش الكلام هنرى كسنجر وحكاية ان السادات قال له إنه ليس خليفة لجمال عبدالناصر وأنا خلف للفراعنة الكبار، وأنه نظر لوجهه وقال إنه يبدو كرأس اخناتون لكن هنا وسط معركة وأجواء متوترة وهناك وفد عربى قادم من جيوش وأسلحة وهناك جبهة شرقية وجيوش عربية متمركز من أول الجولان إلى العين السخنة فى مصر والسلاح الذى نملكه هو سوفييتى، وأعتقد أنها كانت أكبر طمأنينة يمكن أن نعطيها للأمريكان وهذه النقطة هى التى تهمنى فى هذه اللحظة. وأنا هنا أمام رجل تقدم بجسارة سواء اتفقت أو اختلفت معه وقال لهم فى لحظة حرجة إن كل ما مضى انتهى وأن سياستى تكون معكم، وأنه حقق حدثا مهما ألا وأنه كسر أسطورة تفوق الجيش الإسرائيلى ووافقه كسنجر فى الأيام السبع الأولى فى الحرب ويقول أنور السادات وهذا يمكننى أن أغير ما أشاء فى مصر، ودخل فى رهان أن يسلم 99% من الأوراق لأمريكا ومع هذا فذلك الرهان وصل للحد الذى رأيناه.

أما المشهد الثالث وكنت موجودا فيه وهو لقاء مع كوفد دمورفيل وهو سياسى ودبلوماسى فرنسى مهم جدا وكان صديقا للجنرال ديجول وكان سفير لفرنسا فى مصر فى الفترة من 54 إلى 56 ومشى دمورفيل قبل تأميم السويس وبعد ذلك أصبح وزيرا للخارجية، واثناء وجوده فى القاهرة رأيته كثيرا جدا وكان بيننا مناقشات طويلة وكان بيننا نوع من الود وبعض الأوقات مناقشات ساخنة بسبب الجزائر أيضا كان يطلب منا الطمأنينة أكثر لشركة قناة السويس وهو السفير الفرنسى.

لعبة الشرق الأوسط

يقول لى كوفد دمورفيل إنه يعرف مصر جيدا واننا الاثنان على المعاش نلعب الجولف، وقال لى إننا فهمنا لعبة الشرق الأوسط خطأ، وأن هناك معركة هى معركة إسرائيل وأن الغرب انجلترا وأمريكا يوافقون على دولة إسرائيل ويساندونها وهذا صحيح ولكن كان هناك مشروع آخر لدخول إسرائيل وهو خروج مصر، ولا يتحقق إلا بخروج مصر، وأن انجلترا هى التى ساعدت على دخول إسرائيل لكن أمريكا هى الدولة التى تعمل على خروج مصر، وقال لى اننى رأيت الجنرال ديجول وعرفت منه العلاقة بين السياسة والخريطة ووضعت الخريطة أمامى فقال لى إن مصالح أمريكا مصر ليست مهمة فى حد ذاتها وتذكروا أن مركز الثقل فى العالم كان فى قناة السويس، وفقدت بعد ذلك أهميتها من الناحية الأمريكية واصبحت تدور حول رأس الرجاء الصالح ولديها مراكب كبيرة تستطيع قطع المسافة والتكاليف لم تعد كبيرة.

وأن قناة السويس مهمة لأوروبا الغربية والهند والصين ولكن بالنسبة للأمريكان لم تعد مهمة وانتقل مركز الثقل إلى الخليج ثم للمحيط الهادى بين الصين وأمريكا فى وجود الاتحاد السوفييتى واليابان أيضا وكانت القوة الرابعة وهو الصراع على العالم مقبل عليها فى المرحلة القادمة، وان الخطأ أننا لم ننتبه لهذا.

وعندما قامت انجلترا بالانسحاب من قناة السويس فهمنا أن انجلترا تعيد مركزة قوتها وهذا غير صحيح، والأهم منها من الاستراتيجية وكانوا يعرفونها فى أوروبا أن قناة السويس هناك شرق وغرب القناة وفى الأخيرة لم يكن عندهم مانع أن يكون هناك دولة أفريقية أخرى مسلمة فى حدودها وأن الخطر باستمرار هو تخطى قناة السويس.

وقال لى إنه فى وقت الملك فاروق صنعت مصر صلة مع المشرق بالجامعة العربية وبعد صدمة فلسطين وقف لعدم ظهور مصر بالبريق والقوة المتوقعة، لكن الذى حدث بعد ذلك هو أن عبدالناصر أحضر المشرق العربى كله إلى القاهرة وأصبحت هناك مشكلة هذا المشرق العربى فيجب أن تخرج مصر من المشرق وهذا المشرق الذى جاء من الغرب لا بد ان يخرج من الغرب وخط قناة السويس هو الخط الفاصل.

استمعت إلى دمورفيل وكيف أنه كان هناك مشروعان وليس مشروعا واحدا ألا وهو دخول وخروج ومشروع الخروج مازال يأخذنا حتى هذه اللحظة فى الأمم المتحدة وبعد 67 قمنا بكل ما هو ممكن أن نحصل على حق ازاء إسرائيل، ثم جاء الملك حسين الذى ابدى استعداده ان يعترف وذلك قبل 67، ثم جاء الرئيس السادات وأعطى بلا حدود ولم يأخذ شيئا فى المقابل.
الجزيرة