جمال عبدالناصر للمقاومة: أريد أن أسمع كل يوم طلقة رصاص فى فلسطين

فى تلك الأوقات الصعبة والخطرة من خريف 1967 وبينما تبذل كل هذه الجهود لإعادة بناء جبهة معينة وقضية معينة ومواقف وقوة معينة بمعنى أن هناك شعبا اختار أن يقف يقاتل وأمة عربية اختارت مساندة المعركة وهناك جسور يمكن بناؤها مع العالم الخارجى وطرق وممرات آمنة يمكن فتحها وسط حقول الألغام ويبدو لأى مراقب أن هناك فى الموقف حلقة ناقصة وهذه الحلقة الناقصة ببساطة هى أين شعب فلسطين؟

شعب فلسطين وأرضه فى هذه اللحظة هما مركز القضية رغم أن القضية أوسع بكثير لأنها قضية الأمن العربى لكن بؤرة المركز لابد أن تكون حاضرة وظاهرة ومؤثرة وفى هذا الوقت بدا تصور أن الشعب الفلسطينى وقتها كان مثقلا بهموم كثيرة، وفوجئ شعب فلسطين فى هذه اللحظة بالأزمة وبقرار انسحاب الجيش الأردنى من الضفة الغربية، وحاول بعض الناس المقاومة لكنهم سقطوا شهداء، ولم تمض إلا أيام واتضح حجم المأساة لأن الضفة الغربية وغزة أصبحا كلتاهما تحت الاحتلال، وفى هذه اللحظة التى كان يجرى فيها البحث عن الشعب الفلسطينى وأين مكانه، كان الشعب فى حالة مدانة لأنه كانت لديه القيادات مختلفة مثل الحاج أمين الحسينى والذى أدى دورا باهرا سنة 1936 وقاد قدر ما استطاع، إنه انحياز للمحور فى معركة قيل إنها للحرية والديمقراطية.

وبعد عودة أمين الحسينى من الحرب ليبحث عن قضية فلسطين ودوره فيها وكان المشروع الإسرائيلى على وشك أن يبدأ قابل الملك فاروق فى محاولة لتهريبه لمصر وحتى لا يحاكم فى أوروبا بعد الاحتلال، وبعد محاولاته لإظهار وجود الشعب الفلسطينى ولتحريك همم الشعب الفلسطينى بعد الحرب وبعد الهجمة الصهيونية بالهجرة مع فلسطين، وكان يواجه موقفا صعبا للغاية لأنه إلى جانب مطارداته كانت الدول العربية لا تريد أن تظهر شكل وجه أمين الحسينى بأكثر مما ينبغى لأننا سنفقد موقفنا على الفور مع الولايات المتحدة الأمريكية وفى أوروبا لأن صوره مع هتلر كانت موجودة وكانت تستخدم ضده.

وما إن توارى حتى ظهرت قيادات أخرى مختلفة لكن مؤتمر القمة العربى سنة 1964 أنشأ منظمة تحرير واختار الرئيس أحمد الشقيرى رئيسا لهذه المنطقة وكان محاميا وفى مرحلة سابقة التحق بالوفد السورى بالأمم المتحدة وكذلك الوفد السعودى ومثل السعودية لبعض الوقت فى الأمم المتحدة وفى ذلك الوقت لم تكن الخطوط الفاصلة بين الشام وشبه الجزيرة العربية فاصلة وقاطعة كما هى الآن، لكن أحمد شقيرى قام بأدوار للتعبير عن القضية الفلسطينية وبالتالى أصبح وكأنه المرشح الطبيعى ليكون رئيسا لهذه المنظمة فى مرحلة حشد واستعداد نفسى وتعبئة نفسية لكى تعود قضية فلسطين بوجهها الحقيقى فى المواجهة فى ذلك سنة 1964.

ظهرت بعد ذلك جماعات فدائية تقاوم وظهرت على أطراف الأرض المحتلة خصوصا فى سوريا جماعات مقاومة وظهرت حركات مثل حركة تحرير فلسطين، وأخذت أول حرف من كل حركة ومن تحرير ومن فلسطين وعكستهم لتكون فتح وظهرت حركة فتح وظهرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وظهرت حركات أخرى، والحركة الشعبية لتحرير فلسطين كان أصلها حركة المقاومين العرب وكان يرأسها الدكتور جورج حبش وهو رجل مثقف ومناضل ومقاتل وكان على صلة بمصر، وعندما جاءت مقدمات 1967 ظهر الخيار الماركسى عند بعض الحركات الثورية العربية.

أين فلسطين؟

كانت هناك التباسات كبيرة جدا فى المقاومة الفلسطينية وصانع القرار المصرى فى خريف 67 الصعب لكن هناك مسألة مهمة أين فلسطين؟، وكان يمثلها فى ذلك الوقت الأستاذ أحمد الشقيرى لكنه رجل خطيب وقانونى وقد لا يكون صالحا لهذه المرحلة خصوصا وأنه ظهرت جماعات فلسطينية خارجة على منظمة التحرير الفلسطينية وتعارض منهجها خصوصا بعد الحرب.

وكتب أحمد الشقيرى فى مذكراته ويحسب له أنه نبه القيادة المصرية فى ذلك الوقت إن بعض الجماعات المسلحة التى تتكلم عن المقاومة هدفها التوريط ومن أول 65 و66و67 تخوض معركة سمتها معركة التوريط لأنه قصدت فيها بعض العمليات فى سوريا وشجعتها بعض العناصر المغامرة فى حزب البعث وتقوم بعمليات قد لا تكون مجدية، ولكن لتثبت وجود مقاومة كنسف طريق أو كبرى فى المنطقة القريبة من الحدود مع سوريا وهم فى ذهنهم سوريا وإسرائيل وأن هذه العمليات سوف تستدعى ردة فعل على سوريا واذا ما حدث رد فعل على سوريا فمصر ستلجأ بالتأكيد إلى مساعدة سوريا وفى ظنهم وتقديرهم، أو فى شكوك أحمد الشقيرى وهم لم يجعلوها شكوكا جعلوها يقينا وسموها حرب التوريط.
وكانوا يتصوروا أنهم إذا ورطوا الدول العربية وإذا دخلت كل الدول العربية فى المعركة مهما كانت التكاليف إذن فهذا معناه إعادة إحياء وأعيد توضيح القوة الداخلة فستدخل سوريا واضحة ومصر واضحة وكل الدول العربية وستكون معركة كبيرة، لكن الأستاذ أحمد الشقيرى كان متخوفا من هذا الموضوع وأنا لازم أعترف إنه أعاد النظر فى هذا، وأنه عقد مناقشات كثيرة جدا مع بعض قيادات هذه الجماعات الفدائية التى تعمل فى سوريا.

أنا أظن أن الورطة والأزمة فى حرب 67 كانت أكبر مما قامت به هذه الجماعات لأنه كانت هناك حالة تربص وسباق مع الزمن بشكل معين قبل أن تقوى الدول العربية وخصوصا مصر فى ذلك الوقت.

طلب جمال عبدالناصر من محمود رياض وزير الخارجية أن يتحدث مع أحمد الشقيرى، وأن تطلق طلقة واحدة فى فلسطين لكى يعرف العالم أن هناك شعبا وأن هناك قضية وأن هناك مقاومة، ولما تحدث محمود رياض مع الشقيرى كان الأخير يعرف أن هذه الجماعات بشكل أو بآخر كان هدفها التوريط لكن كان هناك خلاف واضح فى الساحة الفلسطينية بين الخطباء وبين المقاتلين.

فى ذلك الوقت جاء لى محرر شاب فى الأهرام هو المحرر إحسان بكر وقال لى إن هناك ضابطا أردنيا من أصل فلسطينى تمرد على الجيش الأردنى وشارك فى عمليات المقاومة وأنه لديه ما يريد أن يحكيه عن ما يجرى فى الأرض المحتلة، وعندما قابلته كان الرائد الشاب خالد عبدالمجيد استشهد بعد ذلك، لكننى استمعت له عندما حضر لى مع إحسان بكر واستمعت له عما يجرى وعن العمليات الفدائية التى قامت بها بعض المجموعات وأنا تصورت أن هذا يلبى طلبا كان عندنا وكنا نبحث عن جواب لسؤال معلق وهو أين الشعب الفلسطينى كرمز لقضية المقاومة؟.

وعندما تحدثت عن هذا الشاب لجمال عبدالناصر طلب منى مقابلته وأن يستمع له وفى يوم كان عندى وطلبت منه أن يأتى معى فى سيارتى وقلت له إنه سيقابل مسئولا مصريا ولم يكن يتخيل من هو ولكن لما وصلنا للمنزل ودخلنا بالسيارة الى الباب أصيب الشاب بهستيريا وحاولت تهدئته قبل مقابلة الرئيس وعندما دخلنا ظل مرتبكا أمام جمال عبدالناصر لفترة ثم بدأ يحكى وبدأ جمال عبدالناصر يسأله وهو يجيب ويتحدث عن حركات مقاومة كثيرة وموجودة ويتحدث عن مواقع فى الخليج كان جمال عبدالناصر يعرفها. وظهر لى أن جمال عبدالناصر يرى فى هذا الشاب إجابة عن سؤال يحيره وقال له ابقى على اتصال مع هيكل..

عاد بعد ذلك خالد الحسن عضو قيادة فى حركة فتح ومعه أبواللطف السيد فاروق قضومى، وأبوإياد صلاح خلف وجلست معهم واستمعت لهم كثيرا وقالوا لى عن ياسر عرفات، وأنا حتكلم عن ياسر عرفات وهو رجل حيرنى على أى حال، وجاءوا لى بياسر عرفات فى الأسبوع الذى تلاه وكانت أول مرة أراه فيها، وقلت وقتها لجمال عبدالناصر أنى رأيتهم كذا مرة وأنا أتصور أنه قد يكون مفيدا أن يراهم خصوصا وأنه كان يبدى اهتماما كبيرا بجماعات المقاومة، وقال لى إنه من الغريب أن تتخذ كل الجهات الرسمية فى مصر مواقف مختلفة من فتح والمخابرات كانت تعتقد أن فتح لها اتصالات بالإخوان المسلمين وهذا صحيح، وفتح كانت تعتقد أنهم كانوا العناصر التى تساعد على التوريط بشدة.

سد الثغرة

وإلى أن حدد الموعد والذى كان فى العاشرة صباحا فى يوم من الأيام أواخر سبتمبر سنة 1967 وتجمعوا فى مكتبى فى الأهرام فى وسط البلد فى ذلك الوقت فى شارع الساحة، وتجمع كل من ياسر عرفات وأبوإياد، وأبواللطف وخالد الحسن وأبوالهول.

هم كانوا يعرفون أنهم سيقابلون جمال عبدالناصر لكنهم غير متصورين أن هذا سيحدث لكنهم سيقابلونه ببساطة مثل الرائد خالد عبدالمجيد قابله، وهم قيادات حركة فتح ثم تحركنا وتكدسنا فى سيارتى وسيارة أخرى تابعة للأهرام وقلت لهم: على أى حال ستقابلون الرئيس وأظن أننى بعد أن قلت لهم أنهم سيقابلونه ران الصمت وشعرت بنوع من الرهبة ووصلنا وكانت المقابلة.

ولم يخف الرئيس عبدالناصر أى شىء وقال أريد أن أقول لكم شيئا بوضوح إن كل الجهات الرسمية فى مصر ضدكم ولا يثقوا فيكم، لكن إزاء طلبى وهو سماع طلقة فى فلسطين كل يوم فأنا مستعد أن آخذ أى مجازفة، ثم تحدثوا عن ياسر عرفات ودوره البارز فى حركة المقاومة ونفوا أن يكونوا إخوانا مسلمين، وقال ياسر عرفات إنه كان متطوعا فى الجيش المصرى سنة 1956 وكان هناك كلام عاطفى ثم انتقلنا إلى ما يمكن عمله.

ثم تحدثوا عن الأوضاع فى فلسطين وما الذى يستطيعون القيام به وما يقدموه لمصر والدول العربية وأظن أنه هناك بناء لقاعدة لجسر من الثقة بنية فى هذه المقابلة، وفى هذه المقابلة أيضا طلب منى الرئيس أن أقدمهم للواء محمد أحمد صادق مدير المخابرات العسكرية فى ذلك الوقت، وأنهم سيقابلونه وهناك مساعدات مالية وعسكرية ستقدم لهم وهناك طلبات تدريبية سنوفرها لهم، ورتبت مع الفريق صادق لكى يقابلوه وأظن أن المسائل صارت بطريقة مرضية للغاية وأظن أنه ظهر أثر ما كان فى القاهرة على الموجود فى فلسطين، وأخذوا أسلحة وبدأوا فى التدريبات وحصلوا على المعونات بقدر ما تم الاتفاق عليه مع الفريق صادق. وظهرت فلسطين فى حيوية أكثر مما كانت.

فى ذلك الوقت كان أحمد الشقيرى وأنا بأثر رجعى أعتذر له حيث كانت هناك رغبة وهم يعملون بالمقاومة، كانت العلاقات فى الوضع الفلسطينى غير مستقر لأن هناك قيادة سياسية تتحدث، فمصر هى التى أنشأت منظمة التحرير أو على الأقل اقترحت إنشاءها وهناك عمل عسكرى مصر تساعده والمنطق يدعو للاندماج، حتى أن الأستاذ شقيرى كتب فى مذكراته أنه كان هناك مؤتمر وطنى لمنظمة التحرير، وأنا أعتذر للشقيرى لأنه رأى أن تكون منظمة التحرير هى حركة فتح، لكن الشقيرى كتب فى مذكراته أنه قرأ المقالة فى الأهرام وفهم الرسالة وقدم استقالته ودخلت فتح منظمة التحرير وأصبحت الجبهة السياسية والعسكرية جبهة واحدة وأظن أنهم أرادوا فاعلية هذا وقمت ودخلوا فيما يسمى بمعركة الكرامة والتى أراد فيها الجيش الإسرائيلى أن يضرب قواعد الفدائيين فى الضفة الشرقية بالأردن ولاحظ الإسرائيليون ظهور حالة جديدة على المقاومة الفلسطيينة وأن هناك معسكرات تقام على الضفة الشرقية أمام جسر الملك حسين وأمام جسر الملك عبدالله وأن هناك فى هذه المنطقة حشودا فدائية بشكل أو بآخر وبدأوا يتربصون به وبدأوا يستعدون بضربها مبكرا، ويجب أن أسلم هنا أن الملك حسين والجيش الأردنى دخلا المعركة والتى كانت بغرض تصفية الوجود العسكرى الفدائى الفلسطينى فى هذه المنطقة شرق الأردن وهو يحتشد والجيش الأردنى وكنا أمام شىء بعد معركة الكرامة والتى حدث فيها عدة أشياء منها اعتراف مصر بمنظمة التحرير وحركة فتح أظهر ياسر عرفات بطريقة واضحة وأظهر المنظمة بطريقة مقاتلة وهذا عالم عربى متشوق جدا لفعل وتحريك قضية فلسطين وعندما لم تحركه قضية أخرى أضفى على فلسطين شيئا آخر وقد أرسل لى الرائد خالد عبدالمجيد رسالة عن معركة الكرامة وكان يحكى فيها عن أعاجيب ثم استشهد بعدها.

وهم الدولة

مرة واحدة ظهرت قيادة فلسطينية وظهر مرة واحدة رجل يدعى ياسر عرفات ومرة واحدة تسابق الجميع عليها بإعطائها تبرعات أو سلاحا وذلك بعد المثل الذى ضربته مصر والحاجة الشديدة لمقاومة فلسطينية ومع التكريم المطلوب للشعب الفلسطينى وكنت قد قلت للرائد خالد قبل وفاته عندما سألنى عن رأيى فى المعركة فقلت له إن المعركة هائلة لكن أكاد أرى بعينى مزالق أخاف منها جدا ولما أرجع وأرى ماذا قلت له أجد صورة غريبة وقلت له أنا أرى ما فعلتوه وهو بكل المعايير له قيمة لكننى أخشى عليكم لأنكم أصبحتم تبالغون فى المعارك ومعركة الكرامة وغيرها جيدة للغاية لكننى أخاف جدا من وهم أنكم تتصورون أنه فى مقدوركم تحرير فلسطين وأخاف أن يخطر بخيالكم ما يتعدى قدراتكم وأخاف من الإعلام الزائد عن الحد ثم ظهرت له صورة فى معركة الكرامة حصل انفجار فى المشاعر العربية وفى الصور، وقلت له إننى أخاف من الانفلات العاطفى وأنه محظور.

لقد أحببت ياسر عرفات ولا أنكر أنه فى بعض المرات كنت أختلف معه بشدة وبوضوح لكننى التقيته فى آخر لحظة فى حياته وفى كل الأحوال هذا الرجل أعطى للقضية الفلسطينية وجها وملامح وصوتا للتعبير فى وقت كانت تحتاجه بقوة.

وكانت هنا أخطاء ولما أجلس وأعرف كيف تطور ياسر عرفات وكيف حيرنى، ولقد قدرته كثيرا بقدر ما استطعت لكن فى النهاية صحفى وقريب من الحوادث لكنى غير موجود فى جريدتى بالدرجة الأولى لكنه حيرنى بمعنى أننى قدمته لجمال عبدالناصر ورأيته كيف يتحدث مع جمال عبدالناصر وبعدها بفترة قدمته فى موسكو بطلب من جمال عبدالناصر لرئيس الوزراء السوفييتى كوسيجن ولما عرف من هو بعد إن كان يعتقد أنه من الوفد المصرى وأول ما عرف لم يخبئ وقال لى كوسيجين إن هؤلاء أناس من المغامرين وأن الاتحاد السوفييتى يتردد قبل صنع علاقة معهم وعلى أى حال صافح ياسر عرفات ونشأت علاقة مع الاتحاد السوفييتى.

وبعد سنة واحدة قال لى كوسيجن بنفسه هل صحيح أن ياسر عرفات أقوى رجل فى العالم العربى؟ وقال لى إنه قال على نفسه كذلك وأنه قال لمازروف هذا الكلام وكان الأخير وقتها فى المكتب السياسى السوفييتى مسئول عن حركات التحرير الوطنى وكنا قد قدمناه لمازروف وقال له إنه أقوى رجل فى العالم العربى لسبب واحد هو أن قضية فلسطين تجعل له حزبا فى كل عاصمة عربية وهو يستطيع أن يحرك هذه الأحزاب حين يشاء على أن أى زعيم عربى يستطيع أن يتحكم فى عاصمة بلده وعاصمة أو اثنين آخرين، لكن ياسر عرفات يستطيع أن يفجر الموقف فى كل العواصم العربية، وقد استغربت ذلك عندما قال لى كوسيجين ذلك ولكننى لم أعلق، لأنه لما تقول إنك أقوى من أى زعيم عربى فى ذلك الوقت هذا خطأ لأنك موجود فى منفى بعيدا عن بلدك وتعادى كل الدول غير أن هذا ليس صحيحا، فخارج ولاية وسلطة الدول أى أحد يتكلم عن تأثير ووصول فى هذه الدول تكون هشة للغاية وفى النهاية تبقى قوة الدول.

أتذكر مشهدا آخر مع الملك حسين وكان فى خلافاته مع ياسر عرفات إلى آخره اضطر تحت ضغط القمة العربية أن يسلم عليه ويظهروا كما لو كانا أصدقاء وبعد ذلك أشدت بالصورة وكنت وقتها وزير الإعلام أمام الملك مع الرئيس ساهى الأدغم الذى كان رئيس اللجنة والتى أنشأتها القمة العربية لمتابعة العلاقة بين الملك والمقاومة الفلسطينية ورئيسها الباهى الأدغم وأنا عضو فيها كوزير إعلام مصرى ومعى الفريق محمد أحمد صادق الذى كان يمثل الناحية العسكرية وكنت أمثل الناحية السياسية، وعندما قلت للملك أنه شىء جميل أن تسلم على ياسر عرفات فرد قائلا ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدو له ما من صداقة بد وهو بيت شعر للمتنبى.

وفى مرة ثالثة مع الرئيس صدام حسين فى بغداد فقد دخلت عنده مع السيد طارق عزيز رئيس الخارجية العراقى فى ذلك الوقت ووجدت عنده ياسر عرفات لكنه كان انتهى من الموعد وخارج فقلت له إن شاء الله خير، وكان لدى صدام طريقة فى الكلام حيث قال لى يا أبوعلى هؤلاء أناس أصغر من قضيتهم، وقال لى إنه ستثبت الأيام.

أنا كنت أعرف أن هناك مواقف طويلة لا تنتهى ولما ذهب ياسر عرفات وأنا أعتبره أكبر أخطائه إطلاقا عندما قبل اتفاقية أوسلو وهى اتفاقية تؤجل القوائم الرئيسية لشعب فلسطين والقضية الفلسطينية وهى المستوطنات والقدس والحدود وحق العودة بالنسبة للاجئين ومعنى تأجيل هذه القضايا يعنى أنه القضية الفلسطينية كلها رحلت إلى مستقبل نحن لا نعرف موازين القوة فيه كيف تكون.

ولما ناقشه ياسر عرفات فيها ظهر عليا وكنت قد ألقيت محاضرة بالجامعة الأمريكية فى القاهرة فى ذلك الوقت وقلت: أريحا وغزة أولا وأخيرا، فغضب منى وجاء لى فى زيارة له للقاهرة فى مكتبى فقلت له إننى قلت فى المحاضرة ما أعتقده وأنا أخشى أنك لن تأخذ شيئا، وحكى لى لماذا قبل أوسلو وما بعدها ويحكى لى أن الملك الحسن ملك المغرب سوف يتعامل مع أناس يستطيعون تحويل قاطع الطريق إلى إبليس فى 24 ساعة بالآلة الإعلامية المهولة والموجودة عندهم، وأنا أقول أن ياسر عرفات لم يكن قاطعا للطريق وكان رجلا مقاوما وكان رجلا يقود ثورة ولكن استهواه أن يتحول لنجم فى الإعلام العالمى وهذا عاش لأيام قليلة جدا ثم انطفت الأنوار كلها، وجاءت أوهام كثيرة.

كنت أذهب لقصر الأندلس لكى أراه وقد طرأت على هذا الرجل الثائر أشياء غريبة جدا بالمصادفة وأشياء كنت أخاف عليه منها وقد كنت أعتقد أن قصر الأندلس الذى كان ينزل فيه بمصر الجديدة ليس لائقا بوظائفه وهو قال لى مرة إنه لا يوجد شىء للإفطار وأن الموجود جبن وزيتون فقط وإنه كان عنده أسامة الباز قبل حضورى بيوم وأن الباز نزل فندقا قريبا واشترى طبق فول واشترى أشياء أخرى، فقلت له إن هذا لا يهمك فأنت رجل ثائر فقال لى وأنا رئيس دولة أيضا.

أريد القول إن هناك من يطرأ على الثوار لما يأتى موضوع السلطة والثورة قبل الآوان ووهم الدولة عندنا فى العالم العربى ووهم الحكم والسلطة وحتى على الثوار يريدون أشياء ليس لها لزوم فى اعتقادى لأنه لما كان عرفات يذهب ليدخل فلسطين أول مرة ترجيته بألا يدخل فلسطين بعد اتفاقية أوسلو وأنه إذا دخل فلسطين سيصبح أسيرا لفلسطين وستبقى رهينة عندهم، فقال لى غريبة أن رأيك يخالف رأى كل الزعماء العرب، فقلت له أتريد رأيى بصراحة فقال لى نعم فقلت له يريدون أن يخلصوا منك وطلبت منهم أن يظل خارجا وأن يطلب إدراة فلسطينية تدير من الداخل من المناطق التى تزعم إسرائيل أنها ستعطيها لكم لكنه كان متعجلا جدا واستقبل فى غزة استقبالا هائلا.

لما حدثنى بعدها بيومين ليعرف رأى فى الاستقبال فقلت له إنه كان هائلا لكن لم يعجبنى حرس الشرف، فقال لى أنت لا تريد أن تقبل أننى رئيس دولة.

أعتقد أن ياسر عرفات تعرض لعمليات نصب صريحة ففى يوم من الأيام دخل وقال لى إنه معه الدليل الحاسم الذى يدين الملك حسين والحكومة الأردنية وأعطانى ملفا من 30 أو 35 وثيقة فعندما نظرت للملف فقلت له وهو فى مكتبى فقلت له إنها مزورة ولا يمكن أن يتم التسجيل بأوراق رسمية العلاقة بين الأردن وإسرائيل وليس بهذه الفجاجة، فقال لى: إنه ليس مزورا وأنهم دفعوا فيه 300 ألف جنيه استرلينى، فقلت له إن هذه الوثائق أمامى وأنا أثق أنها مزورة، وبالتالى أنا أمام رجل أمانيه تسبق قدراته وطموحه يسبق وسائله وهو يشعر أن هذا ملف القضية.

احتفظ أبوعمار لنفسه بقضايا مهمة للغاية فاحتفظ بالمال والسلاح وبالإعلام وبالتالى أصبحت هناك تناقضات لا تتحملها الثورة الفلسطينية فى هذه اللحظات لكن يبقى دائما وهو رجل عزيز عليا وذكراها لا تزال عزيزة أيضا.

الجزيرة