بسام أبو شريف..بيروت أحلام وأسرار

.يكشف بسام ابو شريف احد الاسماء القيادية البارزة في "الثورة الفلسطينية" في كتابه الصادر حديثا بعنوان "بيروت مدينتي" اسرارا ويسلط النور على اخرى من خلال مروياته وقد عاش عشرين سنة في بيروت ويركز على فترة الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982 وترحيل الفدائيين الفلسطينيين عنه.
وفي المجال نفسه يروي قصص حب اولاها بينه وبين بيروت التي جاءها طالبا ثم ناضل فيها وأحب وتزوج بمن احب وثانيتها قصة حب بين المدينة والقضية الفلسطينية بقيت صامدة على رغم الموت والحديد والنار والترحيل.

ويروي بسام ابو شريف كذلك عن صداقته وزمالته للاديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني واغتيال الاستخبارات الاسرائيلية له في عملية تفجير وعن عملية التفجير التي استهدفته هو شخصيا ايضا ونجا منها باصابات بالغة.

وكشف عن اسرار خلال الحصار الاسرائيلي لبيروت او سلط الضوء على جوانب من اسرار جرى الكشف عنها سابقا وحكى عن احداث له بها معرفة بحكم موقعه القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثم بوصفه مستشارا لياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية وأول رئيس فلسطيني.

ورد كتاب ابو شريف في 366 صفحة كبيرة القطع وصدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في العاصمة اللبنانية بغلاف حمل صورة له ولكنفاني في مؤتمر صحافي. وتوزعت مواد الكتاب على 29 فصلا وفهرس للاعلام واخر للاماكن. اما الاهداء فكان الى نجله وكريمته وفيه يقول "الى كرمة وعمر.. هذه بيروت التي احتضنتني وأعشقها."

يقول بسام ابو شريف عن كتابه "بيروت مدينتي" انه "كتاب يسجل ذكريات عشرين عاما من حياتي فبدت الذكريات وكأنها مذكرات. انها قصتي مع الحياة والموت. والكتاب يسجل حواري معهما... عشرون عاما.. منذ اليوم الاول للقاء بيروت وبحرها الازرق في الجامعة الامريكية الى يوم ملبد بغيوم من دمع احمر خرجت فيه منها على متن سفينة سياحية قبرصية... علمتني بيروت كيف انتصر للحب وأهزم الموت... بيروت كانت بداية الحياة.. وستبقى لتعلم الذين سيرون النور ان لا قيمة للانسان دون حرية ودون الانتصار لها حيثما حوصرت."

فصول كتاب ابو شريف وردت في ترتيب بدا انه اجمالا يخضع اساسا لتداعيات تفرضها النفس وفي بعض الاحيان يفرضها تسلسل الموضوعات. يروي لنا الكاتب قصة قدومه من الاردن الى الجامعة الامريكية في بيروت ويسرد ذكريات عديدة متنوعة ثم يحكي عن فترة النضال في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الدكتور جورج حبش والانتقال خلال 1982 وبعدها للعمل مستشارا لعرفات. وينقل الينا بعض جوانب الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية في بيروت حيث التقى امل الياس خوري وتبادلا الاعجاب والحب وعهود الزواج لاحقا.

الفصل الاول لا "يبدأ من الاول" بل من قبيل الاجتياح الاسرائيلي للبنان الذي ادى الى حصار بيروت سنة 1982 ثم احتلالها بعد ان ادت جهود دولية الى ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان. حمل هذا الفصل عنوانا مشوقا فبدا التاريخ من خلاله اشبه بقصة بوليسية لكنها واقعية. العنوان هو "زائر غامض". لم يفصح ابو شريف عن هوية الزائر الذي حمل اليه معلومات ثبت في نهاية المطاف انها حقيقية.

بدأ ابو شريف الكلام عن "ازدياد الوضع احتقانا في منطقة الشرق الاوسط في عام 1982 بعد فشل اسرائيل في توجيه ضربات قاتلة" للقوات الفلسطينية في جنوب لبنان و"القوات المشتركة" اي الفلسطينية وتلك التابعة للاحزاب اللبنانية المتحالفة معها. اضاف انه بدا ان اسرائيل راحت تعد العدة لضربة عسكرية واسعة وشاملة.
وقصة الزائر تبدو للقارىء شبيهة بالروايات -والحياة تشبه الروايات احيانا- كما قد يخطر في بال القارىء ايضا انها طريقة اراد بسام ابو شريف فيها التغطية على المصدر الذي سرب الخبر اليه. وفي الاحتمال الثاني لابد من الاعتراف بنجاح الكاتب في احاطة الحقائق بأجواء ضبابية او دخانية لا تغير في الحقائق لكنها تغلفها بسبب ضرورات لابد منها.

روى ابو شريف قصة الزائر الغامض فقال انه في صباح يوم من ايام ابريل نيسان سنة 1982 جاء رجل الى مكتبه.. مكتب جريدة الهدف التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والواقع في منطقة كورنيش المزرعة في القسم الغربي من بيروت طالبا مقابلته فأدخله سكرتيره اليه. "كان شابا طويل القامة نحيفا يعلو شعره بعض الشيب.

"وقف امامي وفي عينيه وجل او خوف وراح ينظر حوله واستمر على هذا طوال الدقائق التي قضاها في مكتبي وكأنه يخشى احدا. صافحته وطلبت منه الجلوس فجلس على طرف المقعد وكأنه يهم بالوقوف وراح يتكلم وفي صوته تهدج.. "انا لبناني" -هكذا بدأ كلامه- "وأدعم النضال الفلسطيني". هززت رأسي فيما تابع الكلام "اسرائيل تخطط لغزو لبنان". قال وتوقف لحظة لينظر في وجهي تأثير كلامه علي. فقلت له " تفضل تابع". اسرع في الكلام وأبلغني انه اطلع "صدفة" على مخطط اسرائيلي لغزو لبنان وتحطيم المقاومة الفلسطينية بالتعاون مع " القوات اللبنانية" (الكتائب) التي كان يرأسها بشير الجميل."

وفي تلك المرحلة لم تكن "الكتائب اللبنانية" و"القوات اللبنانية" منفصلتين كما هما الان بل كانتا عمليا بقيادة الرئيس المنتخب الراحل بشير الجميل الذي كان قبل اغتياله في سبتمبر ايلول 1982 قد اسس القوات اللبنانية "من رحم حزب الكتائب" الذي اسسه وترأسه والده الراحل بيير الجميل.

وتابع ابو شريف قوله عن الرجل "لم اعلق بل نظرت اليه كأنني اطلب منه الاستمرار. تحّدث عن غزو بري من عدة اماكن وعن قصف جوي وعن محاصرة بيروت واقتحام بيروت الغربية وعن هدف اسرائيل. قال " الاسرائيليون يريدون تصفية المقاومة الفلسطينية وقتل قادتها او اعتقالهم وتقديمهم لمحاكم كمجرمي حرب"."

"وختم بالقول "اسرائيل ستستخدم كل قواتها العسكرية البرية والجوية و البحرية" وأخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية سلمني الورقة قائلا "هذا رسم سريع لما اطلعت عليه" هب واقفا وصافحني قائلا " اللهم انني بلغت" وغادر مكتبي تاركا اياي افكر بما سمعت وبهذا الشخص الغامض. هل هو صادق.. هل هو مدسوس.."

عرض ابو شريف معلوماته على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لكن الجبهة كانت لها قراءة مختلفة لما سيحدث تختلف عن تلك الصورة. وقال ان المكتب السياسي للجبهة رأى ان خبرا من هذا النوع ليس سوى "تسهيل للرئيس ياسر عرفات لتقديم مزيد من التنازلات."

ثم توجه ابو شريف الى مقر عرفات. قال "شرحت للرئيس ما جرى ووضعت الرسم امامه. نظر اليه ثم تتبع الخطوط المرسومة بقلمه والتفت الي.. " موضوع خطير جدا" قال بتمهل وكأنه يفكر بخطة مضادة. وسألني "انت لا تعرف هذا الرجل كما قلت" فأجبته بأنني لم اره في حياتي."

استشار عرفات عددا من قادته وعلى رأسهم العقيد سعد صايل (ابو الوليد) قائد القوات الفلسطينية المسلحة الذي درس المسألة وفكر بعمق ثم "نظر للرئيس ابو عمار وقال باقتضاب "هذا احتمال وارد. علينا ان نرفع درجة استعدادنا". وأجاب ابو عمار بسرعة "كل شيء تحت تصرفك. على بركة الله."

اجرى ابو شريف اتصالات بأصدقائه في واشنطن ولندن وباريس فجاء الجواب يؤكد -الى حد ما- ما ابلغه اياه الزائر الغامض كما جاء الاجتياح الاسرائيلي وفقا لما اوضحه ذلك الزائر اي ما قاله وما رسمه على تلك الورقة.

رويترز- جورج جحا