ملحمة(ده ده قورقوت)

في زمن القرون الميلادية الخامس أو السادس ظهر رجل من قبيلة البيات يدعى ده ده قورقوت كان حكيم الأوغوز قاطبة ، ينبىء قومه بأخبار شتى عن الغـيب فـتتحقـق نبؤآته، إذ أن الله كان يلهم قلبه. قال الأب ده ده قورقوت: في آخر الزمان تعود السلطنة إلى قبيلة قاييى (1) ثانية حينئذ لا يجرؤ أحد عـلى أن ينتزعها من أيديهم، أولئك هم نسل بني عـثمان، يدوم سلطانهم مع تعاقب الأيام إلى يوم القيامة . وقد تكهن بما يشبه هذا الكلام أيضاً. كان ( قورقوت آتـا ) يقضي في ما تنشب من نزاعات بين قومه ، ولا يبت أي نفر منهم في أمر ما لم يستشيروه كانوا يصغون إليه ويأخذون بنصائحه ويطيعون أوامره ويعملون بها على أتم وجه.

ومما قاله :

لا تسير الأمور دون ذكر الله

ما لم يعط الرب القدير فالعـبد لا يغـتني

ولا يموت أي إنسان إلاّ بأجل مكتوب،

الميت لن يحيا ، والروح التي تقبض لن تعود ،

لو ملك الشجاع ثروة بقدر جبل شاهق

ومهما جمع وكدس عليها فلا يأكل منها اكثر مما قُسِم له.

لو فاضت الأنهار المتلاقية لما ملأت البحار .

الله لا يحب المتكبر المتفاخر.

الرجل الذي يعتصم بأنفته لن يحظى بأي نفوذ.

إذا اتخذت من ولد غريب ابناً لك

يتخلى عنك حينما يكبر وكأنه لا يعرفك

الرماد لن يكون تلاً، والصهر لن يكون ابناً.

الحمار الأسود لن يكون حصاناً وإن وضعت في رأسه رسناً،

والجارية العبدة وإن ألبستها ثوبا فلن تصير امرأة (2)

مهما تساقطت الثلوج فلا يبقى منها شيء إلى الصيف

أزاهير البر والخضرة اليانعة لن تعمر حتى حلول الخريف

القطن العتيق لن ينفع في نسج القماش

المرأة العدوة لن تكون صديقة .

ولا تطوى المسافات دون أن يقسو الفارس مع جواده الأدهم

ولا تنعقد له راية النصر ما لم يضرب بسيفه الفولاذي ،

والرجل لا يذيع صيته ما لم يبذل من ماله .

الفتاة لا تأخذ بالنصيحة ما لم تتعلم من أمها .

والفتى لا يكون كريماً إن لم ير الجود في أبيه

الولد خلف أبيه وهو إحدى عينيه

إذا ظهرت فيه إمارات النفوذ فهو العين لبني قومه

ماذا يفعل الفتى إذا مات أبوه ولم يورثه شيئاً

وما نفع الثروة إن كان راس الفتى خاويا

ليحفظك الله يا مولاي من شرور فارغي الرؤوس

وانشد ده ده قور قوت ثانية :

لا يقوى النذل على أن يمتطي الحصان المسرع وهو يجري

إن امتطى أو لم يمتطِ سواء !

إذا أراد الخسيس أن يضرب بالسيف البتار

فان اعرض فذلك خير له !

من يتجاسر على الشجاع ، فلا فرق بين السيف والسهم والدبوس .

لا ضير في أن تهدم المنازل المظلمة التي لا يمر بها الضيوف !

عـشب البراري الذي لا ترعاه الخـيل إن نبت أو لم ينبت سواء !

أجاج المياه التي لا يردها البشر

إذا صفـت أو لم تصفُ سواء.

الابن العاق الذي لا يخلد اسم أبيه

ليس جديراً بأن ينـزل من صلب أب،

وإذا وقع في رحم أُم فالأفضل أن لا يولد .

الخير في الفتى اللبيب حين يواصل نسل أبيه .

ما دام الكـذب وجد في هذه الدنيا

إن وجد أو لم يكن موجوداً سواء !

ليعمر الصادقون ثلاثة ثلاثون وعشرة (3)

ليحفظك الحق من أي مكروه ،

ويطيل في عمرك عشرة ثلاثون وعشرة (4)

ويمد ظل حكمك خالدا عـلينا .. يا مولاي !

ثم أضاف ده ده قورقوت قائلاً :

يعرف الأيل أعشاب المراعي التي يسيح فيها،

والأتان يعرف أحراش الأماكن البعيدة .

الإبل تعرف آثار النياسم المختلفة ،

والثعلب يميز روائح سبعة وديان

والقبّرة تعلم متى إنطلق الركب بالأمس ،

الأم تعرف ممن هو وليدها

والحصان أدرى بمدى قسوة اللجام في السير ،

البغال أدرى بثقل أحمالها،

ولا يعرف زحالف الأرض إلا من وقع فيها .

ألم الرأس الغافل يعانيه الدماغ .

يطوف المغني الممالك حاملاً قيثارته

وهو الذي ينقلب على الأمراء ويعرف كرامهم و أنذالهم .

ليكن الشعراء من ينشدون ويعزفون في ديارك ومجالسك

وليحفظك الله من بغـتاة الخطوب يا مولاي.

ثم انشد ده ده قورقوت ، ولنسمع ما قاله :

الله في عـليائه فـوقـنا أولى بالتعـظيم والإجلال

وان أنشدت المدائح فرسولنا محمد حبـيب الله بالمديح جدير .

ما أعظم أبو بكر الصديق الذي صلى عن يمين محمد

ما أعظم سورة ( عم ) في بداية آخر الأجزاء.

ما أروع سورة ( يس ) إذا قرأت بتجويد رصين

ما أعظم أشجع الشجعان ( علي) حين هوى بسيفه البتار.

أولاده أسباط الرسول استشهدوا في رمضاء كربلاء

على يد آل يزيد ،

ما أعظم الحسن والحسين!

ما أعظم علم الله الذي انزل من السماء ورتب في القرآن .

ما أعظم عثمان بن عفان مرشد الفقهاء الذي جمع وحفظ القرآن

وصار العلماء يقضون به ويحتكمون إليه

ما أقدس مكة التي بنيت في أرضٍ منخفضة

طوبى لمن وصلها سالماً وعاد مبتهجاً

وأكمل دينه بصدق .

الجمعة أبهى الأيام المعدودة .

ما أجمل المؤذن حين يكبر على المنارة

والخطبة التي تقرا فيها بهية

طوبى للأمة التي تصغي إليها .

ما أحلى الزوجة عندما تجثو جالسة على الأرض

وللأب وقار إذا إبيض عـذاراه

أحسن الأمهات هن اللائي يرضعن أبناءهن الى حد الإشباع .

ما أجمل الجمل عندما يقترب الى مضارب الديار ويسلك طريقها ،

ما أروع الأخ المحبوب،

ما أجمل مخدع العروس حين يُـنصب حذو الخيام العالية ،

حباله الطويلة جميلة ، وكذلك الفتى الواقف عندها.

ما أعظم الله الذي خلق الكون كله ، ولم يشبهه شيء .

ليكن العـلي العالي الذي ذكرته عـونا لك يا مولاي.

يقول الشاعر : النساء أربعة أصناف ، منهن التي تقطع دابر النسل ، ومنهن من تمتهن الشجار . ومنهن التي تكون عماد البيت ومنهن التي تندرج في ادنى الحضـيض، أما التي تكون بمثابة العمد في البيت ، فهي التي تكرم الضيف إذا جاءها من مكان بعيد أو قريب ، تفرش له سماط الطعام ، تطعمه وترويه وإن كان رب البيت غائباً ، وإذا أراد أن ينصرف صرفته كما استقبلته بعز وكرامة هذه هي من نسل عائشة وفاطمة ، وليبارك الله في أولادهن يا مولاي ، ولتكن لك قسمة من أمثالهن . أما تلك التي تقطع دابر النسل فإنها تنهض منذ الصباح الباكر ، وتلتهم كاللص تسعة أرغفة و وعاء لبن خاثر قبل أن تغسل وجهها، ثم تأكل إلى حد التخمة وتضع يمينها على صدرها داعية : سحقا لهذا البيت ! منذ أن تزوجت لم اشبع بطني يوما ، ولم يضحك وجهي قط . وما وجدت خفاً انتعله ولا خرقةً أغطي بها رأسي ، وتقول أيضا : عسى أن يقضي هذا الرجل لأتزوج بآخر غيره ، ليكن طالعي أحسن مما أنا فيه . ليمحق الله أمثالهن وليقطع ضناهن، وليبعدك من أمثالهن يا مولاي . أما وقد جئنا إلى تلك التي لا شغل يشغلها غير الشجار فهي تقوم الضحى من نومها، وتطوف أرجاء الهضبة دون أن تغسل وجهها، وتجزي وقتها إلى الظهر تتلصص هنا وتتسقط الأخبار هناك، تظل تدور هكذا تلاحق القيل والقال وتهتك سير الناس حتى تعود إلى دارها فتجد الكلب النحس والعجل المشاكس قد قلبا عالي البيت سافله حتى تحول إلى ما يشبه قن دجاج أو زريبة جواميس. فتصيح على جارتها : يا زليخة ! يا زبيدة! يا رويدة جان ! يا قيز جان! باشا ! اينا ملك ! قوتلو ملك! أنا لم اذهب لألحق بالموت ، ماذا لو كنتم تعتنون بداري إذ ليس لي مكان آخر أنام فيه غير هذه الزريبة ، ليتها هدمت . ثم تولول قائلة : أين حقوق الله أين حق الجار ؟ أدعو الله يا مولاي ألا يشب أولاد نساء مثلهن . أما تلك المرأة التي تتمرغ في أدنى درك من الحضيض هي إذا جاء إليهم ضيف قدير عابر سبيل وكان زوجها في البيت ، وقال لها : انهضي يا امرأة ! لا نريد خبزاً حارا لأنه لا يدوم ، بل هات لنا طعاماً لنأكل ويأكل عابر السبيل هذا معنا، فلا تستجيب لأمر زوجها ولا تسمع كلامه وإنما تقول : ماذا عساي أن افعل! فلا يوجد دقيق ولا منخل في هذا البيت والجمل الذي حمل الى الطاحونة لم يعد بعد .. ليهدم الله هذا البيت فوق رأسي ، وهي تضرب جنبها بكلتا راحتيها ثم تدير ظهرها إلى زوجها . فأمثال هذه النسوة يتصل نسبهن إلى حمار النبي نوح . ليحفظك الله يا مولاي من معاشرتهن ولا يدخلهن إلى دارك.

حكاية بوغاج خان إبن ديرسه خان

في يوم ما هب بايندرخان ابن كامغان (5) من مكانه ، واصدر أمراً بأن تنصب خيمته الشامية على وجه البسيطة، وتعلو قبتها الشاهقة إلى عنان السماء ، فبسطت الطنافس في ألف مكان. كان أمير الأمراء بايندرخان يدعو لإقامة مراسيم الاحتفال مرة كل سنة ، ويدعو إليها جميع أمراء الأوغوز فدعا هذا العام أيضاً إلى الاحتفال و أقام وليمة عامرة ، ذبح من الخيول كل فرس مطهم ، ومن الإبل ذكور الجمال ومن الغنم الكباش، ونصب خيمة بيضاء هنا، وخيمة حمراء هناك وفي مكان آخر خيمة سوداء ، وقال : من لم يخلف ولداً أو بنتاً فادعوه إلى الخيمة السوداء وابسطوا تحته لبادا اسود , وقدموا له شواء من لحم الضأن الأسود . إن أكل فليفعل وان أبى فليرحل عنا ، وقال: من رزق بولد فاسكنوه في الخيمة البيضاء، ومن خلف بنتا فاسكنوه في الخيمة الحمراء. أما من لم يرزق بالأطفال ، ولم يحطه الله تعالى بلطفه فليعلم أننا أيضاً لا نفعل ذلك معه . بدأ أمراء الأوغوز يحضرون تباعاً حتى اجتمعوا كلهم. وكان بينهم أمير يدعى ديرسه خان لم يرزقه الله بذرية. لنسمع يا مولاي ماذا أنشد الشاعر:

حينما تهب نسائم الفجر العليلة

وتغرد القبرة ذات العرف

عندما يؤذن المؤذن الطويل اللحية

وعندما ترى الأفراس البدوية أعنتها وتصهل،

حين يتبين الخيط الأبيض من الأسود

وتلقي الشمس أشعتها على الجبال ذات السفوح الجميلة

عندما يتصارع الأمراء الشجعان مع الأبطال

جاء ديرسه خان مبكراً مع أول الصبح في موكب يحيط به أربعون نفـر من رجاله الشجعان حتى وصل إلى ديار بايندرخان، فاستقبل رجال بايندرخان موكبه الأمير وجاءوا به الى الخيمة السوداء، وفرشوا تحته لباداً أسود، ثم قدموا له شواءً من لحم الضأن الأسود ، وقالوا : تلك هي أوامر بايندرخان أيها الأمير! قال ديرسه خان : ماذا اقترفت يداي حتى غضب بايندرخان عليّ ؟ هل تخلفت عن نصرته بسيفي ؟ أم انه يرتاب في جودي وكرمي ؟ لقد أجلس من هم دوني منزلة في الخيمة البيضاء أو الحمراء . هل أتيت بشائنة كي يأويني في خيمة سوداء ؟ قالوا : كذلك هو الأمر اليوم . وقد أصدره بايندرخان قائلاً : من لم يحطه الله تعالى بلطفه ولم يرزق بالأولاد ، نحن أيضا لا نفعل ذلك معه. فهب ديرسه خان من مكانه واقفاً وقال: انهضوا أيها الرجال لنرحل من فورنا. إنها إهانة كبيرة لي. ولا أدري هل أنا عاقر أم زوجتي . وجاء إلى بيته ، فنادى على زوجته منشداً . لنسمع يا مولاي ماذا قـال :

تعالي يا نصيبي في الدنيا ، وعمود داري

كأنك السرو عندما تتمايل في مشيك

خصلات شعرك تتشابك عند ركبتيك

حاجباك كأنهما قوسان مشدودان

فمك الصغير لا تقتحمه حبة اللوز

يا ذات الخدين الأحمرين كأنهما تفاحتا خريف

يا إمرأتي ، يا عمود داري يا مانحة الضنى ،

أما سمعت بما جرى لنا ؟

كان أمير الأمراء بايندرخان الشجاع قد أمر رجاله بنصب خيمة بيضاء في مكان ما، وخيمة حمراء في مكان آخر، وخيمة سوداء في مكان بعيد وقال : من خلف ولدا فاسكنوه في الخيمة البيضاء ، ومن خلف بنتا فاسكنوه في الخيمة الحمراء ، أما من كان عاقراً فاسكنوه في الخيمة السوداء وافرشوا له لبادا اسود ، وقدموا له حساءً من لحم خروف اسود . إذا قبل أن يأكل فليفعل وإن أبى فليرحل . فهذا العاقر الذي لعنه الله نحن أيضاً نلعنه. استقبلني مضيفوه وذهبوا بي إلى الخيمة السوداء ، وفرشوا لي لبـاداً اسود، وجاءوني بحساء خروف اسود وقالوا : اعلم أننا لا نرعى من لم يحطه الله بلطفه ولم يرزقه بذرية . ثم قال لزوجته : ما السبب يا امرأة اهو أنا ؟ أم أنت ِ؟ لم لا يرزقنا الله بولد نبيه ؟ ثم أنشد قائلاً :

أ أقوم الساعة إليك يا أيتها الأميرة

وامسك بخناقك ؟

أم أسحقك تحت أعقابي المتينة؟

هل استل سيفي الفولاذي الأصيل

وافصل به رأسك عن جسدك ؟

وأجعلك تدركين كم هي الروح عزيزة

أم أهرق دمك القرمزي على الأرض ؟

كي لا اصب جام غضبي عليك الآن

قولي لي يا سليلة الأمراء ما هو السبب ؟

فأنشدت زوجة ديرسه خان ، لنسمع ماذا قالت :

لا تغضب مني يا ديرسه خان !

هون عليك ولا تقس في الكلام معي

انهض الآن ومر رجالك

ينصبوا خيمتك الحمراء على وجه الأرض !

وليذبحوا الجياد والأفراس والجمال

ومن الغنم الكباش!

وادع أمراء الداخل والخارج من الأوغوز (6)

ليجتمعوا حولك!

إذا رأيت جائعا فأطعمه

وإذا صادفت مشردا عارياً فاكسهِ

وساعد المديون ليفك دينه .

إجمع تلاً من اللحوم

واحلب من حليب الأفراس ملء بحيرة

أقم وليمة وادع ربك أن يلبي حاجتك

فقد يأتي إلينا رجل دعاؤه مستجاب

فيرزقنا الله بسببه ولداً نبيهاً

أقام الأمير وليمة عظيمة نزولاً عند رغبة زوجه ، و دعى الله تعالى ليلبي حاجته ونحر الذبائح من الخيل والجمل والكباش حتى جمع جبلا من اللحم، وحلب من حليب الأفراس ما يملأ بحيرة . جمع أمراء قبائل الاوغوز . ثم صار إذا رأى جائعا أطعمه وإذا وجد عرياناً كساه وأخذ يمد يد العون لكل مديون لكي يمكنه من إيفاء دينه . فرفع القوم أيديهم تضرعاً ودعاءً إلى الله سبحانه وتعالى ليلبي حاجة أميرهم، فرزقه الله بولد استجابةً لدعوة داعٍ منهم صادق. حبلت السيدة وبعد مدة معلومة وضعت حملها ، وإذا به مولود ذكر فأودعته إلى بضع مربيات لتنشئته وإخفائه عن الأعين. يقال أرجل الحصان قوية ، ولسان الشاعر سلس ) وقيل أيضاً : ( ينمو الغلام ذو الفكين وتمتلئ جنباته ) .عندما بلغ الصبي الخامسة عشرة من عمره ، رحل أبوه إلى ديار بايندرخان ليحضر مجلسه . ومما قيل يا مولاي كان لبايندرخان ثور وجمل يعدان للقتال مرة في الصيف وأخرى في الخريف. لو نطح هذا الثور صخرة صلدة بقرنيه فتتها وجعلها هباءً منثورا . وكان الملك بايندرخان يخرج بصحبة أمراء الاوغوز للتمتع بمشاهدة فنون القتال. قيل انهم اخرجوا الثور في موسم الصيف وكان مربوطا بسلاسل حديدية يشدها من اليمين ثلاثة رجال ومن الشمال ثلاثة آخرين . وكان ابن الأمير ديرسه خان آنـئذ يلعب لعبة الكعاب (7) مع أترابه ، وهم ثلاثة فتيان من أبناء الأمراء. حينما افلت أصحاب الثور ثورهم وصاحوا بهم اهربوا ، هرب الفتيان الثلاثة ، أما ابن ديرسه خان فقد ظل واقفا في مكانه وسط الساحة المكشوفة وهجم عليه الثور فاستعد الفتى لملاقاته جامعا قبضته، وطوح بها إلى جبين الثور فارتد على دبره ، ثم هجم الثور ثانية فضربه الفتى على جبينه مرة أخرى ، واخذ يتدافع مع الثور على طول الساحة حتى أخرجه إلى ابعد طرف فيها. ظل الفتى يصارع الثور إلى أن بدت على الثور علامات التعب، اخذ ظهره يتعرق وأزبد حلقه وسال رؤاله. استمر الصراع هكذا من دون أن يحسم، لا الفتى ينهزم ولا الثور يصرع حينئذ فكر الفتى وقال في نفسه: كل خيمة تسند بعمود واحد وتظل منتصبة ، ثم أفلت الثور ومال عن طريقه. فاهتزت قوائم الثور ثم سقط ، فانكب عليه الفتى وذبحه بخنجره .

جاء أمراء الاوغوز فرحين ، أحاطوا به من كل جانب واثنوا عليه قالوا: ليأتي جدنا ده ده قورقوت ليطلق اسماً على هذا الفتى الشجاع لـكي يعـرف به الى الأبد، وليصحبه إلى أبيه ليمنحه لقب الإمارة وتولـيته .

فأتى جدي ده ده قورقوت وذهب بالفتى إلى أبيه وانشد قائلاً :

أيها الأمير ديرسه خان امنحه لقبا

واخلع عليه الهدايا فانه شجاع وذو فضل

أعطه جوادا بدوياً ذا رقبة طويلة

ليكون له ظهر يركبه فإنه فتىً رشيد

أعطه عشرة خراف من قطيعك

حلالا طيباً فانه فتىً كريم المحتد

وعشرة جمال ذهبية من حظيرة الإبل

لتحمل متاعه فانه شجاع

وأعطه خيمةً ذي قبة ذهبية

ليكون له ظل على الأرض فانه جواد

وأعطه ثوباً مزركش الكتفين

لكي يتأنق فانه فتى رشيد

وقال : ابنك هذا فتى شجاع أبلى في مصارعة الثور بلاءً حسناً على ساحة بايندرخان العظيمة ، وليكن اسمه ( بوغاج ) لأنه صرع الثور. أنا منحته اسما وليمنحه الله عمراً مديداً . فأغدق عليه أبوه العطايا ثم ولاه أميراً على قـومه. وعندما تولى الحكم نسي حاشية أبيه، فاشتعلت في صدورهم نيران الحقد والكراهية . اتفقوا فيما بينهم وقالوا : إذا أوقعـنا بين الفتى وبين أبيه ربما عمد الأب إلى قتل ابنه . وإذا حصل هذا الأمر زادت مهابتنا وعدنا مكرمين مقربين كما كنا في سابق عهدنا .

كانوا أربعين رجلاً فانقسموا إلى فريقين ، كل فريق عشرون رجلاً ، ذهب كل فـريق إلى جهة . جاء فريق منهم إلى ديرسه خان بخبر مفاده : لقد ظهر ابنك على حقيقته ، فتى ناكر النعمة غادراً ، إذ جمع حوله أربعون رجلاً وبات يغير على المناطق القصية من ديار الاوغوز ويعيث فيها خراباً. أينما صادف فتاة جميلة سباها . شجّ وجوه الشيوخ ونتف شعور النساء من أبناء جلدتنا . لطخ الشلالات ذات المياه الرائقة ، ودنس الجبال الشاهقة المنيعة ، ولا بد أن الخبر سيبلغ مسمع أمير الأمراء بايندرخان . فإذا قالوا له : هذا الذي يعيث في الأرض فساداً هو ابن ديرسه خان، حينئذ سيكون الموت افضل لك من الحياة. سيرسل بايندرخان بطلبك ويعاقبك اشد العقاب . ولد كهذا بم ينفعك ؟ لا يختلف الأمر سواء كان حيا أم ميتا ..اقتله! . قال ديرسه خان : إليّ به لكي اقتله! حينما قال ذلك ظهر الفريق الثاني من الأنذال وجاءوا إليه بفرية جديدة قالوا : ابنك هذا ولد عاق حقاً. لقد ذهب يوما إلى الصيد على الجبل دون استئذان برغم انك موجود ، فاصطاد فرائس وقنص طيور كثيرة ( ثم ذهب إلى أمه وبعد أن شرب اعتق أنواع الخمور اتفقا على أن يوقعا بك سيشيع الخبر على الجبال العارية الممتدة وسيطرق سمع أمير الأمراء بايندرخان. سيقول له الناس انه ابن ديرسه خان هو الذي يعيث في ديارنا خراباً ، ثم يستدعونك للمثول بين يديه ويطلبون إنزال أقصى العقوبات عليك. بم ينفعك ولد كهذا ؟ اقتله! . قال ديرسه خان : آتوني به كي اقتله ، فأنا في غنىً عنه ! فقال حراسه : كيف نأتيك به ؟ وهو لا يثق بنا ولا يصغي لكلامنا . قم الآن من مكانك واجمع رجالك الشجعان كما كنت تفعل فيما مضى من الأيام ، واذهب إليه ليطمئن إليك وأقنعه بمعسول الكلام ليخرج معك في رحلة صيد لمطاردة الفرائس واصطياد الطيور، هناك توجه سهمك إليه وتقتله. إن لم تقتله بهذه الطريقة فلن تستطيع التخلص منه بغـيرها .

حينما تهب نسائم الفجر العليلة

وتغرد القبرة ذات العرف

عندما ترى الجياد البدوية أصحابها وتحمحم

حين يرفع المؤذن الغريب الملتحي الأذان

عندما يتبين الخيط الأبيض من الأسود

وتتزين عروس الاوغوز الأصيلة

وحين تلقى الشمس نورها على الجبال ذات السفوح الصخرية الجميلة

وحينما يتصارع الأبطال الشجعان .

هب ديرسه خان ونهض من مكانه في الصباح الباكر، واصطحب ابنه وخرجا إلى الصيد يتبعهما أربعون فارساً. طاردا الفرائس ورميا الطيور بالسهام حتى جاء بضعة أنفار من أولئك الأنذال إلى الفتى وقالوا له : يقول أبوك ليطارد ولدي الأيائل وليمر بها من أمامي قبل أن يصرعها ، لكي أرى كيف يصول بحصانه وكيف يضرب بالسيف وكيف يوجه نباله لتقر به عيني وتكتمل فرحتى! كان الفتى غضاً لا يعرف ما يبيت له الأنذال ، كان يطارد الأيل يماحكه ويجيء به ليمر أمام أبيه ولسان حاله يقول : لير أبي فنوني في الفروسية ويفخر بي ويشاهد لعبي بالسيف ليفرح، وينظر إلى رمية سهامي لتقر عينه! جاء فريق من الأنذال الى الأمير ديرسه خان وقالوا : ارأيت الولد ، انه يطارد الأيل ويأتي به عمداً ليمر به من أمامك ، من دون كل هذه البرية الشاسعة، عسى أن يصيبك سهم طائش ليدعي بقـوله ، إنما كنت ارمي الأيل فأصبت أبي سهواً . اقتله قبل أن يقتـلك !. وبينما كان الفتى يطارد الأيل وهو منهمك في غدوٍ و رواح أمام أبيه تناول ديرسه خان قوسه الشديدة ثم وقف على ركاب جواده، سحب قوسه بأحكام ورمى سهمه فأصاب ابنه بين عظمتي اللوح في ظهره. سالت دماء الفتى غزيرة حتى امتلأ عبه ثم احتضن رقبة جواده ومن هناك سقط على الأرض. بدا ديرسه خان وكأنه يهم بأن يهرع الى الفتى نادماً على فعلته ، ولكن المحيطين به اعترضوا طريقه وأداروا وجهة الفرس فاضطر الأمير إلى أن يقوده باتجاه المعسكر. أما زوجة دير سه خان فقد هيأت الأضاحي من الخيول والكباش قولاً منها : هذه اول رحلة صيد يخرج إليها ولدي، وقالت: أمراء الآوغوز لا تكون رحلات صيدهم بلا عناء وبلا دماء . عليّ أن أهئ لهم الطعام و أسباب الراحة، فنهضت من فورها وتلفعت على نحو حسن وذهبت لاستقبال زوجها ديرسه خان ، هي ووصيفاها الأربعين . هناك رفعت نقابها ونظرت الى زوجها ، ثم طافت بناظريها يمينا وشمالاً علها تلمح ابنها فلم تجد له أثراً. تملكتها الدهشة ثم أوجست خيفة أخذت تحز شغاف قلبها. بعد ذلك اغرورقت عيناها بالدموع فخاطبت زوجها منشدة . لنسمع يا مولاي ماذا كانت تقول :

يا نصيبي من الدنيا ، ويا عمود داري !

يا صهر أبي الأمير

المحبوب لدى والدتي الأميرة

يا ديرسه خان الذي فتحت عيني على محيـاه ،

وتولهت به وعشقته منذ صباي !

نهضت مبكرا وخرجت إلى البرية

امتطيت صهوة جوادك القوقازي ذي العرف الأسود الجميل

وذهبت للصيد على الجبل ذي السفح الجميل

ذهبت وعدت فردا فأين ثنيـك ؟ أين ولـدي؟

أين الصبي الذي وجدته في أيامي السوداء ؟

ليت عيناي تقلعـان يا ديرسه خان

فانهما ترمشان بسوء

ليقطع العصب الذي رضع منه ابنك

فانه ينبض منذراً بسوء .

اخذ بدني يخدر كأنما لدغتني حية صفراء ،

لما غاب ابني الوحيد عن ناظري

نذرت وعاهدت الدراويش ذي الجبب السوداء

متى أرى جائعا أطعمه ، أو عارياً أكسوه

جمعت لحما بعلو التل ،

وحلبت من حليب الأفراس ملء بحيرة

وأرسلت إلى الوديان البور ماءً

وبعد عناء وتضرع رزقت بولد

فاخبرني يا ديرسه خان ماذا جرى لابني الوحيد

قل لي إن كنت قد طيرته عبر الجبال الشاهقة !

أو أغرقته في المياه الهادرة ، المتلاطمة !

قل لي إن كنت جعلته طعما للأسود والنمور !

أم تركته أسيراً في أيدي الكفار ذوي الغفارات السود !

لأذهب إلى أبي الأمير

وأتي بجيش جرار ، وخزائن ثمينة

واهجم على ديار الملاحدة المتوحشين

لن أتخلى عن ابني الوحيد

حتى اثخن بالجراح أو اسقط عن جوادي

وامسح دمائي بأذيال ثوبي

حتى اسقط على الأرض ويقطع جسدي

اخبرني يا ديرسه خان عن ابنك الوحيد

اخبرني الساعة فداؤك رأسي !

قالت ذلك وأجهشت بالبكاء .

مهما تضرعت زوجته فلم يحر ديرسه خان جوابا ، فتقدم رجل من الأنذال الأربعون إليها وقال : ابنك سليم معافى ما زال في الصيد ، غداً في الصباح الباكر سيأتيك أينما كان لا تخافي ولا تقلقي، أما الأمير الشيخ فقد افرط في شرب الخمر ولا يستطيع أن يجيب. عادت زوجة ديرسه خان أدراجها ولكنها لم تستطع الانتظار الى الغد فركبت ظهر جوادها البدوي واصطحبت جواريها الأربعين وانطلقت للبحث عن ابنها . جاءت الى سفح جبل قازيليك (9) الشاهق الذي لا تذوب ثلوجه في الشتاء ولا في الصيف ، طافت أولى المرتفعات ثم أخذت تصعد إلى السنن الصخرية الشاهقة وما راعها إلا أن رأت أسرابا من العقبان والغربان تحوم في فضاء واد سحيقٍ ، يهبط بعضها إلى بطن الوادي ثم يطير عالياً، والبعض الآخر في صعود ونزول . قادت زوجة ديرسه خان جوادها البدوي مسرعة إلى ذلك الاتجاه.

أما ما كان من أمر الفتى يا مولاي ، فقد كان ممدداً على الأرض مضرجاً بدمائه والعقبان التي أغرتها رائحة الدم كانت على وشك الانقضاض على الجسد المسجى لولا كلبان من كلاب الصيد كان الفتى يملكهما ، كانا يذودان عنه. حينما سقط الفتى هناك أول مرة وانفض الآخرون عنه جاءه ( الخضر) ذو الجواد الأشهب ومسح على جرحه ثلاثاً وقال : لا تخف يا بني ليست لك ميتة بهذا الجرح . فأزهار هذا الجبل وحليب أمك هي المرهم الشافي لجرحك. قالها وغاب. بلغت الأم الموقع الذي فيه ابنها ، فوجدته ثمة مضرجاً بدمائه . صاحت بأعلى صوت تناشده . لنسمع يا مولاي ماذا أنشدت:

افتح عينيك السوداوين لئلا تذهبا في غفوةٍ طويلة

لملم شتات نفسك وتمالك جوارحك

فالروح التي حباك الله بها عادت

بعد أن رفرفت فوقك ونظرت إليك من عل

إن كانت روحك قد عادت إليك يا بني

فاخبرني أفديك بروحي البائسة يا ولدي!

لماذا تسيل مياهك الساقطة يا جبل قازيليك

لتجف إذاً !

لتتيبس أعشابك يا جبل قبل أن تنبت !

لتتحول ضباؤك القافزة إلى أحجار!

لا أدري يا بني هل صادفك أسد أم نمر ؟

أين كان القدر يخبىء لنا كل هذا ؟

أن كان في بدنك شيء من رمقٍ فأجبني !

لتفدك روحي البائسة يا ولدي !

تناهى إليه صوت أمه كأنه آت من بعيد ففتح عينيه المغمضتين وتفرس في وجهها وقال . لنسمع يا مولاي ماذا قال :

تعالي يا سيدة النساء ، يا من رضعت حليبها النقي !

يا أمي القديرة ذات الجديلة البيضاء (10)

لا تتهمي المياه الساقطة

فمياه جبل قازيليك لا ذنب لها

لا تتهمي الضباء المتقافزة

فجبل قازيليك لا ذنب له

لا تعنفي اسوده و نموره

فجبل قازيليك لا ذنب له

إن كان لابد أن تتهمي وتلومي أحداً

فأفعلي ذلك مع أبي فهو المذنب .

ثم قال الفتى: لا تحزني يا أماه فأنا لن أموت بهذا الجرح . لقد جاءني الخضر ممتطيا جواده الأشهب ومسح على جرحي ثلاثاً ، وقال ميتتك ليست بهذا الجرح . وعلاجك هو مرهم يعمل من أزهار الجبل وحليب أمك. هرعت الجواري لما سمعـنه ، لجمع أزهار الجبل . أما والدته فقد أخذت تعـصر ثديها مرة فلم يدر ولو قطرة واحدة . عاودت الكرة ثانية فلم يدر، وفي الثالثة ضربت ثديها بغيظٍ وعصرته بشدة ، تدفقت بأثره خلطة من لبنٍ ودم . مزجن الخلطة مع رحيق أزهار الجبل ووضعنه على جرح الفتى ثم حملنه على الحصان وجئن به إلى البيت سراً . سلمنه إلى الحكماء بعيداً عن عيون ديرسه خان . كما يقال يا مولاي ( إن أرجل الحصان قوية ولسان الشاعر سلس ) تماثل الفتى للشفاء في أربعين يوم واستعاد كامل قواه، وصار قادراً على ركوب الخيل ، والمبارزة بالسيف والخروج إلى الصيد أما ديرسه خان فلم يكن يدري بما جرى لأبنه وكان يظن إنه في عداد الأموات .

سمع الأنذال بالخبر وتشاوروا فيما بينهم : ماذا نفعل ؟ إذا شاهد ديرسه خان ابنه سيقتلـنا عن بكرة أبينا . تعالوا نأسر ديرسه خان ، نربط كلتا يديه خلف ظهره، ونلف حبلا من شعر الماعز حول رقبته ونقتاده معنا رهينة إلى ديار الملاحدة . امسكوا به وشدوا وثاقه ولفوا حبلا حول رقبته ثم انهالوا عليه يضربونه حتى أضرج بدنه ، ثم اقتادوه راجلاً وهم ركوب على خيولهم ، واتجهوا إلى ديار الملاحدة البعيدة .

لم يكن أمراء الاوغوز على علم بوقوع ديرسه خان في الأسر. حينما سمعت زوجته بخـبر وقوعه في الأسر جاءت الى ولدها وخاطبته وجها لوجه . لنسمع يا مولاي ماذا قالت :

هل سمعت ما حدث يا بني ؟

الصخور الصماء لم تتزلزل ولكن الأرض ثقبت،

تكالب الأعداء على أبيك بينما لا يوجد عدو في ديارنا.

أصحاب أبيك الأنذال أخذوه أسيراً

شدوا يديه خلف ظهره

لفوا حول رقبته حبلا اسود

اقتادوه راجلا وهم على صهوات الخيول

ذهبوا به إلى ديار الملاحدة البعيدة

انهض الآن يا ولدي الأمير

واذهب مع فتيانك الشجعان لإنقاذ أبيك

هيا امض يا ولدي

إن كان أبوك قد أساء إليك فلا تسء أنت إليه

لبى الفتى نداء أمه بحزم واخذ سيفه الفولاذي الأصيل وقوسه الشديد ذي المقبض الأبيض وحمل كنانة النبال الذهبية على كتفه. امتطى جواده البدوي ومعه رجاله الأربعون وانطلق للبحث عن اثر أبيه . فلحق ( بوغاج خان) بالأنذال وكانوا قد عسكروا في مكان ما وشربوا أعتى الخمور فقال قائل منهم عندما شاهده : الرأي أن نمسك بذلك الفارس وهو في غفلة من أمره لكي نبيعه مع أسيرنا هذا في بلاد الملاحدة . قال ديرسه خان: الأمان يا رفاقي الأربعين! استحلفكم بالله الذي لا شك في وحدانيته ان تحلوا وثاقي، وتعطوني قيثارتي لأبعد هذا الشاب عن طريقكم. دعوه يذهب في حال سبيله ، ولكم ما شئتم تقتلوني أم تذهبوا بي حياً حيث تشاوؤن . فكوا قيوده وناولوه قيثارته وهو لا يدري أن هذا الشاب هو ابنه . وقف هنالك واخذ في الإنشاد . لنسمع يا مولاي ماذا انشد :

تلك الجياد البدوية ذات الرقاب الطويلة ، الذاهبة هي لي

ان كان لك فيها جواد أيها الباسل

فخذه وعد من حيث أتيت من دون قتال !

آلاف الخراف التي نهبت من مراعيها ، هي خرافي

إن كانت لك فيها نعجة سمينة خذها وعد من حيث أتيت من دون قتال !

الجمال الذهبية المسروقة من حظائرها هي جمالي

إن كان لك فيها جمل محمل بكل متاعه

خذه وعد من حيث أتيت من دون قتال

إن كانت الخيام ذات القبب الذهبية نهبت فهي خيامي

إن كنت تملك فيها غرفة واحدة

خذها وعد من حيث أتيت من دون قتال !

البدور ذات العيون الشهل اللائي سبين فهن عرائسي

إن كانت محبوبتك بينهن أيها الشجاع

أعطيك إياها ، خذها وارحل من دون قتال !

إن كان ثمة شيوخ ذوي لحى بيضاء !

يؤخذون عنوة فهم مثلي أنا

إن كان لك أب ذو لحية بيضاء هنا

فأنقذه وعد من حيث أتيت من دون قتال

أما إن كنت جئت من اجلي فلا تأسف لحالي

أنا من قتل ابنه فعد أدراجك أيها المقدام !

هنا انطلق الفتى مخاطبا أباه لنسمع يا مولاي ماذا قال :

الجياد البدوية ذات الرقاب الطويلة

إن كانت ذاهبة فهي لك ،

ولكن لي فيها ما أركبه ، ولن ادعه للأنذال !

الجمال الذهبية المسروقة من حظائرها هي لك

ولي فيها جمل احمله متاعي ولن ادعه للأنذال !

آلاف الخراف التي نهبت من مراعيها هي لك

لي فيها خروف سمين لن ادعه للأنذال !

إذا قدر للبدور الحسان أن يسبين فهن منك

لي بينهن محبوبة ، لن ادعها للأنذال !

الخيام ذات القبب الذهبية التي نهبت هي لك

ولي فيها غرفة واحدة، لن ادعها للأنذال !

إذا وقع الشيوخ ذوي اللحى البيضاء في الأسر

لي بينهم رجل فقد رجاحة عقله

وأضاع حكمته وهو أبي ، فلن ادعه للأنذال !

فأومأ الفتى إلى رجاله فانطلقوا جميعا بجيادهم واجتمعوا حوله ، ثم أغاروا على الأنذال. نشبت معركة حامية الوطيس بينه وبين الأنذال ، قتل الكثير منهم ووقع من تبقى منهم في الأسر. وهكذا أنقـذ الفتى أباه واستعاده . هنا أدرك ديرسه خان مدى أصالة ابنه . أما أمير الأمراء (بايندرخان) فقد خلع عليه الهدايا وأمر بتوليته ، ثم جاء جدي ( ده ده قورقوت ) لينشد ويقرض الشعر، فروى هذه الحكاية ونظم أشعارها قال :

أولئك الرجال جاءوا إلى هذا العالم و رحلوا

حطوا الرحال مثل قافلة ثم رحلوا

عاجلتهم المنية وأخفتهم الأرض

وظلت هذه الدنيا الفانية مثلما هي ...

عندما يحل الأجل الموعود ليكن لك فيه متنفس

وليباركك الله في دولتك المزدهرة

وليكن الرب الذي عظمته في ثنائي خير ناصر لك

ادع الله يا مولاي

ألا تزلزل جبالك الشاهقة الراسية

ألا تقطع شجرتك العظيمة الوارفة الظلال

ألا تنضب مياهك الرائعة التي تجري كسيل هادر

ألا تتكسر قوادم جناحيك الواسعين

وألا يتعثر جوادك الأشهب حين الكر !

ألا ينثلم سيفك الفولاذي العظيم عندما يشتد الطعان

وألا يلتوي رمحك عندما يحمي وطيسها

وان تكون الجنة مكانا لأمك ذات الظفيرة البيضاء

وليسكن الله أباك فسيح جناته

ليظل مصباحك الذي أوقده الحق مضيئاً أبداً ،

وألا يجعلك الله في حاجة إلى الأنذال يا مولاي .
وهذه القصة للكاتب العراقي جلال بولات وهو
جلال بولات من مواليد 1954 بغداد. عمل في جريدة يورد التركمانية 1974-1976 . تخرج من معهد الفنون الجميلة / بغداد 1976-1977 . قاص وشاعر تركماني له مجموعة قصصية ( حطام قلب) ورواية بعنوان ( في ظلال النار ) نشرت كاملة وعلى شكل فصول في جريدة ( يورد ) عام 1978 ترجم روايـة ( الأرض حديد ، السماء نحاس ) للكاتب التركي ( يشار كـمال ) ونشرت في جزأين ضمن منشورات دار المأمون للترجمة والنشر - بغداد 1991
والقصة مأخوذة من موسوعة تركمان العراق