يعيش المخلل...والحمص...والفلافل

ويعود السبب أنني عندما كنت طفلاً، عرفت لاول مرة عن مأساة فلسطين من الاذاعة السورية، حيث كانت تبث الاغنية التي غنتها ام كلثوم وكتبها المرحوم نزار قباني، وتقول كلمات الاغنية :
الى فلسطين خذوني معكم
الى ربى حزينة كوجه مجدلية
الى القباب الخضر والحجارة النبية
اصبح عندي الان بندقية
الى فلسطين خذوني معكم
هذه الاغنية واغنية السيدة فيروز عن اجراس العودة الى القدس، عرفتاني عن القضية الفلسطينية، واعلمتاني ان هناك حق مغتصب لا مساومة عليه واسترداده يتم بالمقاومة.
كنت طفلاً اردد أغنيتي ام كلثوم وفيروز وكلي حماسة ، الى درجة انني كنت اسأل نفسي عن كيفية تأمين بندقية .
كبرت الايام فينا وفهمت القضية الفلسطينية والعدوان المنهجي على العرب . والحقوق المغتصبة من أراضٍ وأعراضٍ .
وبدأت المس التحول المنهجي من حقوق مغتصبة وسليبة ، والمقاومة ونشرات الاخبار التي ينقل فيها المذيع العمليات التي يقوم بها الفدائيون في اشتباكات مع العدو الصهيوني في "الاراضي المحتلة" وكانت تنتهي دائماً بـ "وعادت الى قواعدها سالمة" .
ثم رويداً رويداً بدأت تتسلل الينا من الجوار كلمات غريبة عنا، مثل التطبيع والمعاهدات ومكاتب التمثيل التجارية وغيرها . كما بدأنا على الاقنية الفضائية نسمع آراء سياسيين عرب ونجد بالمقابل أراء "الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية" و مرة ثانية "ناطق وزارة الري الاسرائيلية" وثالثة "الناطق باسم وزارة التجارة و ......." حتى الناطق باسم وزارة السوكوسوكو.
منذ عدة ايام نقلت الينا وسائل الاعلام المتعددة من المسموعة والمرئية وتلك التي ينقلها الحمام الزاجل عن الفتح المبين والانتصار المذهل الذي سبقه الاعداد الجيد والدراسة المتأنية لاستعادة لبنان لأبوة صحن الحمص، وانتصارها بذلك على اسرائيل، كما ان القائمين على هذا الانجاز الكبير الذي يذكرنا بفتح الاندلس، يعدون العدة " لبطح " اسرائيل بالضربة القاضية من خلال اعدادهم لاكبر عجينة فلافل.
الحمد لله ثم الحمد لله الذي سهَل لنا الاسباب التي جعلتنا ننتصر على اسرائيل، بهذا الانتصار "المبهدل" ، وعلت الزغاريط من حناجر النسوة ، ورفرفت الاعلام فوق حلة الحمص ، وابتهج الجميع بخبث ميكيافيلي نتيجة وضعهم اسرائيل " بخانة اليك ".
منذ عشرة سنوات كنت احضر مؤتمراً في قبرص اقامه مجلس كنائس الشرق الاوسط، وكان من بين المشاركين البروفيسور كامل ابو جابر وزير خارجية الاردن ورئيس الوفد الاردني الفلسطيني المشترك الى مؤتمر مدريد، مساء كنا نلتقي مجموعة مع بعضنا البعض ، حيث اخبرنا مرة أن الاسرائيليين قدموا مقترحا لتقسيم المسجد الاقصى بين المسلمين واليهود الذين يسمون حائط البراق بحائط المبكى ، ولدى عرضهم المخطط تبين ان بناء معيناً (لا اتذكر ما هو) سيقع وفق هذه المخططات في الجانب الاسرائيلي ، فما كان منهم الا ان قدموا مخططات هندسية تنفيذية لكيفية نقل البناء من موقعه الحالي الى القسم العربي .
وانا كمهندس اعلم تماماً ما تعنيه مخططات تنفيذية ، من دراسة اولية ونهائية والزمن اللازم لانجاز هذه الدراسات.
هم يعلمون تماماً الرفض القاطع الذي سيلاقيه هكذا مشروع، ومع ذلك يدرسونه تماما بأدق تفاصيله ، ويتركون لنا ربح معركة الحمص والفلافل.
سيادة المطران ايلاريون كبوجي المحترم، الم يكن من الاجدى بك بدل السلاح الذي كنت تنقله الى المقاومة الفلسطينية والتي تم حبسك لاجل ذلك اربعة اعوام تقريباً، ومع ذلك لم ننتصر مثل هذا الانتصار المدوي التي تناقلته وسائل الاعلام ، الم يكن افضل - منذ السبعينات - لو انك ساعدتنا وهرَبت الافكار الصهيونية حول التركيبة السرية لعجينة الفلافل والخلطة السحرية للحمص ، وكنا لن ننتظر اربعين سنة حتى نصل بعد طريق طويل الى الانتصار عليهم بالحمص والفلافل.
يعيش المخلل يا، يعيش يعيش يعيش.