القانون في الشرق القديم

انحدر من الشرق القديم تراث طويل من القوانين التشريعية، دخلت العدالة في الممارسة

اليومية للسلطة كواحدة من وظائفها الأساسية، ضمانة توازن العالم. ضمَّت مجموعات

القوانين مبادئ تُطبَّق على مجمل الرعايا، رغم أن القانون لم يكن هو نفسه بالنسبة

للجميع.

ذكر أقدم النصوص ضوابط ( معايير) تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، سطّر ملوك تلك

العصور أوامرَ خاصة بالمسائل القضائية التي تتعلق بإدارتهم، وقد عثر على نصوص طويلة

في محفوظات «أورو - انمكينا» Uru - Inimgina، آخر ملوك أسرة دولة «لكش»، في

بلاد «سومر»، وتعود في تاريخها إلى نحو 2350، وتوضح ما يمكننا فهمه من الطريقة

التي كان يضع بها العاهل القاعدة، عندما كانت أسرة «لكش» تشارف على نهايتها، بدا

أن أعمال القمع التي مارسها الأقوياء على الضعفاء قد صارت ممارسات شائعة إلى درجة

أن «أورو - أنمكينا»، الذي لم يكن ينتمي إلى سلالة الأسرة، أراد أن يتميَّز عنها بأن بدأ

حكمه بمجموعة إجراءات، وكي يبررها، استند الملك إلى وصفٍ للتجاوزات السابقة التي

كانت تثقل كاهل سكان الدولة وأعطى أمثلة عليها، مثل « الحَبَّ، الكهنةُ يوزعونه على

رجال الأمير «، وهو ما يوضح استعباد السكان لصالح المعابد والقصر، كانت الاقتطاعات

القسرية تمارس فيما يخصُّ ماء الآبار وثمار الأشجار على حد سواء: «يسرق كاهنُ المكان،

من بستان أم الفقير، أشجارَها ويسلبها ثمارَها». أخيراً، شرح الملك أن الإله «ننكرسو»

Ningirsu، كبير آلهة دولة » لكش»، وقد مكّنه من السلطة، استطاع تصحيح الضوابط

السابقة، فعزل ناظِري مخازن الحبوب وكل من يقتطعون شيئاً من نتاجات الشعب

كلها. «على فرض أن أحد رعايا الملك وُلد له حمارٌ وأن سيده قال له، ، أريد أن أشتريه،

، ، ففي حال أنه سيشتريه، فليقل له، ، ادفع نقداً، ، ، وفي حال أنه لن يشتريه، لا (

يجب) على السيد [... ] »، أو أيضاً: «على فرض أن منزل أحد الكبار يقع قرب منزل أحد

رعايا الملك وأن هذا الكبير قال، ، أريد أن أشتريه، ، ، ففي حال أنه سيشتريه، فليقل

له، ، ادفع نقداً، ، ». هذه النصوص هي النماذج الأقدم دون شك عن الضوابط التي أُقرَّت

بغرض العدل كي تُطَّبق على الجميع، يُسِنُّ العاهل القانون بمقتضى السلطات الممنوحة له

من جانب إله الدولة، لكن القوانين لا يمليها الإلهُ على الملك.

كُتبت بعد ذلك، بالسومرية، شريعةُ «أور - نامو» Ur - Nammu ( 2111 - 2094)، ملك

سلالة «أور» الثالثة، وشريعة « ليبيت - عشتار»Lipit - Eshtar، ملك « إيسن « ( 1936 -

1926). وخلافاً لقوانين «أورو - أنمكينا»، التي وردت قواعدها ضمن إطار أوسع، وترِد

أمثلتُها المنَّوه عنها لشرح وضع سابق، ومن هنا التمني باستبدالها، تعتبر شريعة «أور -

نامو» نموذجاً حقيقياً، حيث تُعرَض القوانين ليس على شكل نص عام، بل على شكل لائحة

حالات. نعرف سبعة وثلاثين من قوانينها، وكذلك مقدمتها، المكرَّسة لتمجيد الملك والآلهة

الذين تستمَد منهم السلطة وواجب العدالة. يعمل الملك أساساً بقوة الإله الكبير، إله

القمر «نانا» Nanna، إله مدينة «أور»، من أجل توطيد «الإنصاف في البلاد» و« استئصال

الفوضى والظلم»، فيتَّخذ تدابير عادلة من أجل حماية الضعفاء: الأرامل، واليتامى،

والفقراء. وكما هو الحال في قوانين أحدث زمناً، يبدو الاتهام الكاذب أنه كان مخالفةً

خطيرة للقانون. أما شريعة «ليبيت - عشتار»، الأحدث زمناً بعد عشرات من السنوات، فهي

مجموعة أمثلة أو حالات، وهذا النص معروف على شكل رُقم، تقول مقدَّمتها:

«عندما عيّن الإلهُ الكبير آنو، أبُ الآلهة ( و) إنليل، ملكُ المقاطعات كلها، السيدُ الذي يُحدِّد

الأقدار [... ] حدودَ إيسن [ و] الإله آنو أقاما فيها [... ] عندما ليبيت - عشتار، الراعي

المطيعُ، ناداه نونامنير Nounamnir، من أجل أن يقيم العدلَ في البلاد [... ] ليُحطِّم بالقوة

الخبثَ والشر، من أجل [ أن ينشر ] الرفاهَ في سومر وأكاد، آنو وإنليل دعَيا ليبيت -

عشتار إلى حكْم البلاد [... ] بأمر إنليل، العدلَ في سومر وأكاد أُقيمُ [... ] ».

أفضت هذه الشرائع الثلاث، التي يمكن أن نضيف إليها شريعة «دادوشا» Dadusha،

ملك «إشنونا» Eshnunna، الذي انتهى حكمه نحو 1780، والمكتوبة باللغة الأكادية، إلى

واحد من الأعمال الأساسية في تاريخ التشريع: شريعة « حمورابي ». هذه المجموعة

الشهيرة هي ثمرة النشاط القضائي للملك، غير أن بعض المقاطع هي ترجمات بالأكادية

لنصوص الشرائع السومرية السابقة، خصوصاً نص «أور - نامو» و«ليبيت عشتار». لم تكن

هذه المجموعات كلها شمولية، حيث بقي العرف المصدر الرئيسي للقانون في الشرق

الأوسط القديم.

قانون القصاص العقابي

تقول المادة 196 من قانون «حمورابي»: «إذا فقأ أحدهم عين إنسان حر، تُفقأ عينه ».

وعقب عرض «إذا فقأ احدهم عين... »، تقدم المادتان 198 و199 اختلافاتٍ بالقياس مع

المادة الأساسية، 197: هنا، على التوالي عيْن مشكينو ثم عيْن عبْدٍ ( كان المجتمع يتألف

من ثلاث فئات بحدود محكمة نسبياً: الأحرار، والمُشكينو mushkenu والعبيد). يختلف الحكم

المنطوق في قانون «حمورابي» وفقاً للطبقة الاجتماعية ولا يطبق قانون القصاص العقابي

( العين بالعين...) إلا فيما يتعلق بأناس أحرار، أما فيما يخص الفئتين الاجتماعيتين

الأخريين فيجب تقديم التعويض المادي عن الضرر، وفي حالة العبد لا يُعطى المال للعبد

المصاب بالعاهة بل إلى مالكه، إن قانون القصاص العقابي هو دون شك شكل أولي من

العدالة مشترك بين شعوب عديدة يتيح تحديد العقوبات بجعلها متوافقة مع الضرر الحادث،

وتظهر مع ذلك في المصدرين هنا المحاولات نفسها الرامية إلى تخفيف المبدأ بمحاولة

اللجوء إلى عقوبة بديلة: التعويض المالي عن الضرر.

اليمين

غالباً ما يُحيل النص في قانون «حمورابي» إلى اليمين ( القسَم) الذي يقوله المتَّهم أمام

الإله؛ يضمن له هذا اليمين إمكان استعادة حريَّته أو تبرئته ( في حال عدم إمكان تقديم

براهين الاتهام). مثلاً، تقول المادة 103: «إذا سرق عدوٌ، خلال الطريق، شيئاً كان يحمله

الأمين [ المؤتمَن عند الغير ]، يُقسم هذا بالإله فيُعفى».

شكَّلت الأخلاق في «بابل» جزءاً من الدين، ويُعبِّر «حمورابي» في مقدمته عن تبعية عمله

التشريعي الديني وعمله الملكي كمرشد للشعب. وهكذا، كان القانون المعياري يعطى

لشخصية هامة من الناحية التاريخية، شخصية مؤثرة وفاعلة بدافعٍ من نفحة إلهية. إن

ممارسة الشريعة هي منحة من عالم الآلهة لشخصية مكلفة بالارتباط والحفاظ على النظام

الذي شاءته الآلهة. يتلقى قائد الشعب مباركة إلهية؛ يتم اختياره ويتلقى من دائرة الآلهة

وظيفة العدالة التي يجب عليه أن ينشرها ويعمل على احترامها والالتزام بها. تؤمن أعماله

الموزونة والمنصفة النظامَ الملكي، وتشكِّل بطريقة ما ضمانةَ استقرار الكون.

من جهة أخرى، لا نعرف للأسف، فيما يتعلق بهذا الموضوع، سوى القليل من الأشياء عن

تقاليد «أوغاريت». لم يعثر، بين مجموع نصوص «أوغاريت»، رغم تناولها الكثير من

مختلف الأجناس، إلا على قليل جداً من وثائق ممارسة القانون.

كتاب الموتى المصري والتعاويذ البابلونية

«كتاب الموتى» Le Livre des morts المصري ( نصوص مدونة على ورق البردي كانت

تُوضع نسخة منها بين ساقي المومياء) هو أدبٌ أمكن أن يُقارَن استعمالُه باستعمال

التعويذة، حيث أنه يتيح للميت أن يشق لنفسه طريقاً في العالم الآخر. يُمكِّن هذا الكتاب،

الذي يضم مئة وعشرين فقرة، الميتَ من دخول حجرة الحساب، حيث يقرر «أوزيريس»

مصيرَه. وقبل التمكُّن من الوصول إلى قاعة الحكم على الميت أن يتحرَّر من الشر وأن يضع

لهذه الغاية لائحةً بما ينفي أنه اقترفه: «لم أقتل. لم أرتكب الزنى»، ثم يخلص إلى

المناداة ببراءته. يتوجَّه بعد ذلك إلى قضاة آخرين يقيمون مع «أوزيريس» ويقدم لهم لائحة

أيضاً بالأخطاء التي ينفي أنه ارتكبها: «لم أسرق... ». أخيراً، ينهي مؤكداً: «أعطيت

الجائعَ خبزاً. أعطيت الظمآن ماءً. ألبست العريان ثياباً ».

في «بابلونيا»، نجد شيئاً مما يوافق ذلك في نصوص مجموعات التعويذ exorcismes،

خصوصاً تلك التي عثر عليها في محفوظات «آشوربانيبال». يعاني مريض من وجع ألَمَّ به

عقب إساءة ارتكبها، يبحث عن كاهن ليحرره منها، ويطلب الكاهن من الآلهة ( يناشدها)

معرفة ما هي المخالفة المرتكبة التي تُسبِّب مثل هذا المرض للعليل، ونعثر بشكل خاص

على ما يلي بين مئات القضايا الأخلاقية بشكل خاص:

«هل أساء إلى إلهه أو إلى إلاهته؟ هل رفض حيث كان عليه أن يرضى أو رضي حيث كان

عليه أن يرفض؟ هل حرّض الابنَ على الأب؟ هل حرض الأبَ على الابن؟ هل حرض صديقاً على

صديق؟ رفيقاً على رفيق؟ هل خالف فأخلى سبيل سجين أو أفرج عن أسير؟ هل قال نعم

حيث كان عليه أن يقول لا؟ هل تكلم بطريقة قذرة؟ هل دخل بيت جاره؟ هل عاشر امرأة

جاره؟ هل سفك دم جاره؟ هل سرق خيرات جاره؟».

تاريخ هذه الرقُم حديث نسبياً، ولكن يبدو أنها تُعبِّر عن قانون أخلاقي يمكننا على

الأرجح أن نجد جذورها في الألفية الثانية، في نفس زمن كتب الموتى المصرية الأولى

-----------------------------------------

De Sumer À Canaan

المؤلفة: Sophie Cluzan