بعل حدد

مقدمة

إن آلهة الأرض والسماء ما هي إلا رموز شعرية لحيرة الإنسان في تفهم هذا الكون

شاعت تهجئة اسم إله العاصفة الأوغاريتي بشكل (بعل حداد) في الكثير من المؤلفات العربية إلا أن البحث في أصل الاسم باللغات الأوغاريتية والآرامية والعبرية والتي يوجد فيها حرفي الهاء والحاء، يحتم كتابته بالهاء (هداد)
إن عودة الشخصية الإلوهية(بعل هداد) إلى المعرفة التاريخية،بعد اكتشافات رأس شمرة، يعتبر برأي المؤلفين، من أهم الأحداث الفكرية في هذا القرن، فقد كشفت الأساطير في أوغاريت أن (البعل هداد) هو ذاته الإله الكوني المعروف في العالم القديم، حيث كونت عبادته الشخصية الدينية للأقوام التاريخية في الهلال الخصيب وأقوام أخرى في محيطهم
يدرس الكتاب عبادة (بعل) من عدة نواحي
الفصل الأول: يظهر انتشارها الجغرافي الواسع
الفصل الثاني : صفات (بعل) المتمثلة في سيطرته على قوى الطبيعة العاتية والمدمرة، وهو القوي الذي يحارب الشر والفوضى
الفصل الثالث :صفات (بعل-هداد) الإخصابية حيث يتحكم بالمطر
الفصل الرابع : الصفة القيامية لبعل
الفصل الخامس :عبادة (بعل) في الكلاسيك
الفصل السادس: علاقة (بعل) بيسوع
السابع: ديمومة (بعل) في الدين الشعبي

إله العاصفة في الأسطورة والتاريخ
أسماء الإله:أول ذكر محدد لإله العاصفة كان في نصوص فارا / شوروباك السومرية من حوالي 2500 ق.م بالرمز(دينجر إم ) "إله العاصفة " ثم (أشكور) كما في نقش جوديا 2030 ق.م و(مر) حيث يرد في الكثير من الأسماء المركبة في سلالة أكاد 2350-2270 ق.م وسلالة أور الثالثة 2030- 2140 ق.م والذي شاع في ماري زمن زيمريليم 1730- 1700 ق.م مقروناً بالإله (داجن) ، كذلك (انبيلولو) في الزمن البابلي و(تيشوب) الذي استعاره الحثيون من الحوريين، أما التسمية( هدد) فهي ترد في الأسماء المركبة في سلالة أور الثالثة وقد يلفظ (أدّو) كما في رقم ماري، أو(أدّا) كما في رقم الالاخ وتل العمارنة،أو (هدّو و هدّا ) في لغات غرب الهلال الخصيب،أما نصوص أوغاريت فهي تستخدم (هد - هدد - ادد ) وفي نقش من زنجرلي (هدد) وفي الآرامية المتأخرة نجد العنصر(هد) في الكثير من الأسماء(هدبعد- هدعدر- مرءهد )وفي الكتابات الكلاسيكية يرد الاسم بالصيغ(ادد- ادودوس- ادادو- اداد)
ويمكن تعليل أصل لفظة(هدد) من الجذر هدّ الذي يحمل في اشتقاقاته معنى التحطيم أو الضجة العالية ومنه -اشتقاقاً - هدّة وهي الرعد الذي يعتبر من أهم مميزات إله العاصفة

إله العاصفة في شرق الهلال الخصيب:
ارتقى (ادد) تدرجياً في الترتيب الإلهي السومري وحاز على مهام وصفات الآلهة الأخرى، وهذا مما يرجح كونه إلهاً غريباً،ومع حلول الفترة البابلية القديمة وتنامي شعبيته حاز على لقب ابن (آنو) واعتبر اسمه اسماً أخر للإله (مردوك) وصور بكثرة على الأختام الأسطوانية محاطاً برموزه الصاعقة والثور وأحياناً الأسد والتنين،وفي الفترة الأشورية شاعت صورة (ادد) القوي الناصر،حيث نافس(أشور) و(شمش) في المكانة كما يدل تزايد عدد الأسماء الحاوية لجذر ادد، هذا وقد أبرزت الأعمال الفنية مزاياه وخصائصه كإله مقاتل ممسكاً بشوكة الصاعقة(ذات شعبتين أو ثلاثة) أشهر الرموز على هويته، وقد صور أيضاً بقرون حاملاً باليد الأخرى فأساً، كما أنه ألبس ثوباً طويلاً ورافقه الثور في الفترة البابلية، وثوباً قصيراً يرافقه تنين في الفترة الأشورية.وقد شيدت له معابد عدة لعل أهمها في بيت كركر الغير مكتشفة حتى الآن وكذلك في بابل و بورسيبا و دلبات و دريهم و لارسا و بدّا ومدينة أشور و إكالات وكلخ- نمرود واستمرت عبادته في أوروك من الألف الثالثة ق.م حتى العهد السلوقي

آلهة العاصفة في الأنضول:
هناك تشابه شديد و تواز بين آلهة العاصفة في الأنضول ومثيلاتها في غرب الهلال الخصيب، فالإله (تيشوب حلب) لم يكن إلا (أدد حلب) والجبل الأقرع مقر إله العاصفة الحثي هو الجبل المقدس( لبعل صافون هداد) الأوغاريتي، إلا أنه لم يوجد حتى الآن دليل على عبادة إله العاصفة قبل العهد الحثي في الألف الثاني ق.م ، كما أن للإله (تيشوب) -الاسم من أصل حوري وهو الأكثر شيوعاً- زوجه هي (حبات أو هبات) حيث كانا يعبدان سوية

إله العاصفة في مصر:
الإله الوحيد في الديانة المصرية الذي يبدي طبائع إله العاصفة هو (سيث) أو(ستخ) حيث سوي وإله العاصفة الحثي في نص معاهدة بين مصر والحثيين فالتضرع يكون إلى (سيث السماء) و(سيث حاثي) و(سيث حلب ) وكذلك كان (سيث) الإله المفضل عند الهكسوس أعداء مصر الذين جاؤوا من سوريا ، وذلك يبرر ربما دور الوغد الذي تمثله به الأساطير المصرية

(بعل هدّاد) السوري:
أقدم الدلائل عن عبادة (هداد) تعود إلى الألف الثالث ق.م في وثائق إبلا حيث يعد مع( عشتار و دجن) من الآلهة الكبار، كذلك تبين نصوص اللعانات المصرية وجود الأسماء المركبة التي تحوي العنصر هداد، ويتوالى ويزداد وجود الاسم في المراحل الاحقة ليصبح (البعل) الإله السيد دون منازع في نصوص رأس شمرا ، ومع ذلك فإن (ادد حلب) هو الأشهر باعتبار حلب مركز عبادة إله العاصفة الأهم بشهادة العديد من النصوص ، وكذلك فقد وجدت تماثيل البعل في تل الدوير( لخيش) ومجدو

تسمية (هداد) باسم (بعل):
كلمة بعل في الأصل لقب أو اسم نكرة، كما يستدل من معناها: السيد أو الملك ، إلا أن نصوص أوغاريت تبين أن (بعل) المقصود فيها إله محدد الصفات هو هداد، لكنها تورد كلمة بعل أيضاً كاسم نكرة بمعنى سيد، كقولهم بعلكم بمعنى سيدكم، ويؤنث كقولهم (بعلة بت) سيدة البيت، وهذا ليس مقصوراً على كلمة بعل، فكلمة (إيل) تستعمل أيضاً كاسم علم (إيل أبو الآلهة) واسم نكرة ليعني إله، ويؤنث( إيله) أي إلهه ويجمع (إيلم)
هذا يستعدي التعامل مع كل حالة ورود كلمة بعل وفق سياقها، ويشبه ذلك استعمالنا كلمة رب المستعملة عادةً للدلالة على( الله ) بمعنى السيد، كقولنا رب المنزل

الأبعال الكنعانية:
أشهرها (بعل صور) الذي عرف لاحقاً (بملقرت- ملك قرت) أي ملك المدينة و تدل عليه أيضاً قصة إيليا وكهنة بعل في التوراة، ويرجح أنه نفسه بعل زمن مملكة إسرائيل المعبود على جبال الكرمل والذي اعتبر لاحقاً موازياً لإله بعلبك (هدّاد- جوبيتر هليوبوليتانس)
(بعل شميم أوشمين) رب السماء، يظهر اسمه منتشراً من بلاد الرافدين إلى سردينيا ومن الألف الأول ق.م إلى منتصف الألف الأول ب.م ،و اعتبر موازياً (لإيل عليون) و(بعل هدّاد) وأهم ظهور للاسم في المنقوشة ثنائية اللغة في طيبة حيث يترجم الاسم الآرامي إلى الإغريقية ( زفس مجيستوس كورونيوس)

بعل في الأساطير الأوغاريتية:
من أهم وظائفه الدفاع عن البشر والآلهة ، فهو في الملحمة الموسومة باسمه، بطل الآلهة وقاتل التنين (يم) وهو الرزاق واهب المطر وصوته الرعد وعد الخصب، وهو المخلص الذي يحكم من جبل صافون (الأقرع) ويرد اسمه بصيغ عدة، (عليان بعل) القدير، (زبل بعل أرص) أمير بعل الأرض و(بعل عنت محرثت) بعل الأرض المحروثة،(إيل هدد) الإله ،أو (صغر هدد ) الصغير أو ( زبل بعل غلم ) الأمير بعل الشاب، ويوصف بعل بابن (دجن)، أما (عنات) فهي أخته

(هدّاد) في المصادر الكلاسيكية:
استمرت عبادة( بعل هدّاد) في العهدين الإغريقي وروماني، واعتبر موازياً للإله (زفس جوبيتر) وانتشرت عبادته حتى وصلت روما نفسها تحت اسم (جوبيتر هليوبوليتانس- بعلبك) و (جوبيتر دوليخانوس- دوليخ)، ومن أهم مراكز عبادته في هذه الفترة هيرابوليس- منبج وكذلك ديلوس، هذا وقد سمي (زفس كيرونيس) و(زفس كاسيوس) موازياً للإله (بعل صافون) وقد قدم له سلوقس نيكتور القرابين على جبل كاسيوس-الأقرع في عيد (بعل صافون) يوم الثالث والعشرين من نيسان (نفس تاريخ عيد مارجرجس)، أما في روما فقد عبد (هدّاد لبنان) و(هدّاد أكروبيتس - الجبل) و(ملكيبرودوس ) ملك يبرود - قرب دمشق - في معبد الآلهة السورية على سفح تلة الجانيكولوم.

الإله القوي

تظهر صفة القوة المميزة( لبعل هّداد) من خلال معاركه، مع الآلهة والتي تقوده لاعتلاء عرش الملك الإلوهي، ومعاركه مع قوى الشر.
ففي صراعه مع الآلهة- وإن تكون مغلفة بالغموض- يتواجه مع (إيل) أبو الآلهة أ و (أب شنم) أبو السنين، وإن كان (بعل) يحوز على صفات(إيل) في النهاية إلا أن تفاصيل العراك لم تصلنا، وفي رواية حورية حثية تصف وصول سلف إله العاصفة للمك بمعركة تستوجب حودث معركة أخرى قادها هو للوصول للملك لاحقاً بالرغم من تشوه النص، ففي العراك الذي يخسره (آنو) مع (كوماربي) يلتهم الأخير العضو الذكري لـ (آنو) ويحبل بإله العاصفة والإلهيين النهر(أرنازاها - دجلة) و(تسميسو) الذي يعين إله العاصفة في معاركه وتتشابه هذه الأسطورة مع قصة نسب الآلهة الإغريقية لهزيودس.
أما صراع إله العاصفة ضد قوى الشر فيعتبر من أهم أدواره، فـ (بعل هدّاد) الأوغاريتي يحارب (الآكليم) الوحوش الآكلة أو المفترسة، وهي كائنات نصف إلهية بقرون كالثيران وأسنمة كالجواميس، ولدت من (تاليش) وصيفة الإله (ياريخ) و(دمجي) وصيفة الإلهة (عشيرة)، ويمكن أن تكون هذه القصة تباشير قصة الإله المائت، كذلك يحارب (بعل هدّاد) الإله (موت) وهي لوحة مجازية عن تبدل الفصول في الطبيعة، حيث يستسلم(بعل) في المعركة الثانية لـ (موت) ذائقاً بذلك الموت، وعن عراكه مع (يم) إله البحر والأنهار الموصوف بابن (إيل) ومحبوبه (مدد إل) وأمير البحر(زبل يم) وقاضي النهر(ثفط نهر)
وهو بنفس الوقت وحش مائي (لويطيان أو لويثان) ذو طبيعة شيطانية لأنه لا يحضر مجمع الآلهة وإنما يرسل مبعوثاً عنه ، وقد نشب الخلاف بينهما حين ادعى (يم) السيادة على الأرض وطالب (إيل) بتسليم (بعل) له، إلا أن بعل يتصدى له بمساعدة الإله (كثر خاسس) وينتصر رغم الغموض بالنهاية لتلف في اللوحة

مغايرات بابلية: نقاط التشابه مع ملحمة الخلق البابلية

1- في كلتا الملحمتين صراع الإله مع الوحوش المائية
2- وإن كان مردوك ليس إله العاصفة إلا أنه يمتلك صفاته ومن أسمائه أيضاً (أدد)
3- أسلحة (مردوك) في صراعه مع (تهامة/تعامة) هي الصاعقة والريح العاصفة، مما يماثله مع إله العاصفة

كذلك تتشابه الأساطير الحثية مع الأوغاريتية والبابلية في ماهية المعارك ، والموقع الجغرافي لصرع، فهو يقع قرب جبل كاسيوس المطل على أوغاريت

صور الصراع في الفنون :
المعارك والنزعات أكثر المواضيع شيوعاً في تصويرات الشرق القديم لاسيما على الأختام الأسطوانية،وهذا مما يزيد صعوبة تدبر معانيها إذ أنها في الغالب تتبع أشكالاً تقليدية متكررة وجامدة مغايرة للدلالات المثيولوجية في النصوص المكتوبة، ومثالاً على ذلك التباين بين النص والصورة في حالة الإله( مردوك)، فهو يوصف في الإنوماليش بأن له أربع عيون وأربع آذان وشفتان تنفثان لهباً،لكن تصويراته الفنية غالباً باهتة ولا توازي أهميته

التنين- الأسد- الطير:
نجد على أختام الفترة الأكادية إله العاصفة (أدد) على ظهر تنين ينفث النار، لكننا لا نجده في مشاهد صراع ،إنما يمثل التنين صفة من صفات الإله
أما في الفترة البابلية القديمة فيكرر على الأختام الاسطوانية إله العاصفة مع رمزية الثور وشوكة الصاعقة ، ويمثل التنين خصماً للإله، وفي الفترة الكاشية(1600-1150 ق.م) يحدث تراجع عام وتقتصر التصويرات على مشاهد التقوى والعبادة، ويعود نشاط الفن التصويري في العهد الآشوري إلا أن البداية كانت لمشاهد غامضة فيما يخص المعاني المثيولوجية، وفي أواخر هذه الفترة نجد تصويرات آلهة تحارب التنانين والوحوش، وأيضاً يمثل التنين مناصراً للإله

التنين الأفعى:
هنا تتضح صعوبة ربط التصويرات الفنية مع النصوص فمع أن الكثير من النصوص تصف التنين على شكل أفعى كتفاخر (عنات) بقتلها (شليط) ذا الرؤوس السبعة، إلا أننا لا نجد تصويرات كثيرة لذلك، ففي الفترات القديمة نجد مشهداً لأفعى برؤوسها الخمسة الباقية ومشهد آخر يمثل إلهين قتلا أربعة رؤوس لأفعى،لا تدل على معارك إله العاصفة معها، لكن المشاهد تصبح أوضح قي التصويرات الأشورية والحثية ويلفت النظر مشهد عل ختم اسطواني من نوزي حوالي القرن 15 ق.م الذي يصور مواجهة الإله مسلحاً بشوكتي الصاعقة وواقفاً على التنين المجنح مع أفعى متلوية ذات قرون يظهر فوقها مجموعة من الدوائر المتراصة، ويكرر ذلك عل نصب من ملاطيا من نهاية القرن 12 ق.م فلمواجهة بين إلهين والأفعى وفوقها تلك الدوائر المتراصة وفوق هذه الدوائر خطوط متموجة يبدو أنها أشكال بشرية تتدلى من السماء ، ولعل ذلك أصلاً للتقليد الشعبي الذي يشير إليه المسعودي في كتاب مروج الذهب في القرن 10 م حيث يقول أن التنانين تلقى حتفها على يد ملائكة الغيم بواسطة البرد، فلعل الدوائر تمثل البرد والأشكال شبه البشرية تمثل الملائكة

الخلفية الجغرافية لأسطورة بعل ويم :
أعطيت هذه الأسطورة العديد من المضامين، فتشابهها مع أسطورة الخلق البابلية، فسر على كونها أسطورة تكوين، وفسرت أيضاً تاريخياً كتعبير مثيولوجي عن صراع سكان الساحل السوري مع الغزاة القادمين من البحر.
إلا أن أسماء الشخصيات الرئيسية تحتوي على مداليل طبيعية يمكن تحديدها جغرافياً، فالجبل كاسيوس (الأقرع) له مكانة واضحة في الأسطورة،مما يقودنا تلقائياً إلى أن نهر العاصي المحيط بالجبل يمثل العنصر المائي المثيولوجي، واسمه يرد (اورنتس) أو (ارنط) في مصادر من القرن 15 ق.م وفي المصادر الأشورية باسم (أرنتو)، ولا يفوتنا بأن العاصي كان يلقب بالتنين عند كتاب كلاسيكيين، فالكاتب سترابو يقول أن اسمه كان (تيفون) أصلاً وبعد أن أصابت الصاعقة هذا التنين فر هارباً مختطاً في مسيره مجرى النهر، أما المؤرخ البيزنطي ملالاس فيقول إن أسم النهر كان (دراكون) وأنه عرف أيضاً بـ (تيفون و أوفيتس) وأن صراعه مع الإله حدث في أفاميا على مجرى العاصي،وكذلك الصراع بين الإله (زفس) والتنين(تيفون) وإله العاصفة الحثي والوحش (أوليكومي) يجريان على الجبل الأقرع ، وهناك أدلة أخرى توحي أن التنين (يم- نهر) هو رمز للعاصي، فمصبه يقع قرب الأقرع الجبل المقدس لدى الكنعانيين والحثيين والإغريق ورمان كمقر لإله العاصفة، ومنبعه قرب حرم (بعل) الشهير في بعلبك التي تقع في مركز وسط بين منبع العاصي ومنبع نهر الليطاني الذي نجد في جذر اسمه لتن أو لطن (لويثان) الأفعى في الأساطير الأوغاريتية وفي التوراة.

البعل والثور:
كان الثور منذ ما قبل التاريخ الجلي رمزاً للخصب والقوة ، تجمع على ذلك الأساطير والتصاوير الفنية، وهذه الصفات نفسها ما تحلى به إله العاصفة لاحقاً، فالأساطير الأوغاريتية تعلي من شأن الثور وتسمي كبير الآلهة ( ثر إل) بمعنى (الثور إيل) وقد رافق الثور (بعل هداد) غالباً في التصويرات من العهد الآشوري ولعب دوراً هاماً في المثيولوجيات الحثية والإغريقية والرومانية، فقد تمثل (زفس) بصورة ثور يدعى (Zeus Asterios ) عندما اختطف الأميرة الفينيقية (أوربا) وفي العهد الهلنستي، يصف لوقيان السميساطي (هداد) في منبج واقفاً على ثور، و(أتارغاتس) تقف على أسد، كذلك صوّر (جوبيتر دوليكانوس= البعل الدويلخي) و(جوبيتر هليوبوليتانوس= بعل البقاع) ومن دوره كمخصّب تأتى طقس قتل الثور، فنرى ذلك في مذهب (ديونيسيوس) عند الإغريق المقتبس عن العبادات السورية، وكذلك في مذهب (ميثرا) ومذهب (سيبيل) الأم الكبرى اللذين انتشرا في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية.

جبل الرب:
اعتبرت الجبال مسكن الآلهة ورمز قدراتهم، لدى أغلب أديان وتقاليد شعوب العالم، وفي منطقة الجنوب الشرقي للهلال الخصيب حيث لا وجود للجبل، فقد تكهن بعض العلماء أن الزاقورة والهرم في مدن سومر وبابل ما هي إلا محاكا للجبال تبنى عليها الهياكل، أما في غرب الهلال الخصيب فهناك الكثير من الجبال، نذكر منها (كاسيوس) الأقرع وهو معروف كمسكن لإله العاصفة، و حرمون الذي تقل الدلائل الأثرية عنه إلا أن التوراة تذكره حيث نقرأ أن الصيدونين يدعون حرمون (سيريون) والأموريين يدعونه (سنير) أما النصوص الحثية والحورية فتدعو جبل لبنان(سيريون أو سيريان) وهناك نقش من قبرص يذكر تقدمة إلى (بعل لبنان) وعن الكرمل الذي يعني كرم الرب، فإسمه يرد مراراً في التوراة وخاصة في قصة كهنة (بعل) وإيليا وفي نصوص تعود لتحوتمس الثالث يدعى الجبل (روش قدوش) أي الرأس المقدس،وفي المصادر الكلاسيكية يوازى إله الكرمل بالإله (زفس هليوبوليتانوس) إله بعلبك الشهير، وعلى قمته في العهد المسيحي - الإسلامي مزاران لمار الياس والخضر، ولا تزال حتى الآن تحظى بمركز ديني في جميع مناطق سوريا الجبلية، فعلى كل قمة أو مطل أو شير هناك دير أو مزار أو بقايا معبد قديم، ويعزى إلى سنكونياتن قوله أن جبال سوريا كانت جبابرة مؤلهة،أبناء النار، ويسميهم: (كاسيوس) و( لبنان) و (لبنان المقابل) و (براثي).

إله الخصب
إن القوة المدمرة للعاصفة ما هي إلا الوجه الآخر للمطر والغيم مبعث الخصب، ومنه وجهي سيد العاصفة ، إلا أن الجزم بأي الصفتين هي الأسبق يبقى في حدود التخمين، مع أنه يمكن التقدير بأن الخصب في الثقافات ما قبل الزراعية كان مرتبطاً بالإلهة الأم رمز الولادة وأهميتها في ثقافة الرعي، ونشوء مجمع آلهة بطابع ذكوري يعود ترجيحاً لبروز القوة السياسية في المدن الكبرى، حيث استبدلت الإلهة الأم بابنها الذي كان عشيقها وزوجها في آن، ونشهد مظاهر هذا التحول في كون (عشتار وتموز) يمثلان قوى الخصب ولكلاهما دور الإله الذي يموت، ويمكننا القول أن الطابع الصراعي لإله العاصفة سابق لطابعه الإخصابي.

(أدد) والخصب في أرض بابل:
يظهر التقليد السومري الوجه العنيف لإله العاصفة من خلال الألقاب والصفات التي يحملها، فهو "سيد الريح" و" الثور الجبار الذي يمتطي العاصفة والذي ترجّف رعوده الجبال" و" العاصفة الحارقة" و "العاصفة الهائجة" و "الصاعقة المؤلهة والملك الصارخ في العاصفة" ومع ذلك تظهر بعض بدايات الصفات الإيجابية الإخصابية، فهو " الملك الذي يسقي الحقول،والملك الذي يروي النبات، والغيث مانح الحياة" ،ومن الفنون التشكيلية يمكن تلمس انتقال الصفات الإخصابية من الإلهة الأنثى إلى الذكر على بعض الأختام حيث يقف إله العاصفة إلى جانب الإلهة التي تلحق بها رموز الخصب ، وقد تعاظمت شعبية (أدد) في المرحلة البابلية القديمة وتظهر صفاته كمحارب و مخصّب كأن يقف على الثور وبيده إناء فائض ويستمر ذلك في النصوص أيضاً ففي قائمة مسمارية هو (شا أوربيتي) إله الغيم و(شا برقي) إله البرق و(شا زوني) إله المطر

(أدد) والخصب في آشوريا:
وإن كانت النصوص الأشورية لا تبدي تغييراً كبيراً في مركز (أدد) كما في ملحمة (توكولتي نينورتا) إلا أن الفنون والأسماء تبين رفعة شأنه في هذه الفترة ،وأن تم التركيز على صفات القوة له، إلا أن صفات الخصب لم تفارقه ومنها تسمية المطر بماء (أدد)

(بعل هداد ) السوري:
الأدب الأوغاريتي هو الدليل الرئيسي الحاسم لاتحاد مفهوم إله العاصفة مع مفهوم الخصب في الطبيعة، فهو راكب الغيم (ركب عرفت) وهو من عيّن موسم مطره (عدن مطره) وليس فقط في السماء بل هو سيد الأخاديد المحروثة (بعل عنت محرثت) وأمير بعل الأرض (زبل بعل ارص) ولازالت مضامين الخصب في اسم( بعل) موجودة، فالأرض المزروعة المعتمدة على المطر تسمى أرض بعل، والأرض غير المنتجة تسمى أرض موات( أرض موت خصم بعل)، ويوصف (بعل) بأنه ابن (دجن) إله الحبوب والغذاء، ولازالت كلمة(دجن) تستعمل للدلالة على الطعام في اللهجة المحكية،
وإن كانت توجد بعض الإشارات الغير واضحة عن احتمال كون (عنات) العذراء زوجة (بعل) إلا أن صفتها الواضحة في النصوص هي أخته التي تدافع عنه والتي تحمل أيضاً صفات الخصب والقوى

الإله الذي يموت ويبعث حياً

إن مفهوم موت وقيامة الإله أكثر مفاهيم الفكر الديني ديمومة وانتشاراً ، ومن أقدم نصوص السومرية نجد (إنانا- عشتار) هي التي تنزل إلى العالم الأسفل و من ثم تلاها في عصور لاحقة (تموز) أشهر وأقدم إله يموت، لكن هناك صعوبة في تحديد شخصيته( اسم تموز يعني الابن الحقيقي للماء في السومرية ابن ابسو ) ، وغموض في موضوع قيامته وقد بقيت بعد أشكال عبادته حتى العصور الوسطى لاسيما في حران وقد اكتسب فيما بعد في أواخر العصر الأشوري الأخير كل من (شمش) و(مردوك) صفات إخصابية ومنها الموت وقد يكون هذا تأثيراً من غرب الهلال الخصيب مع الانتشار الآرامي لوجود هذه الأفكار منذ أواسط الألف الثانية ق.م

(بعل هداد) كإله يموت:
تشكل المواجهة بين (بعل) و(موت) ونتائجها الجزء الأكبر من سلسة اسطورة بعل في الكتابات الأوغاريتية وتصف أولاً موت (بعل) ومن ثم المناحة والبحث عنه وأخيراً انبعاثه وعودته،فبعد الاحتفال( بعل) ببناء بيته رمز السيادة على الأرض، يرسل رسوليه (جفن- الكرمة و أغر- الحقل) إلى (موت) ليطلبا طاعته التي لم يقدمها، وبعد عبارات التحدي يستسلم (بعل) طواعية ويبتلعه (موت) ومن ثم تبدأ المناحة وهي جزء هام جداً فهو يتطلب مشاركة بشرية عامة ويكون أول النائحون (إيل) أبو الآلهة و(عنات) أخت (بعل) وتجف الحقول وتختفي مظاهر الخصب وبعد ذلك تشرع (عنات) بالبحث عنه رمزاً للجهد الإنساني لإعادة الخصب وأخيراً يتم الاحتفال بقيامة (بعل) وعودة الخصب، وتظهر بعض النصوص قيامة (موت) في السنة السابعة ليتحدى (بعل) من جديد

(بعل) في العصر الهلنستي
استمرت السيطرة الإغريقية /الرومانية/ البيزنطي منذ 332 ق.م وحتى نهاية القرن الأول قيل الميلاد على شرق الهلال الخصيب وحتى دخول المسلمين 635 م على غرب الهلال الخصيب، ما يقارب الألف عام، وقد انتشرت الأفكار الدينية السورية في العالم القديم، وكان لها تأثير على الإغريق والرومان، فعبادة (ديونيسيوس) الإغريقية السرية الشبيهة بعبادة (بعل هداد) الأقدم، مستقاة على الأرجح من الفينيقيين، وخصوصاً أن أسطورة ولادة (ديونيسيوس) تقول أن أمه (سيبل) بنت (قدموس بن اجينور) ملك الفينيقيين وأخ (أوربا)
ومع حلول اللغة الإغريقية، ترجمت أسماء الآلهة السورية ووزيت بالآلهة الإغريقية والرومانية مع بعض التحوير بالصفات أحياناً، فها (بعل البقاع- بعل هداد البعلبكي) يصبح إلهً للشمس ويصبح اسم بعلبك هيليوبوليس- مدينة الشمس، وكذلك (بعل) تدمر
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تتبع الديانات القديمة يعتمد على النقوش والإشارات والكتابات البسيطة المتبقية وذلك بسبب أعمال إنهاء العبادات "الوثنية" بعد أن صارت الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية في القرن الثالث الميلادي وما كتب في هذه المرحلة وما بعدها يعبر عن وجهة نظر تعتبر الديانات القديمة وثنية وتشوهها عمداً كما شوهت التوراة من قبل هذه الديانات ومن الأمثلة تحريف اسم (زبل بعل أو بعل زبول) أي السيد الأمير إلى (بعل زبوب) أي سيد الذباب وكذلك تغيير اسم ابن( شاوول) من (إيش بعل) أي رجل (بعل) إلى (إيش بوشت) أي رجل الخزي ويذكر أيضاً الإله (مولك) أي العيب ربما كإشارة للإله (ملقرت) . وأن بقي بعض الآثار الأدبية ككتاب( الآلهة السورية) للكاتب ( لوقيان السميساطي) و(جوفنال) فهي ناقدة"علمانية" وساخرة ومجزأة وقليلة، لذلك لا يتوفر أدب جدي يصف لنا الديانات السورية ما قبل المسيحية، والكتابات المنسوبة إلى (سنكونياتن) الفينيقي جاءت متأخرة، يصعب الوثوق بها، فنحن نعرف عنها من كتابات (فيليون الجبيلي- 42- 117 م) المفقودة بدورها والمعروف نتف منها من كتابات (بورفيريوس السوري 233- 304 ) من (باتانيا) أي حوران و(يوزيبيوس 264- 315) من قيصرية- فلسطين
كذلك نشير إلى الكتاب المقدس في عهده القديم الذي نال من الأديان والآلهة القديمة بإسراف
ويزيد صعوبات البحث أيضاً العلاقة ما بين الدين الرسمي والدين الشعبي في محاولات التوحيد المذهبي لأجل تعزيز السلطة المركزية السياسية، حيث تمثل ذلك بدمج صفات آلهة متعددة بإله واحد رسمي، فالتوحيد تكوّن في الفكر اللاهوتي بتوازٍ مع الوحدات السياسية الكبرى في المشرق

-(جوبيتر- زفس كاسيوس) يعتبر الأقرب للإله (بعل هداد) من ناحية مركز العبادة (كاسيوس- الجبل الأقرع) ومن الناحية اللاهوتية أيضاً

-(جوبيتر داماسكينوس- الدمشقي) ومعبده هو نفس معبد (هداد) في دمشق المسمى (بيت رمون- رمان) بمعنى الرعّاد بالأكادية وهو كنيسة يوحنا- الجامع الأموي

-(هداد و اتارغاتس) عبدا تحت هذا الاسم حتى القرن الثاني ق.م ومن ثم تحول الاسم من (هداد) إلى (زفس) وزوجته من (اتارغاتس) إلى (هيرا) وكان مركز عبادتهما (منبج-هيرابوليس) وقد وصفهما (لوقيان السميساطي) في معبدهما، بحيث يقف (هداد) على الثور و تقف (اتارغاتس) على الأسد

-(بعل شمين) أو (بعلشميم) أي رب السماوات، من أشهر الأسماء ويرد ذكره في العديد من النصوص، كنص المعاهدة بين (نقماد الثاني) مللك أوغاريت و(شوبيلوليوما) مللك الحثيين، وقد سمي لاحقاً في تدمر (مرء علما) أي سيد الأبدية وقد قوبل باللغة الإغريقية في أحد النقوش بـ (Zeus Magystos Kerauni ) أي (زفس) العظيم حامل الصاعقة

-(يوزيدون) وهو الصيغة الإغريقية الإله (بعل صافون) أي رب الشمال بالفينيقية وهو نفس لقب ( بوزيدون)، وتعتبر سيادته على البحر موازية لسلطة (بعل صافون) على البحر، وكذا حربته المثلثة الشعاب تطويراً على الصاعقة المثلثة لـ (بعل هداد)

-(أدونيس)
هذا الإله الفينيقي الشاب، بموته وبعثه يعتبر أشهر تمثلات (بعل- هداد) في بلدان حوض المتوسط وأوروبة وأسمه تحريف إغريقي للقب الإله (أدوني) أي سيدي أو بعلي، هذا وكانت الكتابات والتصوير الإغريقية تذكر النواح على (تموز- بعل- هداد) بأنه طقس لسيدهم (أدونيس) ، ويخبرنا(اثيناوس) عن لاحتفال بموته وقيامته في اليوم الثاني في (جبيل)، ومن ألقابه (النعمان) أي الجميل ومن التقليد الشعبية المرتبطة به زراعة القمح- الحبوب في أحواض وبعد أن تنبت تكسر أو ترمى في الماء، ولازال هذا التقليد متبعاً

-(ملقرت) أو(مللك قرت)
أي مللك المدينة وهو تحت هذا اللقب سيد للبحر والمدينة المقصودة هي صور وقد جرت موازاته مع (هرقل) وصوّر على النقود الفينيقية كرجل يركب حصان البحر وكان يساوى أيضاً مع (بوزيدون) وهو أيضاً يذوق الموت ويبعث حياً وذلك بحرق نفسه طوعاً كأضحية لشعبه فوق هرم كبير

-(البعل الدويلخي)
أي سيد دويلخ المدينة الواقعة 100 كم شمال حلب ، قد يكون بالأصل إله حورياً- حثياً للعاصفة والخصب ومن ثم اقتبس في الفترة الرومانية تحت اسم( جوبيتر دوليخينوس Jupiter Dolichenus ) وكان له لقب أخر (عزيز) وانتشرت عبادته كإله للجنود والنصر في كامل الإمبراطورية

- (دوشارا- دوساراس- ذو الشرى)
وهو (بعل) الأنباط وقد ووزي مع (زفس- جوبيتر) وعبد مع زوجته (ايلة- اللات) وحافظ الأنباط على عبادته حتى القرن الثاني بعد الميلاد باسم (زفس- هداد) وزوجته (اتارغاتس) كما دل على ذلك المعبد المكتشف على قمة جبل تنور

-(بعل تدمر)
كان موقع تدمر كمركز تجاري سبباً في تعقيد شخصية الإله ونشوء مفهوم (Caelus Aeternus ) أي السماء الأبدية متمثلة بالإله (سيد العالم) وكذلك (ملكبل- مللك بعل) كإله للشمس وقد بلغت هذه العبادة ذروتها في عهد الإمبراطور السوري (اليوغابالوس) وأصبحت الدين الرسمي في عهد (اوريليان)

-(بل مردوك)
اكتسب هذا الإله صفة الإله الذي يموت ويبعث متأخراً،في العهد السلوقي،حيث كانت سابقاً صفات (تموز)

مغايرات مصرية وأناضولية
إن فكرة الإله الخصب الذي يموت ويبعث فكرة شبه عالمية وقد تختلف صفات آلهة الخصب بتباين الحضارات، ففي مصر مثلاً لم يكن المطر ولا العاصفة ولا الريح عوامل إخصاب،إنما عوائق لنظام السقاية والري، وفي فارس أنتجت الحاجة إلى إله خصب مذهب (ميثرا) الذي ورد ذكره حوالي 1400 ق.م في معاهدة بين الحثيين والميتانيين وانتشرت عبادته في العهد الروماني
وكذا في مصر مذهب (أوزيريس) الذي قتله أخوه (سيث- ستخ) وفي الأنضول (واتيس) وأمه أو زوجته (سيبال) وهي تشابه قصة موت وبعث (أدونيس)،وقد عملت مجموع هذه المذاهب على التمهيد لفكرة الإله الذي يموت ويبعث التي ستكتمل في المسيحية

البعل والمسيح:
لم يكن قبول عبادة إله يموت ويعود للحياة أمراً مستساغاً في فترة قوة وعظمة الإمبراطورية الرومانية، خصوصاً وأن التماهي بين النظام الأرضي و النظام السماوي أمر وارد جداً وأن الفكرة في أساسها ريفية وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح Paganالمترجم إلى وثني معناه الريفي، وقد تسامحت الإمبراطورية في بدياتها مع هذه المعتقدات إلا أنها مع بداية انحدار السلطة السياسية نشأت الحاجة لتوحيد عقائدي للحفاظ على الوحدة السياسية بتكريم الإمبراطور بشكل ديني، وكان ممن رفض هذا الفرض العبادي اليهودية والمسيحية، ومن ثم أوجدت المسيحية بحفاظها على الطقوس والأفكار الريفية، وتوحيدها للإله وزمنية الفعل الإلهي بدل دوريته، أداة وصل بين دين الريفيين ودين أهل المدن

المسيح والمحيط اليهودي:
المسيح حسب التقليد اليهودي هو الملك الذي يحقق آمالهم في إقامة مملكة إسرائيل التي تسود العالم، إلا أن يسوع الناصري قُدم مسيحاً للبشرية جمعاء وهدفه هو ملكوت السماء لا مملكة( داود)، وصُلب لخلاص البشر- مكرراً فعل الآلهة الذين سبقوه لذلك- ممن يؤمنون به من الخطيئة الأصلية ولوراثة عهد (الله) مع إسرائيل ونقله للكنيسة.
إن اعتماد الكنيسة لكتب العهد القديم وقف حاجزاً بين قصة يسوع وأصولها البعلية، مع أن الفكر الديني اليهودي لا يستطيع تقديم تفسير ولا أن يكون أصلاً للأفكار الدينية المسيحية التي لا تعتمد من اليهودية سوى العهد الإلهي مع إسرائيل، أما موضوع الولادة من عذراء فهو يخص الديانات غير اليهودية فكلاً من (أدونيس و آتيس و ذوالشرى ) ولدوا من عذراء و قصة الميلاد اكتسبت أهميتها لاحقاً حين اعتمد 25 كانون الأول يوماً للميلاد وهو عيد روماني (Saturnalia) لإله الشمس المظفر (Sol Invictus) يمثل يوم ابتداء طول النهار بالازدياد على حساب الليل وكذلك الاحتفالات بالربيع لتصبح احتفالات الفصح

بعض من نقاط التماثل في قصتي المسيح و(بعل هداد) فيما يخص الموت والبعث من مكتشفات أوغاريت
1- (بعل- هداد) ابن (أيل) أب الآلهة ويسوع ابن (الله) الأب.
2- تحدّى (موت) شيطان الفناء (بعل- هداد) كما تحدّى القبر حيز الفناء يسوع
3- يستسلم (بعل- هداد) لـ (موت) تلقائياً ومثله يتقبل يسوع كأس الموت
4- (موت) يبتلع (بعل) ويسوع يقاد للموت
5- موت وبعث (بعل) يرمز إلى عودة الخصب والحياة للطبيعة وموت وبعث يسوع لخلاص البشر من الخطيئة وهذا الاختلاف نتيجة فعل التيارات الفلسفية مع العلم أن التشبيهات بالدورة الزراعية لقصة يسوع استمرت في التقليد الكنسي، كتشبيهه بـ {حبة الحنطة المسجاة ذات الطبيعتين}
6- يبعث (بعل- هداد) من أحشاء (موت) ويقوم يسوع من القبر

ونشير إلى أن بيت لحم كانت مركزاً مشهوراً لعبادة (البعل- أدونيس) حتى اقتراب العصر المسيحي، وهذا ما تشير له بعض المصادر الإغريقية

الدين"الرسمي" والدين الشعبي:

لازالت الكثير من معتقدات الديانات الخصبيّة فاعلة رغم محاربتها من قيل ما يسمى ديناً رسمياً وذلك بين كافة الأديان والمذاهب، وهنا نشير إلى المزارات الموجودة في الأرياف والمدن والتي يؤمها المؤمنون على خلاف أديانهم وكذلك إلى شخصيات دينية تحمل مفهوم الخصب وحلت محل آلهته، وهي (الخضر ومار جرجس ومار الياس) حيث لهذه الشخصيات بمسمياتها المختلفة وقصصها المتشابهة تقديس لدى أتباع جميع الأديان في الهلال الخصيب وخصوصاً لدى الفلاحين والمزارعين الذي يعتمدون على الطبيعة والمطر في حياتهم اليومية ويمكن القول أن الديانة البعلية مستمرة والتي من سماتها مقارنة مع الديانات التوحيدية، لا تاريخيتها فالأحداث لها طابع دوري موسمي قابل للتكرار ومشخصاً وممارساً ضمن نفس المتعبد وليس خارجها، ومما يشترك به القديسون البعليون
1- الخصب: السيطرة على قوى الخصب المتمثلة في الطبيعة
2- الحياة والموت: الاستمرار في الحياة( الياس الحي و الخضر) أو عبور دورية الحياة والموت (جرجس) التي ترمز للنبات
3- القوة والصراع: تمتد سيطرة القديسين في الطبيعة للسيطرة على العاصفة والطوفان وغيرها

مار جرجس:
أو القديس جاورجيوس أكثر القديسين السوريي الأصل شعبية ، والحكاية الشائعة عنه أنه بطل مسيحي من اللد- فلسطين وأنه أنقذ ابنة الملك التي اعتنقت المسيحية، ومن الواضح أن أصول الأسطورة تعود لقتال الآلهة مع التنانين وقوى الشر، وأما الاسم فيعني بالإغريقية الفلاح، وكلمة (مار) تعني السيد-البعل في السريانية، ومع وجد نقش نذري في أثينا للإله (زفس جيورجوس) ممكن الافتراض أن (بعل- زفس) الفلاحين-أهل الريف تحول إلى قديس في المسيحية، ويذكر ابن وحشية 1498 م في كتابه (الفلاحة النبطية) أن النصارى ينوحون على (جوجيس) الذي يموت ويبعث كما تفعل الصابئة على تموز، هذا وقد ألغى الفاتيكان 1965 م احتفالات مار جرجس رسمياً ،وقد أبعد حالياً عن رتبة القداسة، وبذلك وبعد ألفي عام من محاولات جعله شخصية تاريخية مسيحية، عاد إلى حقيقته كإله اسطوري للخصب

الخضر:
الصعوبات التي واجهها لاهوتيو المسيحية مع مار جرجس هي ذاتها لاقها "علماء" الإسلام مع الخضر والتقليد البعلي المرتبط به، فطابقوه مع العبد الصالح الذي لاقى (موسى) وفاقه علماً، ويطابق أيضاً مع (الياس الحي) كما يسميه الأتراك (خضرلياس) ويعرّب يهود فلسطين اسم (إيليا) بالخضر ويحتفل بعيده في 23 نيسان عيد (بعل- زفس) وتنسب له الكثير من المآثر والبطولات

إيليا- الياس:
الوارد ذكره في التوراة أولاً والذي يحمل صفات بعلية من خلال سيطرته على قوى الطبيعة كالماء والنار وتجنبه الموت وسكناه قمم الجبال وكذلك ما ينسج حوله من مآثر وبطولات ومطابقته مع (الخضر)

خاتمة:
لا تزال الديانات البعلية تقليداً حياً في الهلال الخصيب ورغم الفروق في الدينية "الرسمية" يشترك الناس في تدين عام له جذوره العميقة في التاريخ، حيث تمثل بعض الشخصيات المقدسة استمرارية لمفاهيم إلوهية أقدم حافظت على وجودها بشكل أو بأخر، ومع أن الديانات "التوحيدية الرسمية" لها اتجاه سياسي إذ تقوم على توليد "عصبية" وولاء للجماعة الإيمانية، مبني على تشريع و تقاليد مكتوب صعب التغيير، نجد بالمقابل تقاليد شعبية شفهية! مستمرة لها منحى اقتصادي اجتماعي ذو نزعة نفعية وذلك لكون الديانات "الرسمية" لا تشبع حاجات الناس، فإله السماء المتعالي يمكن أن يقوم بدور الخالق و الأب، لكن إله الطقس والعاصفة والغيم والريح والمطر هو البطل والابن الناشط والقريب من الناس ، إن (بعل هداد) إله الخصب مازال حياً في الثقافة الزراعية في الهلال الخصيب عبر القديسين البعليين فأصبح نبياً في اليهودية وقديساً في المسيحية وولياً في الإسلام، ولا تقتصر هذه الاستمرارية على المنحى الديني بل تتعداها إلى الفكر السياسي القومي والمنحى الشعري أيضاً عبر ما سمي بالشعراء التموزيين ، كما في قصيدة نهر الرماد، لخليل حاوي:

يا إله الخصب يا بعلاً
يفض التربة العاقر،
يا شمس الحصيد،
يا إلهاً ينفض القبر
ويا فصحاً مجيد،
أنت يا تموز يا شمس الحصيد،
نجنا، نجّ عروق الأرض من عقم مبيد ...

"وإن إلياس لمن المرسلين . إذ قال لقومه ألا تتقون . أتدعون بعـــلاً وتذرون أحسن الخالقين . الله ربكم ورب آبائكم الأولين . فكذبوه فإنهم لمحضرون . إلا عباد الله المخلصين . وتركنا عليه في الآخرين . سلام علي أل ياسين . إنا كذلك نجزي المحسنين . إنه من عبادنا المؤمنين. "
الصافات: 123-132

كتاب بعل هداد
إصدار دار أمواج1993