"ذخائر المياه في إسرائيل".. خطة عملاقة تُكشف تفاصيلها لأول مرّة

في الاسبوع الماضي خرجت علينا رنانا راز مرة اخرى بفصل آخر من المسلسل الناجح "اسرائيل تجف". حصل هذا على خلفية بدء حملة توزيع مليوني جهاز توفير للمياه على المنازل في اسرائيل، فيما أملوا في سلطة المياه باستعادة النجاح غير المسبوق للفصل الاول من المسلسل، والذي تسلل الى قلب الجمهور غير المبالي في اسرائيل وأحدث نتيجة غير مسبوقة: انخفاض حاد بمعدل 12 في المائة في استهلاك المياه. ومع أن حالة مخزونات المياه في اسرائيل أسوأ بكثير من حالة بحيرة طبريا، الا ان جملة من النجوم مثل نينات طيب، بار رفائيلي، وغيرهم من المشاهير في اسرائيل تجندوا من اجل الاجماع الوطني الذي لا نقاش فيه حول أزمة المياه. وجوههم تتقشر وهم يناشدوننا لإنقاذ بحيرة طبريا، وأغرقونا بالصور الممزقة لنياط القلوب لما كان على مدى عشرات السنين في نظرنا بلاد اسرائيل الجميلة، القديمة والطيبة، حيث تضطر قوارب الصيادين أن تعلق في الارضية الجافة للبحيرة البريئة، الزكية، والمهزومة.

غير أن الحملة تعدّ الجمهور أيضا لثورة تاريخية، ستصل ذروتها بعد ثلاث سنوات عندما يتم توفير مياه الشرب لاسرائيل عمليا من مياه البحر المتوسط. المشروع القطري التاريخي، الذي استمر قرابة خمسة عقود لنقل المياه من بحيرة طبريا الى بلدات النقب، سيفقد مكانته لصالح المشروع القطري الجديد الذي تقيمه مكوروت، هذه الايام، من منشآت التحلية في الغرب نحو شريان المياه الرئيس.
"بعد سياقات طويلة، جاء عصر التحلية. وهو يتحدث اليوم عن منشآت توجد في قاطع شاطئ يمتد على طول 70 كيلومترا من الخضيرة في الشمال وحتى عسقلان في الجنوب، والذي سيوفر ابتداء من العام 2012 معظم المياه لدولة اسرائيل"، يشرح بانفعال عيدو روزوليو، مدير عام مكوروت، الذي يشعر بأنه يحقق التاريخ بيديه. "في فترة هذا الشتاء يمكن الوصول الى 80 في المائة من تزويد المياه، وفي ذروة هذا الصيف سيصل الى 50 في المائة. لقد طرأ هنا تحول هائل! بدلا من أن تتدفق المياه من الشمال الى الجنوب، فانها ستتدفق من الغرب الى الشرق الى الشمال والى الجنوب. هذه ثورة. لاول مرة ستنتقل المياه من الجنوب الى الشمال، وبدلا من انتظار ما ينهل من بحيرة طبريا ومن المخزونات المائية فان الاتفاقات مع منشآت التحلية تقول إنه من الان فصاعداً سيكون انتاج المياه متواصلا. المياه تدفع نحو دولة اسرائيل ليس بالذات حسب الاستهلاك، حين تخرج المخزونات الكبرى، مثل بحيرة طبريا، والمخزونات الجوفية، بل وحتى مخزون اشكول، من اللعبة.. منذ اليوم، مثلا، سينتج مشروع الخضيرة وحده تقريباً ما ننهله من بحيرة طبريا في السنة : نحو 130 مليون متر مكعب".

اذاً، هل حانت لحظة الاجتماع لالتقاء صورة وداع لازمة المياه الوطنية؟ قبل لحظة من تحقق الحلم، والذي بموجبه فان معظم المياه التي ستصل الى صنابيرنا ستكون عملياً من مياه البحر المحلاة، فهل انتم قادرون على ان تتصوروا بأنه في الايام التي اخترعوا فيها فقط فكرة المشروع القطري الاسطوري، فكر مهندسو المياه الكبار عندنا بتحقيق الحلم الصهيوني، ضمن أمور اخرى، من خلال تمليح مياه بحيرة طبريا الحلوة من خلال ملئها بمياه البحر المتوسط؟.
فقد اعتقدوا انه من خلال قنوات وأنفاق تحفر من شاطئ عكا الى شمال بحيرة طبريا، تؤدي الى تمليح مياهها الحلوة الوحيدة في البلاد، سيكون ممكنا انقاذ البحر الميت ايضا من الجفاف. وأنه لغرض تحقيق الفكرة ستكون حاجة الى اجراء "تعديلات حدودية"، او بلغة أقل نظافة؛ احتلال أراض من الدول العربية المجاورة لصالح السيطرة على مصادر للمياه مثل نهر الليطاني في عمق لبنان، نهر اليرموك في قلب الامارة الاردنية، و "ابعاد الحدود" مع سورية عن نهر الاردن؟

استغلال الجاذبية
المفترق التاريخي الذي نقف فيه اليوم أدى بقدامى رجالات "مكوروت" الى النظر الى الوراء والى مراجعة أرشيف شركة المياه الوطنية عندنا، حيث اكتشفوا الخطة الاصلية الاولى لـ "مكوروت"، والتي يكشف النقاب عنها هنا لاول مرة. وقد طبعت عدة نسخ من الخطة، ورفعت الى اصحاب القرار للحاضرة اليهودية في أيار 1944. وكان الذي طلب إعدادها دافيد بن غوريون، موشيه شريت، مناحيم اوسيشكن، اليعازر كابلان وليفي اشكول، ممن وقفوا على رأس الوكالة اليهودية، الهستدروت، الـ "كيرن كييميت" و"مكوروت". وثائق هذه الخطة كانت على مدى سنين طويلة سرية ولم تنكشف أبدا. وقد انكب على اعداد الوثيقة التاريخية النادرة كبار مهندسي المياه لثلاث سنوات متواصلة، ولهذا الغرض اقامت "مكوروت" مكتبا فنياً خاصاً، وقف على رأسه مهندس المياه الاسطوري سمحا بلاص. قبل استثمار مبالغ طائلة في اعداد الخطة، بعث ليفي اشكول، مدير عام "مكوروت" في حينه رسالة الى قيادة الدولة يقنعهم فيها بالاهمية العاجلة لتجنيد 3 الاف ليرة اسرائيلية لوضع الخطة: "نحن من جانبنا نولي الامر اهمية استيطانية وسياسية كبرى جداً"، كتب اشكول يقول، واضاف: "الاعتراف بالدور التاريخي للصهيونية في هذه اللحظة، وواجب الحاضرة تجاه المنفى هما تأهيل البلاد لاستيعاب ملايين اليهود في حضنها، يستوجب منا تطوير امكانيات الاستيعاب الجماهيري الكبير، كحجم الكارثة التي وقعت بحق الشعب وحجم الحل اللازم".
لهذه الرسالة، التي تدل على أن زعماء الدولة التي على الطريق باتوا يفهمون ان شيئا فظيعا يحصل ليهود اوروبا، يرفق اشكول وثيقة اخرى اصدرها لغرض دفع هدف المهندس سمحا بلاص الى الامام. في تلك الايام كانت الحاضرة اليهودية تعد ما لا يقل عن 600 الف نسمة. وفي وثيقة من خمس صفحات يعرض بلاص نظريته، وبموجبها سيكون ممكناً اقامة ألف قرية زراعية في صحارى اسرائيل وتوطين ملايين اليهود فيها من خلال تحريك المياه، التي تأتي في معظمها من جداول الشمال.
"حسب تقدير بلاص، فان مكوروت التي قامت فقط قبل اربع سنوات من ذلك يمكنها أن ترفع حجم تزويدها للمياه من 5 ملايين متر مكعب الى مليار متر مكعب من المياه"، يشرح اسرائيل منتل، متقاعد من "مكوروت" يعد من كاشفي الخطة الكبرى لبلاص في ارشيف الشركة. "لا يصدق، على ماذا كان يجري الحديث؟ عن مليار متر مكعب! لشركة كانت تعتبر في تلك العهود دمية حقيقية". هذه الوثيقة ينهيها بلاص بقوله: "كي أتمكن من كتابة كتاب وتأكيد المعطيات التي كتبتها حتى الان، احتاج الى ميزانية من 3 الاف ليرة اسرائيلية".

زعماء الدولة التي على الطريق، وعلى رأسهم بن غوريون، مقتنعون بأهمية الخطة لتجسيد الصهيونية، ويجندون المبلغ اللازم لاخراج الخطة التي ستسمى مع الايام "ذخائر المياه في بلاد اسرائيل - امكانيات الري والتطور الهيدرو - كهربائي". وعلى عشرات الصفحات مرفقة بالخرائط، النماذج، والرسوم البيانية، طرح بلاص البراهين العلمية لاحتمالية تطبيق خطة المياه التي بناها للدولة التي على الطريق. القسم الاكبر من الافكار التي طرحها بالفعل طبقت ووجودها بارز حتى يومنا هذا. هكذا مثلا، فكرة تسيير المياه من شمال البلاد الى الجنوب من خلال شريان مياه مركزي (المشروع القطري)، نهل المياه من المخزونات الجوفية، بناء مشاريع مياه اقليمية، وكل ذلك من خلال "وحدة المشروع". بمعنى جهاز مياه في اسرائيل تديره هيئة واحدة وفي "منشأة هندسية موحدة"، بهدف تنسيق وترشيح تزويد المياه حسب احتياجات اقاليم البلاد المختلفة، في ظل التشديد على اهمية ري الحقول والمزروعات.

قسم آخر من مخططات بلاص مفاجئة واكثر جرأة، حتى بعد 66 سنة من ولادتها. في خطة بناء البنى التحتية للمياه لا يتطرق بلاص على الاطلاق لبحيرة طبريا كمصدر مياه حيوي للدولة. فضلا عن ذلك، فانه يقترح حفر قناة وانفاق يتم فيها تدفق المياه من شواطئ عكا في البحر المتوسط الى بحيرة اصطناعية تحفر شمال طبريا. ومن هناك تتدفق المياه المالحة الى بحيرة طبريا، وتجعل مياهها مالحة. مثير للعجب، ولكن ايضا الانفعال في ضوء حقيقة أنه منذ ذلك الحين، في العام 1944، فكر بأن هكذا سيكون ممكنا انقاذ البحر الميت من الفناء ايضاً. وحسب اقتراحه، فان مياه الشمال التي ستنقل الى النقب ستمسك حتى قبل دخولها بحيرة طبريا بهدف توفير الطاقة في نهل المياه من بحيرة طبريا، التي توجد تحت مستوى البحر. بل ان بلاص اقترح استغلال قوة الجاذبية الناشئة كنتيجة لفوارق الارتفاع بين نهر الاردن والاجزاء الجنوبية من البلاد لاقامة 7 محطات لتوليد الكهرباء.
"تحويل مياه الاردن شمالاً من مياه بحيرة طبريا واحتجاز مياه الطوفانات التي تنزل اليها سيؤثر بالضرورة على حجم بحيرة طبريا"، شرح بلاص في خطته. "على فرض أن التبخر في البحيرة هو 400 - 500 مليون متر مكعب في السنة، يجب احتساب ان نحو نصف هذه الكمية ستواصل التدفق اليها بوسائل مختلفة حتى بعد ذلك. ولكن على مدى الزمن من شأن الامر أن يؤدي الى تقليص بحر طبريا. وسيؤثر أكثر عدم وجود المياه في نهر الاردن على البحر الميت، وبقدر ما تستغل المياه شرقي الاردن للري فسيقل أكثر فأكثر، وان كان لن يختفي تماما بسبب التيارات تحت الارضية والتسرب في أرضية البحيرة. تقلص بحيرة طبريا والبحر الميت من شأنه بلا ريب أن يؤثر سلبا على مناخ غور الاردن، الصعب على أي حال. ولكن من خلال ادخال مياه البحر المتوسط الى غور الاردن ستبقى مياه البحيرة والبحر الميت في حجمها الحالي".
وفي السياق يترجم بلاص الفكرة الى تعابير عملية ويشرح المنطق الذي يقف خلفها. وهو يفعل ذلك في ظل تفكير واسع عن عموم الحلم الصهيوني، الذي يتضمن الحاجة الى انتاج الكهرباء للبلدات القائمة، ولتلك التي على الطريق، وبانتاج اماكن عمل جديدة للعديد من المهاجرين الذين سيستوعبون فيها: "قناة من البحر متجهة شرقا تبنى الى جانب عكا. وبعدها تمر المياه في نفق طوله نحو 20كم وتواصل طريقها في سفوح التلال الشمالية من بحر طبريا حتى دخولها البحيرة الاصطناعية. وستتضمن الخطة منظومة من البحيرات على طول نهر الاردن (ملاحظة: الاردن الجنوبي من طبريا وحتى البحر الميت) وثماني محطات لتوليد الطاقة. احداها هي محطة نهرايم القائمة. ومن خلال عدة سدود على طوله سيصبح نهر الاردن، جنوب نهرايم، منظومة بحيرات طويلة تغطي مناطق الطوفانات على طول نهر الاردن، الاراضي غير الواردة في الري. مياه البحر ستتدفق الى الغور فقط بقدر ما يفرغ المكان فيه عقب تحويل المياه الحلوة لاغراض الري. وفي السياق الزمني تصبح بحيرة طبريا بحرا مالحا".

استغلال هدية الرب
قبل تسع سنوات من بدء بلاص كتابة الخطة اقام مؤسسة شركة الكهرباء ومديرها الاول بنحاس روتنبرغ، "العجوز من نهرايم"، محطة طاقة هيدرو- كهربائية في نهرايم، بجوار اسدوت يعقوب. وقد اقيمت المحطة في ملتقى نهري اليرموك والاردن الجنوبي (ومن هنا اخذ اسم "نهرايم" - النهرين)، بهدف استغلال مصدر الطاقة الاكبر للمياه المتدفقة في البلاد لصالح انتاج الكهرباء لبلاد اسرائيل. ولما كانت كمية المياه التي تدفقت في مجاري النهرين غير ثابتة، فقد تقرر استخدام مياه طبريا لضمان كمية المياه المطلوبة لتفعيل توربينات المحطة. لغرض ترشيح التدفق من طبريا الى نهرايم، اقام روتنبرغ في العام 1932 سد دغانيا الشهير. محطة الطاقة في نهرايم وفرت في تلك الايام معظم الكهرباء في اسرائيل. وكانت احد المشاريع الكبرى في البلاد ووفرت العمل لمئات العمال - المستوطنين الاوائل لغور الاردن.
"في تلك الفترة كانوا يعرفون المولدات الكبرى (التوربينات) وبالتوازي سار روتنبرغ نحو اقامة محطات لتوليد الطاقة"، يقول البروفيسور ارنون سوفير من جامعة حيفا، المؤرخ والخبير في نزاعات المياه في الشرق الاوسط. "ولكن الفكرة كانت استغلال هدية الرب: لماذا نجلب الوقود اذا كان ممكناً تحلية المياه؟".
ويتطرق بلاص في الوثيقة النادرة لمحطة توليد الكهرباء لروتنبرغ في نهرايم. ويقترح في الخطة الكبرى ألا تلغى محطة الطاقة بسبب الحاجة للمياه لري الحقول، بل العكس. فمن خلال تدفق مياه البحر المتوسط نحو بحيرة طبريا، "المحطة يمكنها أن تنتج 120 مليون كيلو واط بدلا من نحو 50 مليون كيلو واط تنتج اليوم في السنة". اضافة الى ذلك، يقول بلاص انه ستقام سبع محطات هيدرو- كهربائية اخرى على طول نهر الاردن الجنوبي في ظل استغلال فوارق الارتفاع من طبريا الى المكان الادنى في العالم - البحر الميت.
" يقول بلاص في واقع الامر انني أمسك كل المياه والجداول التي تدخل الى طبريا. طبريا والبحر الميت سيجفان. ما هو حلي؟ نفق من عكا الى شمالي طبريا. انا أدخل المياه، مياه البحر المتوسط، أعمل شلالات، أنتج طاقة في كل واحدة من الشلالات فنحل المشكلة"، كما يشرح اسرائيل منتل، متقاعد "مكوروت" بانفعال. "هكذا لا تجف طبريا، لا يجف البحر الميت وتكون كهرباء. هذا هو حله. عبقري! تريدون ان تقيموا هنا دولة في الصحراء، معظمها غير مأهولة، بلا غذاء، بلا مال لشراء الغذاء، عليها أن تنتج الغذاء لنفسها. هذه هي الفكرة الأساس. من جهة أخرى فانه ينجح بمعونة عقله اللامع في اختراع افكار إبداعية، ليس فقط لا تضر بالبنى التحتية المهمة الاخرى لاقامة الدولة، بل ترفع مستواها".
غير أن بلاص يشترط احتمالية تطبيق الخطة ايضا "بتعديلات حدودية". وهذه تتضمن الليطاني في اعماق لبنان، "إبعاد الحدود عن نهر الاردن باتجاه الشرق". هناك، في هضبة الجولان، كانت تسيطر في تلك الايام سورية، ومياه اليرموك كانت تتدفق عميقا في الامارة الاردنية: "الى داخل المشروع ستدخل مصادر الاردن الأعلى بجداوله الثلاثة الاساس (دان، بانياس وحاصباني) وطوفانات الحولة، اليرموك واجزاء من مياه الليطاني"، كتب بلاص، وواصل القول: "رغم كون دان ينبع في حدود البلاد، من المرغوب فيه توسيع ذلك تجاه الشمال. كما أنه من المرغوب فيه اضافة قاطع من الارض طوله نحو 10كيلومترات تقريبا في القسم الجنوبي الشرقي من الحولة، وبالتالي ابعاد خط المياه عن الحدود واضافة الى ذلك السماح بخط انتاج يخفض كلفة اقامته".
في الحساب العام لاستغلال مصادر المياه من جداول الشمال، الليطاني واليرموك يشكلان اكثر من ثلث الكمية التي بنى عليها بلاص خطته. وقد ذهل البروفيسور سوفير في ضوء وجود الوثيقة التي طلب اعدادها زعماء الصهيونية. وهو يقول انه "في العام 1944 مع ان دولة اسرائيل لم تكن قد قامت بعد، الا ان الحدود بيننا وبين الامارة الاردنية، لبنان وسورية كانت تقررت في العام 1923 في اطار اتفاقات سايكس بيكو. ويضيف قائلا: "في العام 1919، قبل اغلاق هذه الحدود تماما، يقترح بن غوريون ان تتضمن الاراضي الاسرائيلية الليطاني اللبناني ايضا. بلاص بنفسه ولاودر قالا هيا نسقط المياه من الليطاني الى اسرائيل، فنحصل على المياه والكهرباء. الكهرباء نعيدها الى لبنان أما المياه فنأخذها لنا وللأردن. ولكن لم يكن هناك من يمكن الحديث معه، وعليه فان الوثيقة الصادرة في العام 1944 مذهلة أكثر فأكثر. وهذا أمر هاذٍ بمقياس عالمي حتى لو لم يكن هناك نزاع يهودي - عربي، فلا توجد سابقة في التاريخ تتخلى فيها الدول عن اراضيها وعن مصادر مياهها لدولة اخرى".
مع رفع الخطة تجتمع لجنة التخطيط برئاسة بن غوريون مع الخبراء بمن فيهم أيضا خبراء في المياه، على جمع المعطيات وبناء الخطة الكبرى لبلاص. ويرمي الاجتماع الى فحص احتمالية نقل نحو مليون ونصف يهودي ال البلاد في غضون سنتين. واثناء الجلسة يثور نقاش عاصف حول الامكانية الكامنة في معطيات المياه التي في الوثيقة. في الوقت الذي ادعى فيه بلاص بان حجم الامكانية الكامنة في الانتاج يبلغ 4 مليارات متر مكعب في السنة (بما في ذلك اليرموك والليطاني)، زعم المعارضون حجما أصغر بكثير. اثناء الجدال تناول بن غوريون التقدير الدقيق لحجم المياه في سياق مصير يهود اوروبا. "احدى المسائل الاساس التي ستقرر الامور هي اذا كان ممكنا ان نثبت اثباتا حقيقيا انه توجد في بلاد اسرائيل امكانية لاستيطان كبير. ولعل هذا يحسم مصيرنا السياسي في بلاد اسرائيل. لو كان ممكنا ان نثبت ما يؤمن به بلاص فان هذا يغير وجه الصهيونية. اذا كان علماؤنا سيفحصون وسيجدون بأن هذا صحيح فليقدموا كل الادلة على أن هذا صحيح، لان هذا يغير كل الامور، لان هذا يبعد كل الادعاءات ضد العرب والجواب في أن هذا سيحل مشكلة اليهود.
روزوليو، مدير عام "مكوروت"، يقول انه في الخطة التي عرضها بلاص توجد تقديرات مبالغ فيها كبيرة بالنسبة لكميات المياه الحقيقية في الاماكن التي درسها. "في رسالته كتب بن غوريون لكل من اعطاه الخطة. يا جماعة، أجننتم؟. يوجد هنا قدر كبير من المصادر. لعله على الاطلاق لا حاجة للقتال في سبيل البلاد؟ لعله يوجد مكان للجميع؟".

استغلال السوريين
مياه كثيرة تدفقت في انهار اسرائيل، وخلال السنوات الاربع التي مرت منذ نشر بلاص الخطة الكبرى الاولى لـ "مكوروت" احتل الاردنيون محطة الطاقة الكبرى في نهرايم، وباقي المحطات الهيدرو - كهربائية الاكثر ودا للبيئة في نهر الاردن الجنوبي لم تقم، واحتلت مكانها محطات الطاقة الفحمية. وانطلق بناء المشروع القطري من نهر الاردن على الدرب في الخمسينيات، ولكن الاشغال التي تمت في المنطقة الحرام بين اسرائيل وسورية اطلقت المقاومة المسلحة من جانب السوريين فتعطل المشروع.
"دولة اسرائيل ملزمة بأن تقول شكرا للسوريين الذين لم يسمحوا لها بتنفيذ هذه الخطة"، يقول البروفيسور موشيه غيفن، خبير البحيرات من الكلية الاكاديمية تل حي والمدير السابق للمختبر لبحوث بحيرة طبريا. "لو لم يعرقلنا السوريون في تنفيذ الخطة الاصلية، لكانت تضررت جودة المياه في بحيرة طبريا ضررا شديدا وبشكل كبير لانهم كانوا سيأخذون قسما مهما من المياه التي صبت من شريان المياه المركزي نحو البحيرة. في تلك الفترة لم يفكروا بالاثار البيئية على البحيرة. وفقط عندما بدأنا العمل في العام 1969 في مختبر بحوث بحيرة طبريا بدأناه نفتح عيون قادة اقتصاد المياه ونقول لهم ذلك. انا لا اعرف خطة بلاص هذه، ويفاجئني ان اسمع انه هو بالذات من خطط لتلميح بحيرة طبريا. المعنى هو أن كل المشهد الرائع الذي نعرفه من البحيرة ما كنا لنراه اليوم. المياه المالحة تغير كل الهامش البيئي للكائنات الحية، التي تعيش في المياه وخارجها. هذا يبدو لي اكثر هذيانا من ان نبدأ على الاطلاق بانتاج اثار مثل هذا السيناريو".
الى جانب الافكار الجريئة وتلك التي تبدو لنا اليوم هاذية، فان الكثير من الافكار التي اقترحها بلاص في الخطة الكبرى الاولى هذه طبقت على مدى عشرات السنين في بناء اقتصاد المياه لاسرائيل. ويقف مدير عام "مكوروت" روزوليو هذه الايام امام الانعطافة التاريخية الثانية في تاريخ اقتصاد المياه في اسرائيل. التسويف البيروقراطي الذي يواصل الاصطدام به، هذه الايام، والتي تجرى فيها المباحثات في الحكومة على السبل لتطبيق الخروج من الازمة تبعث فيه الاشواق للايام البعيدة والبسيطة لسنوات الاربعينيات.

"عمل بلاص، الذي طبقت اجزاء مهمة جدا منه على مدى السنين يبين أنه كلما تقدم الزمن ازداد تضارب المصالح وعدد اصحاب المصالح. اليوم تنفيذ خطط من هذا النوع اصعب بكثير. منذ العام 1988 لا يوجد لنا مخطط اساس. في حينه تحدثنا عن اقامة مشاريع تحلية على طول شواطئ البحر المتوسط. كان يمكن لمثل هذا الامر ان يمنع الأزمة الحالية في اقتصاد المياه اليوم، حيث نوجد اخيرا في بداية ثورة اخرى مع اقامة منشآت التحلية، لا تزال البيروقراطية تمنع بناء خطة بعيدة المدى هي ضرورية على نحو خاص عند الحديث عن تغييرات متطرفة كهذه في كل اقتصاد المياه. حتى العام 2012 سيكون بين 50 الى 80 في المائة من تزويد المياه في اسرائيل من مياه البحر المحلاة. انتاج المياه سيكون متواصلاً دون أية صلة بحالة الطقس، والدولة ستنتقل من وضع النقص في المياه الى وضع النقص في الطاقة. كما أن التطوير والصيانة لمصادر المياه القديمة ضروري لاغراض الاسناد، وذلك لانه اذا ما سقطت مثلا منشأة التحلية في الخضيرة، فان ثلث تزويد المياه للدولة تسقط معها. يدور الحديث عن كميات مياه وحدها تساوي قيمة تزويد المياه المتوسط من بحيرة طبريا".
في مثل هذه الحالة، على حد قول روزوليو، سنكون ملزمين بان نستخدم المصادر البديلة، غير أنه كي تكون هذه سليمة، هناك حاجة لاعداد المخططات لصيانتها. ويقول روزوليو: "ذات مرة لم تكن هناك مسألة من يتأثر بكل هذا الاقتصاد. المشروع الموحد الذي وضع فكرته بلاص سيطبق لو كانت الدولة عملت ذلك وانتهينا. اليوم توجد محافل في ايديولوجيتها تؤمن بأن هيئة خاصة تعرف كيف تدير الامور افضل من هيئة حكومية وعامة. في مجالات البنى التحتية الوطنية هذا لا ينجح بالضرورة. أنا لا اعرف اين ستنتهي هذه الخصخصة، ولكني بالتأكيد قلق من أنه في هذه الوتيرة قد نجد انفسنا دون المنظومة الضرورية ودون البنية التحتية للتسيير الضروري الذي سيدفع هذه المياه بشكل سليم نحو عموم الشعب".
(معاريف)