جاسوس ألماني سابق: المخابرات العربية متوحشة، لكن الفاعلية تنقصها

"أنا كنت جاسوسا، لكنني لم أكن خائنا"، بهذه الكلمات دافع فيلهيلم ديتل عن نفسه، بعد أن نشرت صحيفة "برلينر تسايتونغ" خبراً مفاده أن المخابرات الألمانية تجسست قبل سنوات على صحفيين في ألمانيا. كانت الفضيحة مزدوجة، فالدستور يحظر أي نشاط للمخابرات الألمانية داخل البلاد، ناهيك عن فضيحة التجسس على الصحفيين. وأمام إصرار الصحافة على فتح تحقيق في القضية، اعترفت المخابرات الألمانية بالأمر، لكنها قالت بأنها لم تتجسس على الصحفيين بسبب آرائهم السياسية، وإنما أرادت معرفة مصادر بعض المعلومات التي قام صحفيون بنشرها.

ولإقناع لجنة التحقيق والرأي العام الألماني بوجهة النظر هذه، أقدمت المخابرات الألمانية على خطوة يصعب تخيّل أن يقوم جهاز مخابرات بمثلها: ففي شهر تشرين الثاني نوفمبر عام 2005 سمح آوغست هينينغ، رئيس المخابرات الألمانية آنذاك، بنشر أسماء خمسة صحفيين تجسسوا على زملائهم بهدف معرفة المصدر الذي سرّب المعلومات إلى الصحافة.

أحد هذه الأسماء التي تم "حرقها" كان اسم فيلهيلم ديتل، الذي اعترف بأنه عمل لمدة أحد عشر عاما جاسوسا للمخابرات الألمانية في الشرق الأوسط، لكنه أنكر القيام بالتجسس على زملائه الصحفيين.

أقام ديتل في بداية الثمانينات في بيروت، ومع تزايد عمليات الاختطاف انتقل إلى دمشق، التي أصبحت مقرا له ونقطة انطلاقه إلى عواصم الشرق الأوسط الأخرى. وقد ساعده التخفي كصحفي غربي في الوصول إلى شخصيات مرموقة في تلك الدول، من بينها العميد مصطفي طلاس، وزير الدفاع السوري وأحد أبرز المقربين من الرئيس الراحل حافظ الأسد.

أصبح الصحفي الجاسوس فيلهيلم ديتل متخصصا بالكتابة عن أجهزة المخابرات وعملها، وأصدر 18 كتابا، آخرُها كتاب عنوانه "جيوش الظلام" عن المخابرات في الدول العربية وإيران.

يصف ديتل الكتاب بأنه فريد من نوعه، إذ لا يوجد كتب أخرى تتحدث بمثل هذا التفصيل عن أجهزة المخابرات في تلك الدول. وإلى جانب الحديث عن أسلوب عمل أجهزة المخابرات العربية ووسائل التعذيب التي تنتهجها، يروي فيه بعضا من ذكرياته في العمل كجاسوس في المنطقة وتجنيده لبعض المسؤولين للعمل "كمصادر للمعلومات" للمخابرات الألمانية.

دويتشه فيله التقت الصحفي والجاسوس السابق وأجرت معه الحوار التالي:

السيد فيلهيلم ديتل، هل يمكن أن تحدثنا في البداية عن تاريخك كجاسوس في الشرق الأوسط؟

أنا كنت أعمل صحفيا وجاسوسا لصالح المخابرات الألمانية "بي إن دي" وعملت في الدائرة رقم 1، وهي المسؤولة عن الحصول على المعلومات، حيث كنت أعمل لصالح قسم الشرق الأوسط، هذا يعني أنني جمعت معلومات لصالح المخابرات الألمانية في الدول الواقعة بين باكستان شرقا وتونس غربا، في الفترة بين عامي 1982 و1993. أنا جمعت معلومات كانت تعتبر سرية من هذه الدول، كما قمت بتجنيد أشخاص من تلك الدول للعمل لصالح المخابرات الألمانية، ويطلق على من يقوم بهذا العمل "قائد اتصال". وقمت بعملي هذا على أكمل وجه وبدون مشاكل ولا إثارة الشبهات لمدة عشر سنوات وثمانية شهور.

هل قمت بتجنيد عملاء أيضا ؟

نعم، المخابرات الألمانية تسمّي هؤلاء "مصادر"، وأنا قمت بتجنيد أشخاص للحصول على معلومات ودفعت لهم أموالا مقابل تعاونهم.

هل يمكن أن تذكر رقما؟

لا أذكر الآن بالضبط. لكن يمكن القول "دزينة"، أي 12 شخصا، "دزينة" من خيرة العملاء، فقد تعرفت على أناس كثيرين أفشوا لي أسرارا، لكن عدد الين فعلوا ذلك بانتظام يقارب الدزينة.

وهل كان بينهم من يتقلد منصبا رفيعا؟

نعم.

لم يكونوا مجرد "أسماكا صغيرة"؟

لا، لم يكونوا "أسماكا صغيرة"، أنهم أناس مازالوا حتى يومنا هذا يتقلدون مناصب رفيعة.

أنت مطلع على عمل أجهزة المخابرات في الدول الغربية وألفت أكثر من كتاب في هذا المجال، إضافة إلى كتابين عن المخابرات الإسرائيلية، وكتابك جيوش الظلام يتحدث عن مخابرات الدول العربية وإيران، فما رأيك في أدائها؟

إحدى المقولات الرئيسية في كتابي هي أن المخابرات في الشرق الأوسط مخابرات "لايت" فقط، "إشارة إلى كوكا كولا لايت - موقع دويتشه فيله ". لكن يجب أن أشرح المقصود بهذا الوصف : يُفهم في الغرب تحت مصطلح مخابرات أنها منظمة تجمع معلومات لحكومتها، وهي عادة معلومات لا يمكن الوصول إليها، فهي غير منشورة في الصحف ولا يعرفها كل إنسان، أي أنها من حيث المبدأ معلومات سرية، على غرار معلومات عن إستراتيجية إيران النووية.

ويتم جمع المعلومات وتقديمها إلى مكتب المستشارية أو إلى وزارة الخارجية. أما أجهزة المخابرات في الدول العربية لا تقوم بمثل هذا العمل عادة إلا نادرا، فالهدف الأساسي لوجود هذه الأجهزة هو حماية النظام ضد أعداء داخليين وخارجيين. وهم لا يتورعون عن استخدام شتى الوسائل ضد المعارضين. هذا يعني أن أجهزة المخابرات في الشرق الأوسط وحشية جدا، والتعذيب لديها وسيلة عمل اعتيادية، وهذا طبعا لا يحدث في أوروبا، إذا استثنينا ما تقوم به الولايات المتحدة في غوانتانامو، لكن هذه حالة طارئة. أما في الشرق الأوسط فإن الأشخاص المشتبه بهم أو الذين ينتقدون الحكومة أو يسعون إلى الإطاحة بها، فهؤلاء يجب قتلهم أو على الأقل تعذيبهم.

أنت تصف عمل أجهزة المخابرات العربية بالبدائي وتشبهه بالـ"كولا لايت"، هل هذا يعني أن عملها سيء؟

عملها كجهاز لجمع المعلومات سيء، نعم، لكن من الناحية الأمنية، فإن عملها كمخابرات يعتبر جيدا جدا، لأن هذه الأجهزة زرعت نظاما من المخبرين في صفوف الشعب، ولطالما قلت من باب المزاح، إنه وفي بلد كسوريا، يعمل كل ثاني مواطن كمخبر أو يقدم للمخابرات معلومات. وهذا يعني أن كل الشعب مراقب بشكل أكبر مما كان عليه الأمر في أوروبا الشرقية سابقا لدى أجهزة مثل "كي جي بي" في الإتحاد السوفيتي أو مخابرات ألمانيا الشرقية سابقا.

مؤخرا تم الكشف عن شبكات تجسس لصالح إسرائيل في لبنان، فهل المخابرات العربية قادرة على حماية بلادها من الجاسوسية، وإلى أي مدى تستفيد المخابرات الإسرائيلية من هذا الضعف؟

إسرائيل تستفيد من ضعف القدرة على التحليل لدى أجهزة المخابرات العربية، خاصة وأن مخابرات إسرائيل قوية في هذا مجال تحليل المعلومات. لكن وكملاحظة على هامش حديثنا، أود القول بأن هناك نوعا من العنصرية في صفوف المخابرات الإسرائيلية، فالإسرائيليون يعتقدون أن العرب غير أكفّاء وغير قادرين على فعل شيء وأنهم دون مستوى الإسرائيليين، ولهذا تستهين إسرائيل بقدرات المخابرات العربية.

أما بالنسبة إلى لبنان، فأنا أعتقد أن اللبنانيين ألقوا القبض على عملاء لإسرائيل، لكن ليس بهذا العدد الكبير. أعتقد أن بعضهم اعترف بالتعامل مع إسرائيل بسبب التعذيب فقط. وباستثناء بعض المتشددين الإسلاميين، فإن أناسا عاديين مثلي ومثلك سيعترفون بالتهم الموجهة إليهم للتخلص من التعذيب. لكنني أعتقد أيضا أن بعض العملاء اعتقلوا، لأنه تم التعرف عليهم حين جلبوا الشبهة لأنفسهم بسبب عيشهم فوق مستوى دخلهم العادي.

ماذا تعرف عن مخابرات حزب الله، هل لدى الحزب جهاز مخابرات أيضا؟

لا شك أن جهاز مخابرات حزب الله جيد لأن لديه حافزا ولا ينخره الفساد، كما هو حال معظم أجهزة المخابرات العربية. كما يوجد لدى مخابرات حزب الله دوافع دينية تحفزها على العمل الجيد، ويتم تدريبهم في إيران. وحسب رأيي فإن المخابرات الإيرانية يجب أن تحمل على محمل الجد، فهي لا تتميز بالعنف فقط وإنما لديها أيضا خبراء يفكرون ويضعون استراتيجيات ويمكنهم أيضا تنفيذ عمليات مثل عملية اختطاف عبد الملك ريجي زعيم مجموعة جند الله الإسلامية السنية. الإيرانيون جيدون وهم يدربون حزب الله.

هل تعتقد أن إسرائيل تفاجأت من نجاح حزب الله بفك شيفرة طائراتها الاستطلاعية؟

نعم أعتقد ذلك، لأن الإسرائيليين لم يتوقعوا ذلك.

أود في الختام الانتقال للحديث عن السياسة والأخلاق، فما ذكرته عن التعذيب الذي تمارسه المخابرات العربية، معروف على نطاق واسع، لكن من المعروف أيضا أن خبراء غربيين يدربون أفراد هذه المخابرات، أليس كذلك؟

أنا لا أتفق بأن قولك بأن خبراء غربيين يدربون معظم أجهزة المخابرات العربية، ربما كان هذا صحيحا في عهد الاستعمار، أما اليوم فتتولى المخابرات العربية عملية التدريب، وهي لديها الخبراء والقدرات وأجيالا من العاملين في أجهزتها. لكن مما لا شك فيه وجود تأثير للمخابرات الأمريكية على المخابرات الأردنية أو على المخابرات العراقية الجديدة، وأعتقد أنهم ليسوا بحاجة لتدريبهم على التعذيب، لأنهم مهرة بالتعذيب أصلا. أنظر مثلا إلى حركة فتح: هناك خبراء أمريكيون كثيرون لتدريب الأجهزة الأمنية الفلسطينية حيث يتم دعمها بالمال أيضا.

لكن من الإتحاد الأوروبي أيضا؟

نعم، هذا صحيح، لكن الأمريكيين أرسلوا مدربين ولهم "رجال اتصال" وهم عمليا يسيطرون بشكل كامل على الجهاز الأمني للرئيس الفلسطيني محمود عباس.

أجرى الحوار: عبدالرحمن عثمان
(dw)