قصة مملة

قصة مملة

نشره في 18 أيلول 2004

كالعادة... و ككل مرة، نفس القصة المملة...

و دائما و أبدا تجعلني سذاجتي أقع في الفخ، الفخ الذي ينصبه لي البشر... بسبب سذاجتهم!

لاك يا عمي، يا حبيبي... قلنا لكم ألف مليون عشرطعشر مرة: ليس هناك أي إنسان عاقل يقبل أن يتعشى في باريس! يعني على الأقل في وسط باريس...

يا حبيبي يا ضناي يا روح قلبي يا حشاشة كبدي: إن كنت من أصحاب المليارات، يعني مثل دودي الفايض، فعندها تتصل بالريتز، و يحجزون لك و لشرموطتك الإنجليزية الطاولة منذ بداية السهرة، ثم يمكنك أن تذهب و إياها في سيارة مرسيدس، و إذا حصل لكما حادث فبستين حفض(*)...

يعني إن كنت من أصحاب المليارات... يعني نفهم أن تتضرّب (**) في باريس.

أما إن كانت حالتك كحالتنا، نعني أنك لم تمتلك بعد أول مليون من الدولارات، و أنك عاجز عن الضراط من طيز واسعة، فيجب عليك أن تتجنب باريس -وسطها أعني: تريد أن تتعشى؟ هناك عشرطعشر ألف مطعم في أطراف باريس: الدوائر الرابعة عشرة حتى الثامنة عشرة! يكفيك أن تجد مطعما ظريفا و المسألة محلولة...

لكن لع!

الأعرابي الأجرب يظن أنه إن مشى في الشانزيليزيه صار بشرا!

منذ يومين تلقيت مكالمة من أحدهم، يرغب أن يطرح علي أسئلة... اقترح علي أن نلتقي للعشاء مساء أمس، قلت آني موافق، و اقترحت عليه مطعما أعرفه... هو مطعم لبناني.

قال لي أن أمه قد وصلت منذ فترة قصيرة من سوريا، أنها ستكون معه و أنها قد لا تحب أن تأكل طعاما شرقيا: يعني هي قد ترغب بطعام مختلف...

طيب أين؟ اقترح مطعما في الشانزيليزيه -بيتزيريا...

نبهته قائلا: يوم الجمعة مساء، و في الشانزيليزيه؟ سنضطر للإنتظار طويلا!

قال لي لا! ففي هذا المطعم صالة كبيرة و طابق آخر...

سألته لأتأكد: هل أنت متأكد أننا لن ننتظر؟ فأكد لي ذلك... فقبلت...

التقينا مساء الأمس... و ذهبنا للمطعم إياه...

عندها... ألحت أمه أنها تريد أن تتعشى على "التيراس"... يعني في شبه الحديقة الموجودة على الرصيف...

لاح و لاح و لاح و خبط بالأرض!

النتيجة: انتظرنا ساعة و نصف قبل أن نحصل على موطئ قدم!

بربكم، بدينكم، بشرفكم: هل يوجد أي زقوم الهيري (***) يستحق أن ينلطع (****) الإنسان ساعة و نصف، كالبغل، أمام باب المطعم، كي يتضربه(**)؟

لاك يعني شو؟ على شو؟ منشان شو؟

يعني هل سيطبخون لنا كافيار محشو بلسانات البلابل المحشوة بأفخاذ الحيتان المشوية؟

و حتى لو كان؟ هل تستحق أن يلطع(****) البني آدم كالبغل ساعة و نصف لأجلها؟

بصراحة، فكرت مائة مرة أن أقول لهم: تتهنوا بعشاكم، أنا رايح أشتري صندويشة من عند واحد مغربي و أتضربها(**)...
لكن يعني مو حلوة، يعني معليش، استحمل جحشنة البشر، و ليكن ذلك درسا لك، يا حمار:

ليسوا هم المخطئين: أنت المخطئ!
لو أنك التزمت بمبادئك القائلة أن باريس هي مدينة الأغنياء و الأغبياء فقط،
لو أنك التزمت مبدأك القائل "من دخل باريس و لم يكن غنيا كان غبيا!"،
لو أنك التزمت مبدأك إياه و رفضت أن تلتقي بهذا الشخص من الأصل... لما حصل لك ما حصل!

ساعة و نصف نطرة (*****) يا أمة لا إله إلا الله (أرجو المعذرة، لكن مثل هذه الأمور تجعل الكافر يؤمن!)

ساعة و نصف!!!!

ثم ماذا؟

أنا أخذت بيتزا كالزوني... كل مطلع على أبسط قواعد علم البيتزا يدرك أن أول شروط الكالزوني هو انتفاخها... و أهم شروط البيتزا هو درجة نضج العجين بتاعها!
فلا هي كانت منفوخة، و أما العجين فكان محترقا -يعني على الأقل جزئيا!
و أما حين طلبت الصلصة الحادة (يعني: زيت زيتون مع فيلفلة حمراء)... فاتضح لي أنها عبارة عن زيت زيتون لا أكثر و لا أقل...

عفوا: أقل!
كانت زيت زيتون من نوع سيئ!

لدرجة أنني قلت لنفسي أنه كان الأولى بي لو أنني جلبت معي من المنزل ظرف الصلصة الذي بقي عندي منذ آخر مرة طلبت فيها بيتزا هت!!!

تفصيل ممتع: السيدة التي طلبت أن نجلس على التيراس... كانت تدير ظهرها للرصيف!
يعني مجموع ما كانت تبصره من الشانزيليزيه هو... حائط المطعم!

أنا أكره باريس!
جدا!

-----------------------
(*)كلمة نصيرية فصحى صيغتها الكاملة: "بستين حفض الصرماية"، و ترجمتها للعربية: بحفظ ستين فردة حذاء، يعني: غير مأسوف عليك.
(**)يتضرّب، بتسكين أول حرفين و بتشديد الراء: كلمة نصيرية فصحى و ترجمتها للعربية: يتناول طعاما كطعام الزقوم.
(***) الزقوم كلمة قرآنية فصيحة، و الهيري كلمة نصيرية فصيحة ترجمتها للعربية: الهاري، ما يتسبب بالإهتراء.
(****)الإنلطاع كلمة نصيرية فصحى تعني الإنتظار بغباء شديد.
(*****) النطرة كلمة نصيرية فصحى تعني الإنتظار.