فضائح الموساد , الجنرال السوري نموذجا

تواصل ماكينة الإعلام العبري محاولاتها المكثفة بهدف تلطيخ سمعة الدول العربيّة، وتحديدا سورية، هذه الدولة التي تُعتبر بحق وحقيقة، آخر معقل للقومية العربيّة، حيث يزعم أقطاب تل أبيب أنّها ترفض السلام، ومن ناحية أخرى، تقوم الصحافة العبرية بإعادة نشر قصص لعملاء في الموساد الإسرائيلي (الاستخبارات الخارجية) وتصويرهم بأنّهم أبطال، أو يتمتعون بسمات ومزايا فائقة، وأنّ بقدرتهم الوصول إلى قصور الملوك والرؤساء العرب، وتجنيد عملاء عرب من الصف الأول، لكي يزودوا المخابرات الإسرائيلية بمعلومات عمّا يجري داخل غرف صنّاع القرار في الوطن العربيّ.
ولكي نضع بعض النقاط على عدد من الحروف نشير في هذه العجالة إلى أنّ صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، نشرت يوم 27 آب/أغسطس قصة ضابط الموساد الإسرائيلي سابقا، يهودا غيل، الذي يزعم أنّه تمكن من تجنيد جنرال سوري رفيع المستوى لتزويد الموساد بمعلومات سريّة عن عملية صنع القرار في سورية، ويقول غيل للصحيفة، التي دأبت على مدار ثلاثة أيام، بنشر مقاطع قصيرة من المقابلة الحصرية، إنّ عميلة عربيّة للموساد تعرفت على الجنرال السوري وأقامت معه علاقة جنسية ولكنّها لم تتمكن من تجنيده للموساد، وعندما يصطدم القارئ بهذا العنوان على الصفحة الأولى من الصحيفة، التي تُسمى في إسرائيل، صحيفة الدولة، بسبب سعة انتشارها وتأثيرها على المستويين السياسي والأمني في إسرائيل، يفهم المتلقي أنّه أمام قصة غريبة وشيّقة تجمع كل مقومات الإثارة الرخيصة: جنرال سوري، عميلة موساد عربيّة، علاقات جنسية، خيانة الأرض والعرض والوطن. المخابرات اعتقلته في العام 1997 بتهمة تزويد الموساد بمعلومات كاذبة، لا بل أكثر من ذلك، غيل، كما كتب يوسي ملمان في هآرتس لم يتمكن من تجنيد الجنرال السوري، لأنّ الهدف، أي الجنرال، رفض خيانة وطنه وشعبه، بعد أن التقى مع غيل، الذي عرّف نفسه بأنّه يمثل شركة تجارية عالمية مقرها واشنطن، مشددا على أنّ غيل ومنذ العام 1974 قام بتزويد الموساد بمعلومات كاذبة، عمّا يجري في سورية، زاعما أنّه يحصل على هذه المعلومات الحساسّة من الجنرال السوري، أي من العميل المفترض، وواصل عملية الكذب حتى العام 1997، عندها تبين للمخابرات الإسرائيلية أنّ غيل، هو كذاب محترف ودرج على فبركة التقارير، وحصل على أموال طائلة سرقها زاعما أنّه قام بمنحها للجنرال السوري لقاء خدماته للموساد. وقضت محكمة إسرائيلية بسجنه لمدة خمس سنوات. لجنتان من الجهاز الأمني قررتا بعد فحص مزاعم الضابط إنّ الضابط غيل كذاب محترف.
لا نريد التطرق في هذا السياق إلى أنّ تمكن الضابط الكبير من بيع الأوهام للموساد، يُعتبر فشلاً ذريعا لمخابرات الدولة التي تزعم صباح مساء بأنّها تملك أقوى أجهزة مخابرات في العالم، ونقول هذا الأمر، مع أننّا، لا نزعم فهم أسس الجاسوسية، إنّما نقول ولكن لا نفصل، إنّ هذا الفشل، ناتج في ما هو ناتج، بسبب تمسك الإسرائيليين، بالنظرية القائلة إنّهم أقوى من أيّ شعب آخر، أو كما قال أحد المحللين الإسرائيليين مؤخرا، إنّ الدولة العبريّة، ما زالت تتصرف وكأنّ العرب لم يتغيروا منذ نكسة العام 1967.
للأسف السلطة الفلسطينية في رام الله، تتعاون مع الإعلام العبري، الذي يتعامل معها باستعلائية وفوقية، بازدراء واحتقار. قبل ثلاثة أعوام ونيّف، شاركت في مؤتمر نُظم من قبل وزارة الإعلام الفلسطينية، وخلال ورشات العمل، طرحت فكرة تشكيل طاقم فلسطيني من رجال إعلام، يجيدون اللغة العبرية، لمواكبة ومتابعة ما يُنشر في وسائل الإعلام العبرية، لرد الصاع صاعين، لأنّه حسب فهمي، فإنّ النزاع مع الإسرائيليين، يتطلب المواجهة الإعلاميّة، وأوضحت أنّ الهدف من ذلك هو أولاً تأديب الصحافة العبرية على مختلف مشاربها، وتوجيه رسالة حادة كحد الموس إليها: الأكاذيب التي تقومون بنشرها لن تنطلي بعد اليوم علينا، بتنا محصنين من السموم التي تقومون بنفثها، أي التعامل معهم بندية، ولكنّ السلطة لم تتقبل الاقتراح، بل والأنكى من ذلك، أنّ أركانها يقومون بالتعامل مع الصحافة العبرية، ويخترعون قاموسا مليئاً بالمصطلحات الغريبة العجيبة لتسويقه للإسرائيليين، وإلا كيف نُفسّر قيام رئيس السلطة، محمود عباس، مؤخرًا، بدعوة ستة صحافيين إسرائيليين لتناول طعام العشاء على مائدته، وبعد أن أكلوا وشربوا، قامت الأكثرية بتلطيخ سمعة الفلسطينيين، وكتبوا عن العشاء الفاخر، وأسهبوا في وصفه، وحاولوا من خلال الحديث مع الرئيس تشويه سمعة الشعب الفلسطيني أكثر فأكثر، أي أنّ العشاء تحوّل إلى كيدٍ مرتد، والرسائل التي طمح السيد عباس في إيصالها إلى الإسرائيليين، أُهملت مع سبق الإصرار والترصد، لنقرأ عن العشاء غير السري.
خلاصة الكلام: الصحافة العبرية هي رأس الحربة في النزاع العربي ـ الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالتالي على العرب، قادةً وشعوبا، التعامل معها بالمثل والكشف عن عوراتها، وهذه القصة، قصة الجاسوس الذي لم يتجسس، تؤكد مرّة أخرى أنّ الصحافة العبرية انحدرت إلى الدرك الأسفل، وباتت أكثر من صحافة بلاط، إنّها صحافة عبيد وأسياد، صحافة تعمل بوتيرة عالية على تسويق الرواية الإسرائيلية الرسمية، غير أبهة بقواعد المهنة، تُسوق وتروج من حيث تدري لما يُسمى بالإجماع القومي الصهيوني، فإذا كان الأمن، وفق منطق الصهاينة يمنح التبريرات للدولة العبرية لاقتراف الجرائم ضدّ الشعب الفلسطيني، فإنّ الكتابة عن الأمن، حوّل الصحافة الإسرائيلية إلى مجرد سخافة، نعم سخافة، وهكذا يجب أن يتم العامل معها، وبمّا أننّا في شهر رمضان الكريم نستعين بحديث النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم: لا يُلدغ مؤمنٌ من جحر مرتين . كما نرى أنّه توجد حاجة ماسة لتأسيس مراكز أبحاث في الوطن العربيّ، تُعنى بالصحافة الإسرائيلية باللغة العبريّة، الذي تتصرف مثلما يتصرف الاحتلال، تنتهك عروض العرب بصورة صلفة ووقحة، من دون حسيب أو رقيب، وبعد ذلك، يقولون لنا إنّ صحافتهم ديمقراطية، نعم هي ديمقراطية، علينا الاعتراف، طالما أنّ الأمر يتعلق بكل ما هو صهيوني، بكل ما هو إسرائيلي، ولكن عندما يتعلق الأمر بعربيّ أو بيهودي غير صهيوني، فإنّ هذه الصحافة تُكشّر عن أنيابها، وتنقض على الفريسة.
زهير اندراوس
(القدس العربي)