«إحذروا الدول الصغيرة - لبنان ساحة معارك الشرق الاوسط»-1

سايكس-بيكو: فرنسا وبريطانيا تقتسمان الغنائم

ولد لبنان، مثل لاتفيا، من رحم كارثة الحرب العالمية الاولى عندما توفي "رجل اوروبا المريض"، الامبراطورية العثمانية، في نهاية الامر. وكان ذلك جزءاً من النظام الشرق الاوسطي الجديد الذي فرضته بريطانيا وفرنسا، المنتصرتان في الحرب، على المقاطعات العربية في الامبراطورية السابقة.

وقد مثل ذلك النظام خيانة للشعوب العربية - لآمالها وتطلعاتها الى تجديد سيادتها في اوطانها والتي لم تتمتع بها لقرون من الزمن". (...)

يشرح هيرست كيف تنكرت بريطانيا لوعودها للشريف حسين بن علي، شريف مكة، بالاعتراف - مقابل دعمهم لها بمحاربة الاتراك العثمانيين - باستقلال العرب في مناطقهم "باستثناء اجزاء من سوريا (أي لبنان بصورة رئيسة) واقعة الى الغرب من دمشق وحمص وحماة وحلب لا يمكن القول انها عربية صرف". ولم يوافق الشريف (حسين) على هذا الاستثناء - الذي ادخلته بريطانيا مراعاةً لفرنسا - واحتفظ بحق الاعتراض عليه لاحقاً.

وتنفيذاً لجزئهم من الصفقة، اطلق الشريف وابناه، الاميران فيصل وعبد الله، الثورة العربية. وقد جاءت ذروتها بالسيطرة على دمشق في 1918. وكان يجب ان تصبح تلك المدينة التاريخية عندئذ، للمرة الاولى منذ اكثر من الف سنة، عاصمة المملكة العربية التي اعلنها هناك. ولكن ذلك لم يحدث، او على الاقل لم يتحقق لاكثر من بضعة اسابيع. ذلك ان القوات الفرنسية زحفت من لبنان - حيث كان فيصل قد تخلى عن فترة حكم اقصر لمدة اسبوع - وهزمت جيشه، وأضافت دمشق وسوريا كلها الى الممتلكات الاستعمارية التي كانت لفرنسا.

وقد فعلت (فرنسا) ذلك بتواطؤ من بريطانيا.

ذلك ان الحكومة البريطانية توصلت، بعد ستة اشهر على مفاوضاتها مع الشريف حسين، الى تفاهم سري بينها وبين فرنسا وروسيا القيصرية. وكان هذا، أي اتفاق سايكس-بيكو، احدى الوثيقتين المفتاحيتين اللتين شكلتا تاريخ الشرق الاوسط الحديث. وبموجب شروطها التي كشف النقاب عنها في 1917، ما اثار سخط العرب الهائل، كانت روسيا وايطاليا ستتوليان السيطرة على الاجزاء التركية من الممتلكات العثمانية السابقة، بينما كانت فرنسا وبريطانيا ستقتسمان المقاطعات العربية في ما بينهما، بحيث تكون سوريا ولبنان لفرنسا، والعراق وفلسطين وشرق الاردن لبريطانيا.

كانت تلك امبريالية قديمة العهد غير تائبة.

ولكنها كانت مخفية متنكرة بثياب احسان. وقد اضطرت بريطانيا وفرنسا لاعلان التمسك نوعا ما بالمبادىء التي اعلنت بريطانيا، الى جانب وعودها للعرب، المصادقة عليها. وقد فعلتا ذلك في شكل ما يسمى انتدابات. ووفقاً لهذه، فان البلدان التي وضعتها عصبة الامم تحت رعايتهما كـ"امانة مقدسة للمدنية" قد اصبحت رسمياً "دولاً مستقلة". غير انها كانت في الوقت نفسه خاضعة لتلقي مشورة ادارية ومساعدة من الدولة المنتدبة الى ان يحين وقت تكون فيه قادرة على الوقوف وحدها".

"لم يشعر الصهاينة قط بسعادة حقيقية لقيام دولة لبنان الكبير الجديدة، على اقل تقدير في ما يتعلق بمساحتها. فقد اعتبروا ان ذلك هو احدى اثنتين من عمليات الزحف الرئيسة الى داخل "ممتلكاتهم المستقبلية". وكان الانتداب البريطاني في الاصل يهدف الى دمج شرق ضفة نهر الاردن مع غربها. الا ان الحكومة البريطانية قررت في 1923 ان شرق الاردن لا بد ان يصبح كياناً منفصلاً كإمارة تخضع للسيطرة البريطانية تحت حكم الأمير عبد الله الذي كان في واقع الامر قد اقام سلطة امر واقع هناك. وبذلك فان شرق الاردن خرج عن اطار عهد بلفور. وبناء عليه فان الصهاينة خسروا بجرة قلم حوالي ثلاثة ارباع الاراضي التي كان سيقام عليها نظريا "وطنهم القومي". كان الجزء الاكبر منها ارضا قاحلة. غير ان هذا الوصف لا يمكن ان ينطبق على قطعة ارض اصغر حجما في موقع غير محدد مثير للجدل على حدود فلسطين ولبنان وسوريا، وقد ركزوا انظارهم عليه. وكانوا قد جازفوا في مؤتمر فرساي للسلام بتقديم طلب رسمي لتمكينهم من ان يضموا الى فلسطين الخاضعة للانتداب قطعة أرض في جنوب لبنان تمتد من سهل البقاع في وسط البلاد الى نقطة شمال مدينتي صور وصيدا على ساحل البحر الابيض المتوسط (بالاضافة الى مرتفعات الجولان السورية). وكانت تلك مساوية لحوالي ثلث البلاد.

وكان اهتمامهم بها ثلاثي الأبعاد.

الاول تاريخي. اذ يفترض ان هذه المنطقة كانت في الزمن القديم موطنا لقبيلتين يهوديتين هما "آشر" و"نفتالي". وعلى هذا الاساس، ادعى الزعيم الصهيوني مناحم اوسيشكين ان لبنان، وليس فلسطين، كانت اول مستوطنة أقيمت عليها ارض اسرائيل الناشئة. وكانت صيدا مقرا لها، وجاء افرادها من بين ابناء الجالية اليهودية المحلية في المدينة. وسبقت المستوطنة التي كانت في الاصل تحت رعاية "احباب صهيون"، وهي حركة وطنية لليهود الروس صهيونية هيرتزل "السياسية"، لكنها تبتها بعد ذلك. وكان لـ"أحباب صهيون" مكتب في بيروت لشراء اراض يقيم عليها اليهود الروس. وفي 1908 اشتد اهتمامهم تماما بملكية محتملة وهي مزرعة كبيرة جدا يملكها مسيحيون كانت برسم البيع وتقع بين صيدا والنبطية في داخل البلاد. وكانوا يريدون ان يكونوا اول حلقة من المستوطنات التي تتجه جنوبا الى فلسطين. وفي النهاية لم تثمر كل تلك الجهود ولا اينعت خطط وايزمان لشراء عدد من الصناعات الصغيرة في منطقة صيدا، بما فيها معصرة لزيت الزيتون، كان يُعتقد انه يمكن من خلالها في نهاية الامر السيطرة على صناعة الزيت برمتها في البلاد. واصبح واضحا انه رغم خيبة الامل هذه، فان احتمالات اكبر لا تزال مغرية.

وكان اهتمامهم الثاني استراتيجياً وعسكرياً - حدود تمتد بعيدا الى الشمال، ونوع من الاراضي التي يمكن ان تنطلق عبرها وأن تعزز كثيرا من دفاعات الدولة المستقبلية.

أما الثالث فكان اقتصاديا: اذ اعتبرت السيطرة على، وضمان الوصول الى، نهر الليطاني الذي هو اوفر انهار لبنان مياهاً، وكذلك منابع نهر الاردن اللبنانية - السورية وروافده، امراً لا يمكن الاستغناء عنه في عمليات ري سهول فلسطين الشمالية الخصبة.

الا ان الصهاينة اضطروا اضاعة هذه الغنيمة اضافةً الى شرق الاردن. ورغم المشاعر الحزبية والمتأججة التي اثارها ذلك، فان عملية ترسيم الحدود التي قدر لها ان تكون اكثر نقاط الانفجار خطورة في العالم، انتهت الى خط عشوائي عبثي ومعيق على الخارطة. فحقيقة الامر هي انه يكاد لا يمثل اكثر من عملية مبادلة جغرافية اخرى بين بريطانيا وفرنسا في اطار توزيع غنائمهما الشرق الاوسطية في فترة ما بعد الحرب. وقد اصر الفرنسيون - ولم يعترض البريطانيون بقوة - على ضم الليطاني والاراضي الواقعة جنوبه الى لبنان. واضافة الى الدافع الاستعماري الاساسي، فانهم فعلوا ذلك لان كثيرين اعتبروا قيام "دولة صهيونية" في فلسطين مجرد فكرة غير مستساغة، بل وحتى فكرة تشتم منها رائحة مؤامرة انغلو يهودية بلشفية ضدهم بالذات وضد الكنيسة الكاثوليكية، ولأنهم ارادوا اشباع مطامح المارنة التوسعية.
الاتصالات الاولى

ان الدوافع المضادة للصهيونية، ولا نقول المضادة للسامية، التي اعتملت في نفوس الفرنسيين لم تلق بالتأكيد تأييداً في اوساط ربائبهم اللبنانيين. ولا يمكن القول ان العلاقة بين الموارنة والصهاينة كانت عشقا من النظرة الاولى، اذ ان الجانبين كانا يعرفان بعضهما بعضا بالفعل. والاصح انها كانت تفتحا لزهور التجاذب المشترك الذي ظل مستكينا منذ النكبة المارونية الكبرى الاخيرة، مذبحة العام 1860. وقد اثارت مشاعر الشفقة لدى السير موزز مونتيفيوري، وهو يهودي بريطاني ثري، وأدولف كريميو، وهو من الشخصيات الفرنسية البارزة، اللذين كانا من بين اوائل الاوروبيين الذين استجابوا لنداءات الاستغاثة المارونية، ومن بينها التأكد من استمرار التغطية الدائمة لمأساتهم في صحيفة "ذي تايمز" اللندنية وتأسيس صندوق مالي لصالح الناجين، ومنها ايضا حث الحكومة الفرنسية على ارسال قوات لانقاذهم من مجازر اخرى. ولم يعمل الاثنان بصفتهما محسنين فحسب، وليس كيهوديين، بل وليس "كصهيونيين". غير ان عملهما الخيري وجد لنفسه موقعا ثابتا في الذاكرة المارونية الشاملة. وساهم هذا بقدر ملحوظ في ما لقيه اوائل الصهاينة من ترحيب عندما اجروا اتصالاتهم الاولى مع زعماء الموارنة، في السنوات السابقة لوعد بلفور. وقد فوجئوا في واقع الامر بان هؤلاء كانوا على اقل تقدير حريصين على تنمية الصداقة بقدر ما كانوا هم حريصين عليها. وكان ذلك كشفا عاطفيا مريحاً ولد مجموعة من العبارات النمطية المتكررة بشأن لبنان باعتباره "جزيرة في بحر هائل للمسلمين"، او "نافذة في حائط عداء العرب". وقد كتب احدهم في ذلك الوقت:

ما كانوا يريدون ان يذهب اليهود الى فلسطين وسوريا فحسب، بل كانوا يأملون في ان يكون تدفق المستوطنين كبيرا وسريعا، لان ذلك كان ينسجم ومصالحهم السياسية والاقتصادية الخاصة باعتبارهم مسيحيين عربا. فقد كان المسيحيون العرب اقليةً، وكذلك كان اليهود. فاذا تمكنت هاتان الاقليتان من زيادة عدد افرادهما، فسيكون بامكانهما تشكيل كتلة تستطيع ان تقلب الميزان في وجه التفوق العددي الاجمالي للمسلمين الذي كان يخشى منه المسيحيون.

ويمكن للتفوق الثقافي اليهودي والمسيحي ان يعدل ميزان التفوق العددي للمسلمين. وقد ادرك المسيحيون ان رأس المال (اليهودي) ومصانعهم الصناعية المتطورة واساليب الانتاج المعاصرة ستؤدي الى خلق اجواء من الازدهار، ليس فقط بالنسبة الى من ادخلها الى الشرق الاوسط فحسب، بل للسكان الاصليين ايضا.

وقد القيت غلالة على بعض القناعات والمشاعر الاساسية التي ستعمل في السنوات القادمة على تبرير ودعم "تحالف الاقليات" الذي سعى الصهاينة، وعلى نطاق اكثر طموحا الصهاينة الذين تحولوا الى اسرائيليين لاحقاً، الى تثبيته مع جيرانهم الموارنة. وهم يحاجون انه كان هناك "انسجام طبيعي في المصالح" بينهما، بفضل التاريخ والجغرافيا، نظرا للتشابه الواضح في الظروف والنظرة المستقبلية تجاه العالم.

فكلاهما كانا يمثلان مجموعتين صغيرتين من الناس او "الامم" تسعيان اما الى حماية- او الى ان تبنيا من الصفر- وضعين وهويتين منفصلين في منطقة واسعة كثيفة السكان تتحكم فيهما العقائد الدينية والعصبيات والأحداث التاريخية، ما يحرمهما دوما من ذلك. وقد سعى كل منهما الى ان تكون علة وجوده موثقة في ماض حقيقي او خيالي. فـ"فينيقية" الموارنة، التي يطلق عليها احيانا "الصهيونية اللبنانية"، كانت متماثلة مع "اعادة التنشيط العبري للصهاينة الذين عمل شعراؤهم واصحاب النظريات لديهم على استحضار العلاقات بين الملك سليمان وملك الفينيقيين حيرام كتبريرٍ عتيق لعلاقة متجددة ومعاصرة بين الشعبين.

وقد شعر الصهاينة بالسعادة في الكشف عن شيء لدى الموارنة يتسم بصفات "اوروبية" يرون انهم يمتلكونه أيضا: الحداثة، والتطور والتفوق على العرب الاخرين وعلى المسلمين بوجه عام. واكد وايزمان لاحد اساقفة الموارنة، انهما "الشعبان التقدميان في الشرق الاوسط".

لبنان في مقدمة دول العون العربي

في اعقاب احداث العام 1935 في فلسطين، وقعت في اطار الثورة الكبرى مسؤولية القيام بدور اكثر واقعية وحساسية، وان لم يكن مرهقا جدا، على كاهل "الدولة الصغيرة" لبنان اكثر من اي دولة اكبر في المنطقة، ولما كان متفردا في طائفيته، فقد تحمل ايضا المعاناة من تداعيات الاضطرابات الداخلية. فهناك وجد الفلسطينيون في اعقاب الهجوم المدمر والحصار على اراضيهم ملجأ ومركزا سياسيا.

وما ان تسلم مفتى القدس الحاج أمين الحسيني وزعماء فلسطينيون اخرون اخطارات مبكرة بالنية لابعادهم الى جزر سيشل، حتى هربوا بالقوارب الى لبنان. وقد منحه الفرنسيون على مضض حق اللجوء السياسي. ورغم الوعود التي حصلوا منه عليها بعدم القيام بانشطة سياسية، فانه واصل نشاطه. واشتكى وايزمان بمرارة، لتحول لبنان الى "مركز لحركة واسعة للتآمر السياسي ضد (يهود) فلسطين". ومن قرية الذوق الساحلية في وسط المناطق المارونية المسيحية، التي احتجزه الفرنسيون فيها ظاهرياً، واصل توجيه الثوار مثلما كان يفعل وهو في حرم المسجد الاقصى في القدس. وقد واصل الاتصال يوميا تقريبا عبر وسطاء مع قادته العسكريين. وجمع حوله شبكة من الاتباع المخلصين من بين المنفيين الهاربين من البريطانيين او الفصائل الفلسطينية المنافسة، الذين وجدوا مكانا لهم في تلك الدولة. والتقى شخصيات بارزة من كل انحاء العالم العربي. واصبحت بيروت، اضافة الى كونها قاعدة لوجستية للثوار، مركزا رئيسا للدعاية العربية لما فيه مصلحة القضية، وهو ما قاست منه جهود الصهيونية المنافسة هزيمة منكرة. وقام مكتب العلاقات العامة الخاصة به باعداد نشرة يومية عن فلسطين الى 10,000 من المشتركين العرب. وشنت الصحافة اللبنانية نتيجة قناعة حقيقية من جهة، ولقاء اغراءات مادية من جهة اخرى، حملة شعواء ضد البريطانيين والصهاينة الذين لم يتمكن اي منهم، بسبب اهتراء علاقاتهم مع فرنسا، من عمل اي شيء ازاءها.

لكن في عمق الجنوب البلاد، في جبل عامل المجاور لفلسطين، صار لبنان بصورة دراماتيكية العكس تماماً لما تصور الصهاينة واصدقاؤهم الموارنة "المناصرون لهم" من انه يجب ان يكون: ليس الجسر ونقطة اللقاء الواقعية والرمزية بين مجتمعين متماثلين عقائديا في المنطقة، وانما المكان الذي يتبادل فيه اعداؤه ضرباتهم. ولقد شعر الموارنة المسيطرون سياسياً انهم ضمنوا بقاء جبل عامل ضمن لبنان الكبير، وهو ما يفترض انه دليل على تعاظم قوتهم. لكنهم اغفلوا ان ما حصلوا عليه اصبح بدلا من ذلك مصدر ضعف - فالدولة الصغيرة الطائفية اضحت اكثر عرضة للاعمال الهدامة والتسلل من قبل دول اكبر منها.

وصارت المنطقة، بالنظر للتمييز ضدها بسبب غالبيتها الشيعية وفقرها وتأخرها وعنادها وجموحها، الفراغ المثالي لكل خارجي ليعشش فيه. ثم ان قصور الحكومة ذاته مكن، وكان لا يزال يمكن، اليهود والعرب من القيام بمتاجرة ودية عبر الحدود مكن الان مرتعا مصالح عدائية.

كانت الحصانة السياسية التي يتمتع بها في المركز امراً يوازيه حصانة عسكرية حصل عليها انصاره في الاطراف. وجرى تجنيد عرب وليس فلسطينيين فحسب واقيمت لهم قواعد كما جرى تسليحهم وتدريبهم وايفادهم للقيام بعمليات من هناك. وعملا بالدعوة العربية الشاملة لمقاطعة يهود فلسطين وبضائعهم واسواقهم، فقد كمنوا للشاحنات اللبنانية التي خالفت ذلك ودمروا محتوياتها وهددوا باعمال انتقامية اذ استمرت الاعمال التجارية. ولم تكن السلطات المدنية والعسكرية اللبنانية - بل والفرنسية ايضا في هذا الشأن - غير قادرة على السيطرة على اعمال رجال العصابات فحسب، بل ان المفتى كان قادرا على استئجارهم لحماية هؤلاء الرجال وتزويدهم بالسلاح وتسهيل تحركاتهم عبر الحدود.

وفي بعض الايان داخل سيارات حكومية. (...)

وبالنسبة الى فراد الشعب اللبناني بوجه عام، كان من الطبيعي ان يحصل المفتي وقضيته على دعم قوي. وحتى قبل وصوله، اشتكى مندوب صهيوني في البلاد من "اجواء فلسطينية" ليس لها ما يماثلها حتى "في فلسطين ذاتها". وكانت فلسطين تحظى باهتمام أكبر بالنسبة الى البنانيين يتجاوز اهتمامهم بانتخاباتهم المقبلة التي كانت قضية تتسم بالحساسية الشديدة.

وجاء في تقرير للوكالة اليهودية ان "اكثر الاتهامات قسوة التي يمكن للاحزاب المتنافسة ان توجهها بعضها الى بعض، كان التظاهر بان الفئة الاخرى صديقة لليهود. (...).

وبسبب هذا الجو، فانه بالاضافة الى عدائهم التقليدي للبريطانيين وامتعاضهم منهم، تردد الفرنسيون في التشدد مع المفتي او الشرطة على الحدود الجنوبية. فقد خشوا ان يؤدي ذلك الى اشعال نوع من التمرد اللبناني ايضا. وما كان يثير حفيظة البريطانيين والصهاينة بشكل خاص هو في الحقيقية ان المسيحيين اللبنانيين اصبحوا يكنون العداء بصورة ملحوظة ايضا. وكتب احد القناصل البريطانيين في بيروت يقول: "انهم لا يلتقون مع العرب الفلسطينيين في العقيدة الدينية او الروابط العنصرية كما هو الحال بالنسبة الى المسلمين، لكنهم يشعرون بصورة جادة ان ظلما لحق بشعب مجاور يشتركون معه في كثير من الامور". وقال المندوب الصهيوني متأسياً انه مع تدفق اللاجئين الفلسطينيين "يوميا"، فان مشاعر اللبنانيين "بما فيها مشاعر المسيحيين" تميل الان نحو العروبة (...).