حرب تشرين(أكتوبر), أكبر مشروع عسكري نفذه العرب في تاريخهم الحديث

كانت حرب تشرين/ اكتوبر 1973 اكبر مشروع عسكري نفذه العرب في العصر الحديث , ولكنه بدلا أن يحقق الآمال العريضة فقد قدر له من الناحية السياسية أن يكون كارثة وضعتهم على طريق التفرق .
وفي اليوم الأول من الهجوم العربي الذي شن في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة من بعض ظهر يوم السبت السادس من تشرين الأول اكتوبر عام 1973 و اجتاح السوريون والمصريون الحواجز الدفاعية الاسرائيلية في سيناء والجولان.

ففي واحدة من ابرز حالات العبور الجديرة بالذكر في تاريخ الحروب تم نقل مائة الف جندي مصري واكثر من الف دبابة عير قناة السويس حيث داهموا وحطموا خط بارليف بسرعة وانشأوا خمسة مواقع دفاعية كنقاط انطلاق جديدة.

وفي الوقت نفسه زجت سورية بخمسة وثلاثين الف جندي وثمانمئة دبابة ضد التحصينات الاسرائيلية على جبهة الجولان فاجتاحوها في عدة نقاط وكادو يصلون الى حافة الجرف المطل على بحيرة طبرية ونهر الاردن وشمالي اسرائيل وكان واضحا ان اسرائيل تتعرض للتهديد الجدي لأول مرة في تاريخها.

في صباح ذلك اليوم قبل ساعة الصفر بعدة ساعات تمركز الاسد في غرفة العمليات تحت الارض بمقر القيادة في دمشق وانتظر افتتاح الحملة بهدير المدافع على طول الجبهة البالغة 65 كيلو متر وكانت هذه هي المعركة التي حلم بها منذ سنوات لقد كان مشغولا لدرجة انه نسي ان اليوم هو عيد ميلاده

وبالنسبة للأسد والسادات وكذلك للعالم العربي كله كانت تلك اللحظات سعادة وبلسما لجروح الماضي وكانت النجاحات الأولى والإندفاع والشجاعة التي كيلت بها الضربات قد منحت الزعيمين شيئا يشبه الشيك على بياض , وأدى النجاح إلى انتشار الكثير من الأساطير في البلدين عن الحرب.

ففي نفس اللحظة التي فتحت المدافع السورية نيرانها على جبهة الجولان كان4000 مدفع مصري و 250 طائرة تدك المواقع الاسرائيلية في سيناء,وتحت غطاء من النيران بدأت مئات من القوارب المطاطية تنقل المشاة وقذائفهم وهوجمت حصون خط بارليف الخمسة والثلاثون تم اجتياحها وتأسيس محيط حماية بسرعة شديدة للتعامل مع الهجمات المضادة المدرعة الاسرائيليةوفتحت خراطيم الماء ثمانون ممرا في الساتر الرملي وبارتفاع 18 م على طول ضفة القنال الشرقية واقيمت الجسور التي عبر عليها المشاة والدبابات مندفعة الى سيناء بأعداد كبيرة.

وعند صباح اليوم التالي في 7 اكتوبر كانت اسرائيل قد خسرت 300 دبابة وفي يوم الاثنين 8 اكتوبر قامت ثلاث فرق مدرعة اسرائيلية يقودها شارون و آدان ومندلر تدعهم مئات الطائرات بشن هجوم معاكس ففشلواواندحروا بخسائر ثقيلة اكثر من 260 دبابة وتآكلت وتبددت القوات الاسرائيلية في اسوأ هزيمة لها في تاريخها.

وعلى الجولان واجه السوريون عقبات مخيفة فعلى طول الخط الارجواني ( خط وقف اطلاق النار منذ سنة 1967 ) وكانت اسرائيل قد حفرت خندق مضاد للدبابات عمقه اربع امتار وبعرض 6 امتار محاط بدشم مرتفعة محصنة ومحمية بحقول واسعة من الالغام ومرصد على ارتفاع اكثر من الفي متر يحتوي على اجهزة الكترونية معقدة واجهزة مراقبة حديثة وخلف هذه المصيدة للدبابات كانت هناك شبكة من 112 دشمة محصنة تحصينا شديدا ومن خلف الدشم تتمركز الدبابات الاسرائيلية والمدفعية ومشاة حامية الجولان.

هاجم السوريون بقوة قوامها ثلاث فرق مدرعة هي الخامسة والسابعة والتاسعة والحق بكل منها لواء مدرع وفي حركة كثيرا ما تدربو عليها انزلت طائرات الهيلوكوبتر مجموعات من القوات الخاصة السورية فوق مرصد جبل الشيخ واشتبكوا مع العدو رجلا لرجل في قتال بالحراب ومواجهات بالايدي وفي اقل من خمسين دقيقة كان العلم السوري يرفرف فوق المرصد وبالرغم من الدفاع الاسرائيلي الضاري تمكنت القوات السورية من التقدم على طول الجبهة بنسب متفاوتة وتكبدت الفرقتان السابعة والتاسعة خسائر فادحة وبالرغم من هذا استطاعتا ان تشقا طريقهما الى الامام بعيدا في الدفاعات المعادية اما الفرقة الخامسة فتقدمت بنجاح على ثلاث محاور وفي ليل 7 / 8 اكتوبر كان هناك اقتحامان انتحاريان اوصلا الفرقتين المدرعتين الخامسة والاولى الى اماكن تمكن من ضرب الساحل الشرقي لطبريا وبدا ان اندافعا مستميتا اخر سيوصلها الى هناك.

كان الاقتحام شاقا وضاريا وقد تناثرت مئات الدبابات حطاما ولكن استراجية القتال على جبهتين كانت فعالة جدا فعلى مرتفعات الجولان وفي سيناء تلقت اسرائيل ضربات قاسية مميتة وكانت تتراجع امام تقدم القوات العربيةوكانت هذه القوات من الطراز الحديث مختلفة عن القوات السيئة القدرات والتدريب التي قاتلت في حزيران عام 1967 وحصل الجيشان على اسلحة سوفييتيه متقدمة واحسنوا استعمالها.

كانت معلومات الحرب سرية جدا وهذا نجاح استخباراتي يضاف لمخابرات البلدين الى جانب الانتصارات الميدانية ويعود سبب هذا الى جهاز شيفرة يعرف باسم (cryptovox ) من صنع سويدي - سويسري اشتراه السوريون عام 1972
وساهم في نجاح المفاجأة ان الحرب شنت في رمضان والناس صائمون وفي يوم عيد الغفران اليهودي وقد حفظ الاسد سر الحرب مكتوما جدا فلم يشرك فيه سوى يوسف شكور رئيس الاركان وحفنة من كبار كبار الضباط وحتى عبد الحليم خدام وزير الخارجية آنذاك فوجئ بالحرب وهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيوورك.

وقبل اسابيع قليلة اكتشفت اسرائيل بالاستطلاع الجوي أن سورية حصلت على قذائف ارض - جو من طراز سام 6 وكان ذلك الاستطلاع بقيادة آفيم سيلع ( الضابط الذي قاد المجموعة المغيرة على المفاعل العراقي فيما بعد )
وعندما دخلت الطائرات الاسرائيلية المجال الجوي السوري عند الساحل في 13 ايلول ( سبتمبر ) سنة 1973 صعدت الطائرات السورية لمجابهتها وتم اسقاط اثنا عشر طائرة سورية من طراز ميغ ورغم هذه الخسارة الفادحة بالطائرات اصر الاسد على عدم الرد على هذه المعركة كما توقع الاسرائيليون انه سيفعل ولم يكشف لهم شبكة صواريخ سام الكثيفة وتركها لتكون مفاجأة الى يوم الهجوم الكبير ولقد بلغ من نجاح الخداع العربي ان المخابرات المركزية الامريكية ذكرت في تقريرها المتأخر ليلة 5/ 6 اكتوبر ( لا يبدو أي من الطرفين ينوي البدأ بالقتال لان المبادرة العسكرية من قبل مصر لا معنى لها اما بالنسبة للرئيس السوري فان المغامرة العسكرية معناها الانتحار ).

وفي صباح السادس من اكتوبر اصبح واضحا ان هناك هجوما عربيا وشيكا فنصح رئيس الاركان الاسرائيلي ( ديفيد اليعازر ) بتوجيه ضربة وقائية ضد القواعد الجوية السورية والمصرية الا ان موشي دايان وغولدا مائير رفضا ذلك لاسباب سياسية ففي سنة 1967 قضت اسرائيلي ثلاث اسابيع لاقناع الرأي العام العالمي والامريكي بأن اسرائيل هي الضحية لا المعتدي اما الان فقد فات الاوان لاقناع العالم بأن اسرائيل ضحية بعد احتفاظها بالاراضي المحتلة.

هذه هي الاجواء السياسية واوضاع التحضير للحرب ونجاح القوات العربية في كسر المواقع الدفاعية الاسرائيلية بعد الاتفاق على القتال حتى تحرير كامل الارض المحتلة عام 1967 ولكن ما الذي غيّر هذا الوضع ؟

ان قضية توقف مصر عن القتال في اليوم الثاني للحرب ولمدة اسبوع من 7 - 14 اكتوبر كامنة في قلب الخلاف على حرب اكتوبر فبعد عبور القناة واقتحام خط بارليف وتدمير وحدات الدبابات والمدفعية المدافعة عنه تمركزت القوة المصرية بشكل ساكن وظهرها للقناة وعززت رؤوس جسورها المخصصة لخمس فرق حتى اصبحت رأسي جسر لجيشين وراحت تدافع دفاعا عن شريط صحراوي لا يزيد عمقه عن عشرة كيلو متر وارسل فريقان من المغاوير الى الامام ولكن لم يكن هناك محاولة للاسراع بقوة ضاربة ضخمة الى ممرات سيناء الحيوية المسيطرة على الطريق الوحيد بين الشرق والغرب في شبه الجزيرة ففي السابع من اكتوبر كسبت معركة العبور وفي الثامن منه دحرت القوات المصرية هجوما معاكس ضخما ولكن استقر الجيشان بلا حراك في مواقعهما الدفاعية وفي هذه اللحظة كانت اسرائيل لا تقدر على ايقاف أي تقدم مصري باتجاه سيناء بسبب الضغط الهائل في الجولان وشعر السوفييت الذين قدمو السلاح بالحيرة من التوقف المصري وقال سفيرهم ( فلاديمير فينوغرادوف ) لمحمد حسنين هيكل ( انا لا اعرف لماذا لا تتقدم قواتكم لماذا لم تعززوا مكاسبكم وتبدأو بالاندفاع الى الممرات ) واضاف السفير بأن الامين العام ( ليونيد بريجنيف ) يتسائل بعد فراغ صبره من المصريين ( ما حدود أهدافهم المحدودة ).

غير ان المصريين لم تكن لديهم نية التحرك فقد كان جميع رجالاتهم الكبار ضد التحرك وكانت حقيقة هدف السادات من الحرب هو ( احداث هزة لتحريك عملية السلام المتوقفة وليس تحرير الارض بالقوة ) فوزير الحربية أحمد اسماعيل كان يتمنع عن أي عمليات عسكرية اضافية بحجة عدم تعريض الجيش المصري للدمار مرة اخرى وكان رئيس الأركان الشاذلي قد بعثر كل طاقاته وقدراته في التخطيط طيلة عامين لإيصال الجيش إلى الضفة الشرقية وليس أبعد من المدى الذي تغطيه شبكة الصواريخ.

ولكن المصريين كانوا قد قالوا للسوريين شيئا اخر.

وفي دمشق في السابع من اكتوبر بقي الاسد وكبار الضباط ينتظرون من ساعة لساعة ان يتحرك المصريون ووجدوا عدم تحركهم شيئا غير مفهوم وكانوا يعتقدون في بادئ الامر ان الجمود المصري لم يكشف عن سببه لاغراض عسكرية وظلوا يتوقعون في البرقية التالية او التي بعدها نبأ استمرار الهجوم المصري.

وبما ان القيادة العسكرية السورية كانت تحت ضغط وتوتر هائل وقد وضعت قلبها وروحها في الحرب على جبهة الجولان فلم يكن لديها وقت كبير للتفكير بما يجري في سيناء غير ان الحقيقة المفزعة بدأت تتكشف للسوريين وهي أن مصر لن تتقدم وانهم يقاتلون وحدهم وحتى ذلك الوقت لم يكن قد خطر ببالهم ان يشككو ا في دوافع مصر , ولكن الذهول من الاحداث في سيناء انقلب الى كرب ومصيبة ويقول الاسد بأنها كانت اسوأ خيبة امل اصابته في الحرب.

وسرعان ما تنبهت اسرائيل الى كون ان نوايا مصر متواضعة ونقل الاستطلاع الجوي الاسرائيلي لقيادته ان الجيش المصري بدأ يأخذ مواقع دفاعية وتشكيل دفاعي ولم يقدم بطاريات صواريخ سام 6 الى الامام وبالتالي التأكد من ان هذا الجيش لن يتقدم ابدا واكد الامريكيون للاسرائيلين بأن مصر انهت حربها في اليوم الثاني وذلك بعد ان ارسل السادات سرا بعد اقل من 24 ساعة على القتال رسالة الى كيسنجر يشرح فيها شروط السلام ويضيف بالحرف ( اننا لا نريد ان نعمق الاشتباكات ولا ان نوسع الجبهة ).
وفي وقت مبكر من صباح ذلك اليوم أمر موشي دايان سلاح الجو بالبدأ فورا وباستمرار بالعمل ضد السوريين الذين لا يزالون يتقدمون بشراسة لانه رأى ان الطيران هو القوة الوحيدة القادرة على ايقافهم ومع الجمود المصري بعد اقل من 24 ساعة قتال مشترك رأى دايان ان لا حاجة لتوفير أي شيئ لجبهة سيناء ومع انهيار الدفاعات الاسرائيلية في الجولان زجت القيادة الاسرائيلية العليا في تل ابيب بسلاح الجو كله ضد القوات السورية المتقدمة وخطوط امدادها وكانت القيادة الإسرائيلية تعرف بأنه لو وصلت القوات السورية الى مشارف منحدرات نهر الاردن لكان ايقافها امرا مستحيلا وكانت سورية قد اصبحت عدوا مختلفا في الاذهان الاسرائيلية عن مصر و الاردن وهو اختلاف تلخصه كلامات موشي دايان ( على الحدود مع الاردن لدينا مستوطنات مدنية ولكن ليس لدينا عدو وعلى الحدود مع مصر لدينا عدو ولكن ليس لدينا مستوطنات اما على الحدود مع سورية فلدينا الاثنين معا فاذا وصل السوريون الى مستوطناتنا فستكون كارثة )

وطوال ثلاثة ايام 7-8-9 من اكتوبر واجهت القوات السورية على الجولان الجيش الاسرائيلي بكامله مدعما ومعززا بما قدمته امريكا من خلال جسر المساعدات الجوي حيث ان الدبابة كانت تنزل من الطائرة مباشرة في ارض المعركة وراحت موجة اثر موجة من الطائرات تقصف وترش وتلقي النابالم على تجمعات الدبابات السورية وصهاريج الوقود وسيارات الذخيرة والمؤن السورية من أول ضوء النهار حتى هبوط الليل وتحولت الجبهة الى جهنم ولم تستطع القوة الجوية السورية ان تنافس الطيران الاسرائيلي الذي سيطر على سماء الجولان .

وفي غرفة العمليات في دمشق كانت التقارير تصل تباعا عن عدد الغارات الاسرائيلية التي كانت تتجاوز الف طلعة على الجبهة السورية يوميا مقابل اقل من خمسين طلعة على الجبهة المصرية(وقد حسب الجنرال دويوي طلعات إسرائيل ضد سوريا بمعدل 500 طلعة يوميا ارتفعت إلى 600 في 9-10-1973) .

وبينما كانت القوات السورية في جنوب ووسط الجولان تتلقى اقسى الضربات كانت الفرقة السابعة في شمال الجولان والتي انهكتها معارك اليومين الفائتين تعيد تجمعها في 8 اكتوبر تستعد لتقدم ليلي يحميها من الهجوم الجوي المعادي وتستفيد من اجهزة سورية متفوقة تمكنها من الرؤية في الظلام لان اختراقا سوريا حاسما للخطوط الاسرائيلية المنهكة شبه المنهارة يمكن ان يرجح كفة سورية في المعركة ولكن القائد القدير العميد الركن عمر الأبرش (خريج كلية الأركان الأمريكية فورت لافنوورث)قائد الفرقة استشهد عندما اصيبت دبابته القيادية . ونتيجة ذلك تأجل الهجوم السوري الى صباح 9 اكتوبر وتمكن هذا الهجوم من احراز تقدم الا ان التدخل الكثيف للطيران الاسرائيلي قد أوقفه وهكذا تجنبت اسرائيل كارثة اخرى .
وتجادل المؤرخون العسكريون كثيرا في اسباب ايقاف السوريين . فطرحوا ان براعة اطقم الدبابات الاسرائيلية اضافة الى عدم التفكير السوري بالتراجع حتى ولو من اجل المناورة و اعادة ترتيب الصفوف فالسوريون لن يتراجعوا عن ارض كسبوها بمشقة , وبذلك أثبتوا أنهم شجعان ولكن متهورون .

وفي ذلك اليوم وسعت اسرائيل هجماتها الجوية لتشمل اهداف اقتصادية في سورية كمصافي النفط وموانئ البحر الابيض المتوسط ومعامل تزويد الطاقة والمستودعات وفي تلك الايام كانت الروح المعنوية للشعب السوري عالية جدا وكان المدنيون يتراكضون الى اسطح منازلهم ليراقبو المعارك الجوية المندلعة وفي يوم 11 اكتوبر قامت وحدة اسرائيلية معززة بالمدرعات والدعم الجوي الكثيف من اختراق الخط الارجواني متقدمة في الاراضي السورية .

وعندما بدأت الكفة تميل لغير صالح سورية ظل الاسد هادئا ذو اعصاب قوية متماسكة غير ان نفاذ صبره تجاه المصريين راح يتزايد وفقدت الاتصالات بين القيادتين طابعهاالودي ,واصبح الحث السوري اكثر حدة عند تذكير مصر بالتزام الجانبين بخطة متناسقة وبعد الغارات الاسرائيلية في العمق السوري دعا الاسد السادات لارسال طائراته الى الاغارة ولكن السادات رفض هذا و ارسلت القيادة السورية احد كبار الضباط الى القاهرة ليطلب من المصريين ان يشنوا هجوما لتخفيف الضغط عن الجبهة الشمالية وقد احرج هذا الطلب المصريين وفتح نقاشا بين ضباط الاركان المصرية حول ضرورة عملية تقدم الى الامام بدون أن يجد استجابة.
في الثالث عشر من اكتوبر اوقف التقدم الاسرائيلي على ابواب قرية سعسع واصبحت الاتصالات بين سورية ومصر غير مهذبة.

وتبخرت احلام سورية في تحرير الجولان وقلب ميزان القوى بالقوة فكانت ضربة مريرة اذ فقدت سورية ثمانمئة دبابة ومئات السيارات المصفحة وستة الاف شهيد.

ولكن الجيش السوري لم ينكسر ولم يندحر وقاتل بثبات وهو يتقدم وبضراوة وهو يتراجع غير ان الوضع كان مختلف عما حدث سنة 1967 فلم يكن هناك عار في التراجع ولم يكن هناك شيئ اخفي على الشعب فقد كانوا ينقلون اليه حقائق المعركة من نصر او انكسار ولم تستطع اسرائيل تدمير الجيش السوري كقوة مقاتلة ومن دواعي الارتياح ان زهرة الطيارين الاسرائيلين اسقطتهم دفاعات سورية وان الخسائر الاسرائيلية كانت هائلة.

الهجوم المصري :

في يوم الاحد الواقع في 14 اكتوبر قام السادات اخيرا بالهجوم في سيناء بعد ترك القوات السورية اسبوعا كاملا تحارب وحدها ولكنه غير رأيه فجأة ..... فما السبب ؟

لا شك ان العبور المصري اعطاه الثقة بقواته ولكن الاسد كان بلا شك السبب الرئيس في الهجوم المصري فلم يعد من الممكن تحمل الضغط الذي يواجهه وهو يعرض العلاقات السورية المصرية الى الانهيار التام وكان بحاجة لتحالفة مع سورية سيتهم بالخيانة العظمى في الرأي العام العربي لو لم يقم بهذه الخطوة والوضع على الجبهة السورية يزداد خطرا كما ان أي انهيار للقوات السورية سيتيح لاسرائيل الالتفات اليه مما يعرض مكاسبه الثمينة للخطر

ايا يكن اسباب الهجوم عند السادات فان هجومه في 14 اكتوبر شأنه شأن هجومه في 6 اكتوبر لاغراض سياسية لا عسكرية وكان كل كبار جيشه ضده في هذا الهجوم فتوسل اليه الشاذلي ( رئيس اركانه ) ان يتخلى عن هذه الحماقة ولكن احمد اسماعيل وزير الحربية لم يأخذ باعتراضاتهم واعترف بأنه قرار سياسي لا عسكري.

ولكن الهجوم المصري كان سيىءالتصور جدا فقد كان متأخرا عن موعده اسبوعا كاملا بينما كانت اسرائيل قد عبأت قواتها ضد سورية واوقفت تقدمها فكان بامكانها التفرغ لصد هجوم مصري الا ان الهجوم المصري نفسه كان ناقص العزيمة والجاهزية فالتقدم على اربعة محاور مبعثرة على جبهة عرضها 150 كيلومتر وبحشد 400 دبابة فقط والتحرك على ارض مكشوفة وبدون غطاء مناسب من صواريخ سام 6 او دعم جوي مصري للقوات البرية المتقدمة فقد وقعت الطوابير المدرعة فريسة سهلة للنيران الاسرائيلية المضادة للدبابات ولسلاح الجو الاسرائيلي وعند منتصف النهار كان الهجوم قد انتهى وزحفت بقاياه باتجاه الخلف وخسرت مصر 300 دبابة من اصل 400 في طريق العودةواعطت انباء الهجوم المصري لدى القيادة السورية لحظة من الأمل وبأنه من الممكن ان تنقلب دفة الحرب مرة اخرى لصالح العرب ولكن اندحاره السريع اعاد الخيبة اشد مما كانت عليه.

ولم تفعل حركة السادات ( فادحة الثمن ) أي شيئ للسوريين بل على العكس عرضت مصر لعملية خططت لها اسرائيل بعناية فائقة وكانت الاركان المصرية قد توقعتها منذ البداية ولهذا رفضو التقدم

وهذه الحركة هي عبور الاسرائيلين الى القناة ففي ليلة 15 / 16 اكتوبر عبرت الدبابات الاسرائيلية عبر فجوة بين الجيشين الثاني والثالث وعبرت الممر المائي عند ( الدفرسوار ) على الطرف الشمالي للبحيرات المرة وتحركت بسرعة وتلقت تعزيزات ودمرت بطاريات سام وهاجمت مقرات القيادة بالمؤخرة فخلقت حالة من الفوضى والارتباك العام.
وكان المصريون بطيئين في الرد على هذا التهديد المميت لمجهودهم العسكري كله فكان هناك تردد واحجام بالاعتراف بوقوع اختراق معادي وفي هذه اللحظات رفض السادات ان يعيد قسما من قواته المتمركزة شرق القناةاراد الاحتفاظ بورقة السياسية الرابحة شرق القناة بحيث اعمت عينيه عن وضعه العسكري المروع والبالغ الخطورة وبعد ثلاث ايام ظل 45 الف جندي مصري من الجيش الثالث بلا عون على الضفة الشرقية المطوقين بالقوات الاسرائيلية والمعرضين للطيران الاسرائيلي.

وكان خداع السادات للاسد يتجاوز خطة القتال على جبهتين بل خداع دبلوماسي ايضا

كان الاتفاق بين البلدين بان التحالف المصري السوري سيجعل البلدين بلد واحد يدافع البلدان عن بعضهما ويمنعان انفراد العدو بأي طرف يدخلان المعركة بقرار ثنائي ويوقفان القتال بقرار ثنائي وبتنسيق تام,لكن السادات كان له اتصالاته اليوم بكيسنجر طيلة ايام الحرب وانه قد دعاه الى القاهرة.

وبمجرد بدأ الهجوم المعاكس الاسرائيلي على الجبهة السورية بدأ الاسد يركز تفكيره في كيفية كسر الهجوم الاسرائيلي وكيفية الدفاع عن دمشق وتمكن الاسد من اعادة تجهيز قواته وتنظيم صفوفها وحرك فرقة جديدة الى ساحات القتال هي الفرقة المدرعة الثالثة للمواجهة عند سعسع وضغط على العرب للإشتراك في المعمعة , وكان العراق أول بلد عربي يرسل القوات لدعم السوريين في 10 اكتوبر فأرسل 100 طائرة واكثر من 300 دبابةوحوالي 18 الف مقاتل وكان الاشتباك الاول للجيش العراقي مع الاسرائيلين في 13 اكتوبر أي بعد تمركزه بثلاثة ايام ورغم تكبد العراقيين خسائر فادحة في ذلك الاشتباك الا انهم تمكنوا من تقوية الطوق الذي احتلته اسرائيل في الجبهة وتمكن الجيش السوري بمساعدة العراقيين ولواء اردني دخل الحرب في 14 اكتوبر من تطويق القوات الاسرائيلية وارسل الملك فيصل 2000 جندي سعودي وارسل المغرب لواء اشترك في معارك سفوح جبل الشيخ وفي 20 اكتوبر اعاد الاسد تمركز قواته المقاتله والقوات الحليفة وادرك انه الان لديه من القوة ما هو قادر به على شن هجوم معاكس لاعادة التقدم مرة اخرى ودحر الجيش الاسرائيلي.

ولكن ماذا كان يحدث على الجانب المصري ؟

في 16 اكتوبر عندما وجه السادات ( بعد يومين من هجومه السيئ الحظ ) رسالة مفتوحة الى الرئيس نيكسون في خطاب القاه في مجلس الشعب المصري فوجأت القيادة في سورية مفاجأة غير سارة فالمعركة ما زالت مشتعلة على الجبهة السورية والسادات يطلب في مصر وقفا لاطلاق النار ويدعو الى مؤتمر للسلام تشرف عليه الامم المتحدة ولكن المخيب للأمل كان هو استعداد السادات لوقف القتال, صحيح أنه ربطه باسترجاع الأراضي المحتلة وإحقاق الحقوق الفلسطينية, لكن صدمة الأسد أتت من رغبة إيقاف القتال ووضع الثقة بالنوايا الأمريكية وكتب إليه الأسد :"كنت أفضل لو أنني رأيت اقتراحاتك قبل أن تصبح علنية..أشعر أن كل منا له الحق في معرفة أفكار ونوايا الآخر قبل أن يعلن عنها في الإذاعة..إن كتابة مثل هذه الكلمات لا تسرني ولكنني لا أرغب في إخفاء أي من أفكاري عنك مادمنا مشتبكين معا في معركة حياة أو موت".
ورد السادات مطمئنا:"يجب أن نخوض المعركة السياسية والعسكرية جنبا إلى جنب "ووعد الأسد بأن يستشيره إذا جد جديد.

وكانت هناك قوات اسرائيلية مدرعة تعربد على الضفة الغربية للقناة وعندما بدأ وضع مصر العسكري يتدهور سارع رئيس الوزراء السوفييتي ( الكسي كوسيغين )
الى القاهرة ليحث السادات الى قبول وقف اطلاق النار مع بقاء القوات في اماكنها وكان الجسر الجوي الأمريكي الذي انزل بعض شحناته في سيناءواصبح الجيش المصري الثالث وميناء السويس تحت رحمة الاسرائيليين وكن هذا ضربة قاصمة لمعنويات السادات ويقيم شبح انهيار عام في مصر.

ابرق السادات للأسد في 19 اكتوبر ( لقد قاتلنا اسرائيل حتى اليوم الخامس عشر وفي الأيام الأربعة الأولى كانت اسرائيل وحدها ولكن خلال الأيام العشرة الأخيرة كنت على الجبهة المصرية اقاتل الولايات المتحدة كذلك من خلال الأسلحة التي ترسلها وبصراحة فانني لا استطيع ان احارب امريكا ولا ان اقبل امام التاريخ عن تدمير قواتنا المسلحة للمرة الثانية ...إن قلبي ينزف دما وأنا أخبرك بهذا)

ورأى الاسد ان هذه الرسالة الانهزامية تشير الى نهاية ضغط العرب العسكري وقد انفجر غاضبا امام انهيار اعصاب السادات وابرق له ( تلقيت رسالتك امس بتأثر بالغ وارجوك ان تنظر مرة اخرى الى الوضع العسكري على الجبهة الشمالية وعلى جانبي القناة واننا لا نرى سببا للتشاؤم اننا نستطيع ان نتابع النضال ضد قوات العدو سواء اعبرت القناة ام ظلت تقاتل على الضفة الشرقية وانني متأكد انه باستمرار وتشديد المعركة سيكون من الممكن تدمير وحدات العدو التي عبرت القناة ......
أخي السادات: من أجل الحفاظ على معنويات القوات المقاتلة فإن من الضروري التأكيد على أن العدو قد تمكن نتيجة حادث فجائي من اختراق جبهتنا وأن ذلك لا يعني أنه قادر على تحقيق الإنتصار.
فلقد نجح العدو في اختراق الجبهة الشمالية قبل أيام , ولكننا صمدنا وأتبعنا ذلك بتشديد القتال , وتم إغلاق وتطويق معظم نقاط الإختراق ,وسنتمكن من التعامل مع بقية نقاط الإختراق المتبقية.
وانني لواثق من انك تقدر بأنني وزنت كلماتي هذه بعناية فائقة مع ادراك كامل بأننا نواجه الأن اصعب فترة في تاريخنا ..والله معك )

ولم يتلق الاسد رد على هذه الرسالة.

وهكذا اتفق كيسنجر مع بريجنيف على نص قرار تبناه مجلس الأمن في الساعة 12 والدقيقة 52 من بعد ضهر 22 اكتوبر عرف باسم القرار 338 على ان يدخل حيز التنفيذ بعد 12 ساعة من تاريخ اعلانه وكان وقف القتال حيثما تجد الجيوش نفسها يعطي لاسرائيل ميزة ومساومة على المواقع على الجبهتين واما كلمة انسحاب او كلمة فلسطين فلم تظهر في نص القرار

قبلت مصر واسرائيل وقف اطلاق النار على الفور اما سورية فلم تقبل بهذا القرار واتخذت موقف التحدي , فقد شعر الأسد بالغضب لتفرد السادات ولم يكن الأسد راضيا عن صفقة تعقدها الدولتين الكبريتين من وراء ظهره وبدون أن تكلفا نفسيهما عناء مشاورته .
عرف السادات أن مشاعر الأسد قد استفزت فقام بمحاولة متأخرة لمصالحته واتصل السادات هاتفيا به ووعده بإرسال عزيز صدقي لشرح كل شيء , فقال الأسد أنه سيتريث ويتوقف عن إصدار حكم .
ثم وعندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مساء 22 تشرين تحدث السادات مرة أخرى مع الأسد وكان واضحا أنه شعر بالقلق لان حليفه لم يستجب علانية لقرار وقف القتال )وقال له: لماذا لم تلتزم بوقف اطلاق النار وسأله الاسد ( على أي اساس تقترح وقف اطلاق النار ) فأجابه ( وعدونا ان يعيدو لنا اراضينا )

فقال الاسد ( ليس لدي دليل على هذا الكلام ) وعندما ابلغ السادات الاسد بأن وقف اطلاق النار كان نتيجة اتفاق بين موسكو وواشنطن ابلغله الاسد ( نحن الذين نقاتل وليس هم ) فاسشاط السادات غضبا ورأى أن استمرار الأسد بالقتال سيحرجه أمام الرأي العام العربي , فأجاب قبل أن يغلق الهاتف :حسنا سيصل صدقي إلى طرفكم.
طارعزيز صدقي الى دمشق ليلقى استقبالا صقيعيا , وكانت مهمته الصعبة هي إقناع الأسد بأنه تم الحصول على تنازل إسرائيلي كبير وأنها ستنسحب من كل الاراضي العربية المحتلة في حرب 1967 وعلى الفور وفي مدة اقصاها 6 اشهر.
من وعدكم بذلك؟
-الأمريكيون والسوفييت.
بأي ضمان.
إننا واثقون من ذلك,على كل إذا لم يفوا بوعدهم فسوف نعود للقتال فقواتنا لا زالت في أماكنها.

ولم يصدق الاسد كلمة واحدة وقال لصدقي بتشاؤم كئيب ( لقد سمعنا ما تريد ان تقول ).

وفي 23 اكتوبر استدعي السفراء العرب في دمشق الى اجتماع عاجل واعلمهم الجانب السوري على ان سورية عازمة على رفض وقف القتال وبما ان القضية الفلسطينية تهم الجميع فسورية راغبة بمعرفة رأي الحكومات العربية في خطوتها هذه فاتفقت الاقطار العربية على ان ( سورية ليس لها خيار سوى قبول القرار ).
واستمزج الأسد آراء عدد من الزعماء مباشرة بمكالمات هاتفية مع الملك فيصل والحسن الثاني وهواري بومدين والقذافي وأحمد حسن البكر وحكام من الخليج فعبروا عن تعاطفهم معه في محنته , وبعد انسحاب مصر من المعركة كانوا قلقين على سوريا , وهكذا تم الإجماع على القبول بوقف إطلاق النار في وقت متأخر من يوم 23 -10-1973.
ولكن في إشارة متحدية قالت سوريا أنها تفهم من القرار 338 أنه يطالب بالإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة وبضمان الحقوق الفلسطينية , فاحتجت إسرائيل بأن الصيغة السورية تغير معنى القرار وتعني أن سوريا لم تقبل بوقف القتال, ولم يرد الأسد على هذا الإحتجاج .
وبرغم موافقة مصر في 22 تشرين على وقف القتال , إلا أن اسرائيل انتهكت هذا القرار وانطلقت بكل قوتها لفرض الإستسلام على الجيش الثالث المصري المحاصر , وعندماتصاعدت صرخات السادات , غضب بريجينيف على تسامح أمريكا السافر مع الإنتهاكات الإسرائيلية واقترح إرسال قوات سوفياتية وامريكية للمنطقة على عجل لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار.
وهذا آخر أمر كان يرغب به كيسينجر , وهدد باستنفار للقوات الأمريكية في جميع أنحاء العالم لمواجهة السوفيات , واختار أن يقنع الإسرائيليين بأن فرصة وضع مصر على الطريق نحو سلام منفصل هي أفضل من تدمير السادات .
باتريك سيل
(من كتاب:الصراع على الشرق الأوسظ)