احذروا الدول الصغيرة-حرب تموز2006(4)

حوالي الساعة 8:45 صباحا،من يوم 12 حزيران (يوليو) 2006 المشهود، انطلق سبعة رجال من الفرقة الحادية والتسعين، المسؤولة عن حماية حدود اسرائيل مع لبنان، في مركبتي "هامر" مصفحتين في طريقهم للقيام بدوريتهم اليومية على طول القطاع الاوسط.

وبينما أطلقت مواقع حزب الله وابلا من القصف المدفعي للتعمية، انسل الماهجمون دون ان يراهم أحد عبر الحدود، وأخذوا أسيريهم، الرقيبان عودي غولد فاسر والداد ريغيف، معهم. وتطلب الأمر ساعتين تقريبا قبل أن ترتب الفرقة الحادية والتسعون المرتبكة والتعسة والتي كانت تنقصها القوة البشرية لما يشبه فقط عملية ملاحقة. ولكن ما كادت الدبابة الوحيدة التي قامت بالملاحقة تجتاز الحدود حتى اصطدمت بلغم وضعه حزب الله، وقتل طاقمها المكون من أربعة أفراد على الفور.

ومباشرة بعد أخذ الرهائن، أبلغ نصرالله مؤتمرا صحفيا بأن غولدفاسر وريغيف لن يطلق سراحهما الا من خلال مفاوضات غير مباشرة لتبادلهما مع أسرى لبنانيين وفلسطينيين. وأوضح أنه بقدر ما يعنيه الأمر، فإن العملية العسكرية التي أحدثت التحول تمت في نطاق أهداف وطنية لبنانية صرفة وضعها الحزب لنضاله، ولذلك ليس هناك من مبرر لأي رد اسرائيلي خارج نطاق "قواعد لعبة" ما بعد الانسحاب الاسرائيلي. وأقصى ما كان يتوقعه كما يبدو هو أن "تنتقم اسرائيل انتقاما متواضعا، فتقصف هدفين ويكون ذلك نهاية القصة".وما تلقاه فعليا كان- وفقا لما قاله- تجاوزأسوأ خيالاته. فلا هو ولا قيادته المكونة من 15 رجلا قدروا بما هو أعلى من واحد في المائة احتمالات لجوء اسرائيل إلى عنف بالحجم الذي استخدمته. (...)

"ما الذي فعلتموه؟"

رئيس الوزراء اللبناني، فؤاد السنيورة، في ما يخصه، لم يوافق على المسألة كلها. السنيورة سأل حسين خليل، أحد مساعدي نصر الله، بعد أن استدعاه إلى مكتبه :"ما الذي فعلتموه؟". وعندما اكد له خليل أن "الوضع سيهدأ خلال 24-48 ساعة، أشار السنيورة إلى التطورات في قطاع غزة وما ألحقه الاإسرائيليون بالقطاع منذ قيام الناشطين الفلسطينيين باختطاف جندي اسرائيلي قبل ثلاثة أسابيع. ورد خليل بهدوء :"لبنان ليس غزة".

لكن لبنان كان غزة- ومع إضافة تصفية لحساب قديم. وربما كان اولمرت ينتظر فقط ذريعة لضرب حزب الله، لكن أسر الجنديين كان مجرد استفزاز كاف لتبرير ما وقع. فلا شيء يثير جنون الاسرائيليين أكثر من أسر جنودهم. وليس فقط أن عملية الأسر جاءت في اعقاب العملية الأولى، رغم أن العمليتين نفذتهما منظمتان على جبهتين مختلفتين، فقد كان من الواضح أنهما مترابطتان سياسيا وعاطفيا وربما عملياتيا. وإذا كانت الأولى شكلت ضربة لـ"قوة الردع" الاسرائيلية، فالثانية ضاعفت الى حد كبير من الضربة الأولى. وبالنسبة إلى لبنان، كان على اسرائيل أن ترد بشكل يفوق ما فعلته في غزة.

وغزة كانت بالفعل شيئا مختلفا جدا. فهناك، تم خطف الجندي غلعاد شاليط واسره بغارة كوماندو نفذت على اكمل وجه تقريباً ضد هدف عسكري حقيقي. ووصف أحد المعلقين الاسرائيليين الأكثر رصانة العملية بأنها "مشروعة تقريبا". وفي الهجوم الذي قامت به قوة مشتركة من "حماس" وفصائل أخرى على موقع اسرائيلي حدودي تمكنت القوة من قتل جنديين وسرّبت شاليط إلى غزة عبر نفق حفروه تحت الحدود لهذه الغاية. حدث ذلك بالفعل أثناء العملية، ولتنفيذ الانتقام، شنت اسرائيل هجوما قتل خلاله حوالي 75 فلسطينيا، ولم يقتل أي اسرائيلي في المقابل سواء من الجنود خلال الهجوم أو من المدنيين نتيجة إطلاق الصواريخ البدائية المصنوعة محليا "قسام" على بلدة سديروت الحدودية. ومن بين أحدث ضحايا الهجوم ثمانية اشخاص - بينهم ثلاثة أطفال- قتلوا واثنان وثلاثون جريحا، في قصف مدفعي صادف قيامهم بنزهة على الشاطئ.

ردا على الغارة الفلسطينية أعادت اسرائيل فعليا غزو القطاع الذي "أخلته" من المستوطنين وغيرهم، في العام الذي سبقه. الاسم الرسمي للهجوم كان- عملية "أمطار الصيف"- وكان هدفه تأمين اطلاق سراح شاليط من دون شروط. لكن السبب الحقيقي كان مزدوجا. الأول إعادة "قوة الردع الاسرائيلي"، وهالة عدم امكانية قهرها، بصورة مثالية من خلال انقاذ رهينتها بشكل متألق. والثاني هو استخدام تفوقها العسكري الهائل لترتيب تغيير شامل في بيئتها السياسية والاستراتيجية- في هذه الحالة إطاحة حكومة "حماس" المنتخبة ديموقراطيا، في غزة أو شل قدراتها. وهكذا، وبغض النظر عن خطر احتمال قيام آسري شاليط بقتله كنوع من الانتقام، صعدت اسرائيل حملتها العسكرية الشرسة، فقتلت 300 فلسطيني آخرين، كثيرون منهم مدنيون، قبل أن تنتهي العملية، واعتقلت ثمانية من وزراء "حماس" وعشرين من النواب المنتخبين حديثا، وقصفت الوزارات، واحدى الجامعات، ومحطة توليد الكهرباء الرئيسة، وحولت ما كان معترفا به على الصعيد الدولي على أنه "أزمة انسانية" إلى "كارثة إنسانية".

لبنان كان أيضا مثل غزة لأن حزب الله نفسه جعل لبنان كذلك. صحيح أن نصر الله في إطار الحفاظ على المبررات "الوطنية" لأخذ أسرى اسرائيليين، نفى أن ما أقدم عليه له أي علاقة بالعقاب الذي تلحقه اسرائيل بالفلسطينيين . لكن ذلك كان نفيا شكليا لم يأخذه كثيرون مأخذ الجد.(...)

وهكذا، فعندما قام حزب الله بأسر جنديين اسرائيليين آخرين، الأمر الذي أربك "المعتدلين" العرب وأثار غضب الاسرائيليين، كان ذلك من الناحية الفعلية، إعادة تكريس ذاتية للمهمة الجهادية التي كانت، من حيث انتماء الحزب للبنان، مرفوضة بشكل واضح. وكان حزب الله في قيامه بهذه العملية، بالطبع، رأس الرمح للمعسكر الإسلامي القومي الذي تقوده ايران والذي ينتمي الحزب إليه، رغم الهوية غير اللبنانية لهذا المعسكر. وبالنسبة الى الاسرائيليين، كان ذلك "محور الشر الجديد" في الشرق الأوسط ممارسا لنشاطه. وبالفعل، كان الهجوم بالضبط الشيء الذي كانوا يتوقعونه، خلال المراحل الأولى من هجومهم على غزة، ورفع جيشهم مستوى التأهب على الحدود اللبنانية من درجتين إلى أربع درجات من أصل خمس. وكانت معلومات محددة، وليس فقط توقعات استراتيجية، هي التي حفزتهم على تلك الاحتياطات. والتقطت أجهزة استخبارية محاورات بين خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" في دمشق، ونظرائه في غزة وحزب الله في لبنان. وما كشفت عنه المحاورات كما يظهر هو أنه، في الوقت الذي كانت "حماس" تخطط فيه لعملية أخذ رهائن في الجنوب، كان حزب الله يستعد "لتسخين الأمور" في الشمال.

وعندما ذهبت اسرائيل للحرب في لبنان كان هدفها الرسمي الرئيس هو إنقاذ جندييها الأسيرين. ولكن بصورة اكيدة اكثر من حالة غزة، لم يكن ذلك هدفها الحقيقي. وليس هذا ببساطة لأن اسرائيل علمت، خلال ساعتين، أن الإنقاذ سيكون مستحيلا، أو لأنها تأكت تماماً، خلال يومين، من أن الاثنين كانا ميتين فعليا، إما أنهما قتلا خلال الاختطاف أو ماتا متأثرين بجروحهما بعد الهجوم. وقال اولمرت إن اسرائيل منشغلة بقتال على جبهتين هدفه خلق "نظامين جديدين" علىحدود اسرائيل، واحد في غزة خالية من "حماس"، والآخر في لبنان خاليا من حزب الله. وكانت ثانية هاتين المهمتين هي التي شرعت في تنفيذها بشنِ عملية "الجزاء العادل" بتهور وعنف.

كانت استراتيجية اسرائيل لتدمير حزب الله من جزءين. الأول عسكري بشكل حصري، وهو ضربه بشكل مباشر. والثاني-عسكري من حيث الأسلوب لكنه سياسي من حيث الجوهر عن عمد- وهو إلحاق آلام وعقوبات بالدولة اللبنانية والشعب اللبناني إلى أن، تقوم الدولة والشعب بالتمرد على الخارجين على القانون في أوساطهم، ونزع سلاحهم كما طُلب منهم في القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وكان ذلك، بكلمات أخرى، الاستراتيجية التي استخدمتها اسرائيل مرارا في لبنان سابقا، أولا ضد الفلسطييين، ثم ضد حزب الله. كانت العملية إعادة تسميع لعمليات "الحساب" 1993، و"عناقيد الغضب" 1996- ولكن بشكل موسع.(...)

وكتب الصحافي بن كاسبت بشكل نمطي في جريدة "معاريف" :"حزب الله يجب أن يخرج من هذه الحرب مهزوما، مصابا بكدمات، زاحفا، داميا، باكيا. ولا يمكن السماح له بالاقتراب من الحدود مرة أخرى. منشآت تخزين صواريخه يجب محوها. التهديد يجب أن ينتهي. نصر الله يجب أن يموت". (...) وبالنسبة الى الهدف الثاني، الجزء "اللبناني" من استراتيجية الحرب، كان لاسرائيل مبرر بسيط له. ما فعله حزب الله، كما قالت، لم يكن مجرد "هجوم إرهابي"، ولأن حزب الله كان جزءا من الحكومة اللبنانية فقد كان اختطاف الجنديين ايضا "عملا من أعمال الحرب"من جانب دولة ذات سيادة على دولة أخرى. ولذلك على لبنان أن "يتحمل تبعات عمله". وستكون التبعات، بكلمات أولمرت، "مؤلمةً جداً، جداً، جداً". أحد جنرالاته، عوزي آدم، قائد الجبهة الشمالية، قال إن "كل شيء، وليس فقط خط مواقع حزب الله" اصبح الآن هدفا "مشروعا". وإذا لم تتم استعادة الرهائن، وفقا لرئيس الأركان دان حالوتس، "فستعيد اسرائيل ساعة لبنان إلى الوراء عشرين عاما". وستقوم بذلك من خلال ضرب أهداف مدنية أو "بنية تحتية". ولم يحدد بوضوح ما قصده في حينه، وإن كان هذا التدمير هو الذي كان يعنيه.

"حرب اختيار"

اسرائيل دولة محاربة منذ قيامها. ومن عهد مؤسسها ديفيد بن غوريون، إلى شارون آخر جيل مؤسسيها، كان أبرز قادتها المشهورين إما عسكريين أو شبه عسكريين. ولكن لا اولمرت ولا وزير دفاعه يدخل في هذا النطاق.(...)

وعلى أي حال، فلا أولمرت- و"لا وزير دفاع لم تكن له أدنى فكرة عن الدفاع" استمد تفوقه من ذاته. فقد اعتمد كل منهما اعتمادا كبيرا على نصائح مهنية من الرجل الذي كان يمثل الجيش في مجالسهم. وكان رئيس الأركان دان حالوتس. ولم يكن حالوتس فقط تواقا للعمل مثلهم، اذ انه أول قائد لسلاح الجو يتولى هذا المنصب بل كان يعتنق رسالة جذابة بصورة خاصة: أن اسرائيل تستطيع أن تحطم حزب الله باستخدام سلاح الجو فقط ، وقد لا تكون هناك حاجة على الإطلاق لهجوم بري. (...)

كلا، فمن الناحية الأساسية، كانت هذه واحدة من الحروب "التي بادرت" إليها اسرائيل"مستخدمةً القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية". وهذا هو الوصف الذي أعطاه لاحقا تحقيق رسمي، هو لجنة فينوغراد"، للحرب. او انها كانت "حرب اختيار" أخرى" نحن "بدأناها"- بكلمات ضابط قاتل خلال الحرب.

ستكون حربا رخيصة وسهلة. هكذا اعتقد الوزراء على الاقل- رغم أن آراءهم اختلفت حول المدة التي ستستغرقها. بيريتس فكر أنها ستستمر ما بين عشرة إلى أربعة عشر يوما، واولمرت قال إن "لبنان سيُقصف من الجو أياما قليلة، وخلال تلك الفترة ستضع اسرائيل حدا لنيران صواريخ كاتيوشا إلى أن يطلب حزب الله وقف إطلاق النار". وزيرة الخارجية تسيبي ليفني أقنعت نفسها إلى حد ما بأنها ستنتهي في اليوم التالي.. ولكن، مهما طالت الحرب، فستكون مدمرة- وطبق الأصل عن "الصدمة والرعب"- بالنسبة الى العدو.(...)

في نظر الذين شنوا الحرب، بدأت حرب "الجزاء العادل" بشكل جيد للغاية بالفعل. خلال الأيام القليلة الأولى قصفت طائرات "ف-16" ومروحيات "اباتشي" مجموعة متنوعة من الأهداف. بعض الأهداف كان مدنيا بشكل كامل و"لبنانيا"، والبعض الآخرمن منشآت حزب الله العسكرية/ الاستراتيجية/ اللوجستية. بعضها جمع، بنسب متفاوتة، بين الأمرين. والقليل منها لم يكن له معنى على الإطلاق. والأول بين الأهداف ذات الاهمية الكبيرة التي تعرضت للقصف كان مطار بيروت الدولي الذي أعيد بناؤه حديثا، فقد دمر مدرجه في غارة عند الفجر. ثم جاءت الطرق والجسور التي قُصد من تدميرها شل حركة نقل الأسلحة والتموين لحزب الله. وبحلول اليوم الثاني جاء دور الضاحية الجنوبية من بيروت حيث مقرات حزب الله ولكن أيضا مئات الآلاف من الشيعة البسطاء. كانت الطائرات الحربية تحاول قتل نصر الله وقيادته في المكان الذي ظنت اسرائيل أنه استحكامه تحت الأرض، واستخدموا 23 طنا من المواد الشديدة الانفجار في غارة واحدة. وخلال العملية، حولوا شارعا بعد شارع من العمارات السكنية- التي نصح حزب الله سكانها قبل الغارة بإخلائها، إلى أنقاض ينبعث منها الدخان، شبيهة بـ" الأرض صفر" التي خلفتها احداث 11 أيلول (سبتمبر) في نيويورك، وإن كان على نطاق أوسع". خمسة وخمسون شخصا، معظمهم مدنيون، قتلوا خلال اليوم الأول من القتال، وأكثر من 300 خلال الأسبوع الأول. ستة عشر سقطوا في غارة جوية واحدة على قافلة غادرت قرية مروحين الجنوبية بعد أن حذرت منشورات اسرائيلية سكانها، وطلبت منهم الخروج في الوقت الذي يمكنهم فيه ذلك. وكان هؤلاء مجرد عدد قليل من سيئي الحظ ضمن مئات الآلاف الذين فروا نحو الشمال خلال هذا الرحيل الجماعي الخامس من نوعه منذ العام 1978.(...) كان حصارا بريا بحريا وجويا واستهدفت الموانئ والحواجز الشاطئية على طول الساحل لفرض الحصار. كما قُصفت محطات توليد الكهرباء ، ومستودعات الوقود، ومحطات البنزين، وهوائيات التلفزيون، ومحطات الرادار ومنارة بحرية حديثة قرب كورنيش بيروت الشهير، وقتل ثلاثة اشخاص، اثنان منهم فنيَان بلجيكيان، خلال قصف مصنع "حليب لبنان" للالبان في بعلبك.

ربحنا " الحرب"

نجاح المهاجمين جاء في أول عملية قاموا بها.(...) دمروا 59 منصة إطلاق ثابتة للصواريخ، ونصف إلى ثلثي مخزون حزب الله من الصواريخ متوسطة المدى- معظمها من طراز "فجر" ايرانية الصنع مخبأة في بيوت ناشطي حزب الله في جنوب لبنان. ومع وصول التقارير الأولى عن الغارة، بعد منتصف ليلة 12/13 تموز (يوليو) اتصل حالوتس هاتفيا برئيس الوزراء وأبلغه بالنتائج. ثم، وبعد صمت قصير، أضاف :"ربحنا الحرب". ربما كانت نكسة كبيرة لحزب الله. ولكن مهما كان أثرها في زعزعة المعنويات، فانها لم تكن مطلقا منسجمة مع ما أحدثته من انتعاش لدى اولمرت وبيريتس. كانا بالفعل مبتهجين، بل إنهما شبهاها بالملحمة في حوليات الحروب المعاصرة، شبيهة بالضربة الوقائية التي دمرت أسلحة الجو العربية خلال الساعات القليلة الأولى من حرب حزيران (يونيو) 1967. كما وصفاها بأنها الدليل غير القابل للنقض على شجاعتهما الشخصية، وذكائهما وعزيمتهما الصلبة.(...)

"(...) كان هناك إجماع تقريبا بين السياسيين في غالبية حركة 14 آذار (مارس) وفي الصحافة. وقد ادعوا منذ وقت طويل أنه من بين كل حقوق الدولة ذات السيادة التي انتزعها حزب الله عملياً، كان الحق الجوهري والاخطر هو حق بت مسائل الحرب والسلام. والآن هو يتصرف بهذا الحق من دون استشارة أحد، بمن فيهم الحكومة التي هو جزء منها رسميا. وبالإضافة إلى الغرور الأحادي الجانب وعدم المسؤولية لدى حزب الله، فقد لاحظوا اليد الخارجية لداعميه الإقليميين. وكان هذا، كما قال جنبلاط، اقترانا بين سعي أحمدي نجاد لتجربة قوة ايران النووية مع اسرائيل والغرب، وبشار الأسد الذي يحاول بأي ثمن إعادة بسط سيطرة سوريا على لبنان والحيلولة دون تشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري. وتساءل سعد، نجل رفيق الحريري، عن السبب في بقاء لبنان "الواجهة التي يسعى الآخرون لمحاربة اسرائيل من خلالها في الوقت الذي تظل فيه جبهاتهم هم "- وعنى بذلك الجولان السوري- هادئة طيلة الأعوام الثلاثين الماضية؟

الحكومة التي تم تجاهلها ولم تُستشر تنصلت رسميا من عملية اختطاف الجنديين الاسرائيليين. ولكن على الصعيد الخاص- أو هكذا اعتقد الاسرائيليون على الأقل- ذهب معسكر 14 آذار (مارس) إلى ما هو أبعد من ذلك، وكان سعيدا "بكل ما في الكلمة من معنى "لرؤية اسرائيل تهاجم حزب الله"، ويأمل أن تتمكن من تدميره.

"اقصموا ظهر حزب الله"

كان الموقف العربي الأوسع لا يقل امتنانا لاسرائيل. ففي اليوم الذي أعقب الاختطاف، أعلنت السعودية أنه يجب التفريق بين "المقاومة المشروعة" و"المغامرات غير المحسوبة" التي تقوم بها "عناصر مغامرة داخل لبنان ومن يساندونها". وهذه "العناصر" تعرض الدول العربية "لمخاطر جسيمة"، وعليها، وعليها وحدها، أن "تنهي الأزمة التي خلقتها". وحذت الدولتان المعتدلتان الأخريان، مصر والأردن، حذو السعودية على الفور. وكان هذا تطورا غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي- الاسرائيلي، اي المرة الاولى التي تسير فيها دولة من المجموعة العربية، وهي دولة مهمة جدا، للاقتراب من "العدو الصهيوني" أكثر من الدول العربية التي تحاربه. وكان القلق من ايران مماثلا لما يأتي من تابعها اللبناني. في القاهرة، لم يفكر محرر صحيفة "الجمهورية" اليومية في الأمر أقل من كونه "خطة ايرانية (...) لتدمير الدول العربية من الداخل (...) وتحويل العالم العربي كله إلى ميلشيات مسلحة شبيهة بحزب الله". وفي السعودية، قلعة الأصولية السنية المتطرفة، اصدر علماء الدين فتاوي ضد حزب الله والشيعة "المرتدين" الذين وقفوا مع أعداء الإسلام. ولم يكن اسم حزب الله متفقا مع معناه، وفقا لإحدى الفتاوى، ولكنه "حزب الشيطان". وحسب رواية اسرائيلية عن الحرب، التمس سفراء الدول العربية "المعتدلة" لدى الأمم المتحدة من اسرائيل أن "تكسر العمود الفقري لحزب الله". (...)

بالنسبة الى واشنطن، كانت المهمة الأولى لاسرائيل هي "كسر عظام حزب الله". لكن بوش أراد أيضا أن يقوم من خلال توكيل اسرائيل بما أراد عدد من المحافظين الجدد بوش أن يقوم به، وأن تهاجم الأعداء "الحقيقيين" وراء حزب الله. وإذا كانت إيران بعيدة وهدفا منيعا، فان سوريا حليفتها "ضعيفة وفي الجوار"- وهي، في ذهن بوش، الأقدر على وقف قيام حزب الله بهذه القذارات".

ونظرا لعدم رغبة الولايات المتحدة في توريط نفسها عسكريا، فقد بذلت قصارى جهدها لتزويد اسرائيل بالحماية الدبلوماسية التي تحتاجها للقيام بالمهمة التي تقوم بها اسرائيل نيابة عن اميركا. وقبل مرور وقت طويل اصبحت اسرائيل بحاجة للكثير، بسبب تلاشي التعاطف الذي أظهره المجتمع الدولي مع اسرائيل في بداية الحرب عندما شاهد الكيفية التي خاضت بها الحرب. ربما كان أخذ حزب الله للأسرى غير قانوني، لكنه لم يكن بالكامل من غير استفزاز، كما أن أهدافه كانت عسكرية فقط. لكن معظم الدول الثماني الكبرى اقتصادياً G8، وخصوصا فرنسا، لم تتعامل بلطف مع الطريقة التي فسرت بها اسرائيل- بهجماتها "غير المتناسبة" على المدنيين والبنية التحتية المدنية- حقها في "الدفاع عن النفس" المعترف به دوليا. وهكذا ضغطت الأمم المتحدة وأوروبا وروسيا والصين والعالم الثالث بسرعة لوقف إطلاق النار. ولم يقف ضد هذا الرأي بقوة وتصميم سوى إدارة بوش وتابعه المخلص توني بلير. وقالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إن "الخسائر أمر مخيف للشعب اللبناني"- لكنها- ظلت تؤكد يوميا أنه ببساطة لا معنى لوقف لاطلاق النار لا يكون "مستداما"، أو غير قادر على معالجة "الأسباب الجذرية". "وما كان العالم يشاهده" كان "تقلصات الولادة لشرق أوسط جديد". وحان الوقت لنظهر"لأولئك الذين لا يريدون هذا الشرق....أننا سننتصر- وأنهم لن ينتصروا". (...)

هل كانت اسرائيل بيت العنكبوت الذي وصفها به نصر الله؟

لم تستمر حرب اسرائيل بنفس المستوى الجيد لفترة طويلة. في النهاية خسرت اسرائيل الحرب، ما جعل منها الحرب العربية- الاسرائيلية السادسة، والأولى، من حيث النقاط على الأقل، التي ينتصر فيها الجانب العربي. وكان النصر فيها، كما قال أليستر كروك ومارك بيري، في أول التقييمات الجادة للحرب، "كاملا وحاسما". وقياسا بالتوقعات الأولية لدى من قاموا بشنها، فقد كانت كذلك بالتأكيد. فقد فشل الاسرائيليون تماما في طموحاتهم لتدمير حزب الله وقتل زعيمه. وبالنسبة الى حزب الله، كان كل ما عليه القيام به لينتصر هو أن يظل موجودا، ولكن أكثر من ذلك، فقد خرج أقوى مما كان عليه عندما دخل الحرب. اماما سيعنيه النصر بالفعل، بالنسبة الى المنطقة والعالم، فلن يتضح الا بمرور الوقت. وفي أعقاب الحرب مباشرة، اذا كانت عاطفة سائدة ومشتركة على نطاق واسع، فمن المؤكد أنها الدهشة. كيف كان بالإمكان تحقيق ذلك، هذا هو السؤال الذي وجهه الصديق والعدو، والمراقب المحايد؟ كيف استطاعت مجموعة من رجال الدين، وعدد قليل من "المقاتلين الإسلاميين" الانتصار على واحد من أقوى الجيوش في العالم وافضلها تجهيزا؟ هل من الممكن أن يعني ذلك أن اسرائيل كانت "بيت العنكبوت" الذي وصفها به نصر الله، وأن جيشها، وبراعتها العسكرية، و"استحالة قهرها" اسطورة تنتظر فقط رجل الأقدار الذي يكشفها ويخترقها؟ من الصعب قول ذلك. لكن شيئا واحدا، على الأقل، مؤكد: نصر الله "قرأ" عدوه بشكل أفضل مما قرأت اسرائيل حزب الله. وإذا كان ارتكب خطأ جوهريا في استثارة الحرب بالدرجة الأولى، فإن اسرائيل ارتكبت خطأ أكبر في مبالغتها بقدرتها على معاقبة خطأ نصر الله. (...)