أخبار أوغاريت في مراسلات العمارنة

بعد الرسائل التي كشف عنها في موقع تل العمارنة (أخيتاتون) شمالي أسيوط بمصر - منذ سنة 1887م - أهم مصادر تاريخ بلاد الشام عامة خلال القرن الرابع عشر ق.م.
إنها رسائل تبادلها عدد من الملوك البابليين والآشوريين والميتانيين والحثيين، ومجموعة من ملوك مدن الشام وحكامها لا سيما في المناطق الساحلية مع الفراعنة حكام مصر خلال الفترة التاريخية التي صارت تعرف نسبة إليه بفترة العمارنة، وتمتد بين نحو 1361/1360-1331 ق.م (1).
يبلغ عدد الرسائل المعروفـة حتى الآن (350) رسـالة، وقد حررت باللغـة الأكدية (اللهجة البابلية الوسيطة) عدا رسالة واحدة باللهجة الآشورية (EA15) وأخرى باللغة الحورية الميتانية (EA24) واثنتين باللغة الحثية (EA 31, 32). وتظهر في لغتها مظاهر لغوية خاصة تعكس تأثرها باللغة الحورية المستخدمة في مملكة ميتاني، وبلغات بلاد كنعان في سواحل بلاد الشام (2).
وتعبر الرسائل من حيث مضمونها عن الأوضاع السياسية العامة في الشرق القديم، ومواقف حكام بلاد الشام وطبيعة علاقتهم بفراعنة مصر، وتبيّن حدود التأثير السياسي المصري والتحالفات المعقودة بهدف مواجهة الأخطار الحثية التي كانت تحدق بشمالي سورية. كما أنها تصور انقسام إمارات بلاد الشام في ولائها وتبعيتها للقوى السياسية الرئيسة (مصر، المملكـة الحثيـة، المملكة الميتانيـة) وصراعاتها الداخلية الناجمة عن ذلك، مما جعل الوضع السياسي العام مضطرباً متوتراً أثر في مجرى التطور الحضاري العام، ومنع قيام وحدة سياسية بين الكيانات السياسية الصغيرة؛ بل فرض على الحكام في مدن بلاد الشام أن يبحث كل منهم عن مصلحته ويسعى إلى الحفاظ على حكمه وضمان استمراريته.
وكانت أوغاريت (رأس الشمرا، شمالي اللاذقية) آنذاك مملكة صغيرة مستقلة قائمة في أقصى المناطق الشمالية الساحلية الخاضعة للنفوذ المصري، وتسعى مثل غيرها - إلى ضمان مصالحها التجارية كأبرز مرافئ المنطقة، وإلى المحافظة على كيانها السياسي المتاخم لمناطق النفوذ الحثي في الشمال ولمنطقة الصراع الحثي - الميتاني في جهة الشرق.
أخبار أوغاريت قبل " فترة العمارنة "
يعود الاستيطان البشري في أوغاريت إلى الألف السابع ق.م، ولكن أهميتها التاريخية أخذت أبعاداً واضحة المعالم خلال الألف الثاني ق.م، حيث أضحت آنذاك مدينة تجارية مزدهرة، وشهدت انفتاحاً تجارياً على أبرز المراكز الحضارية في الشرق القديم، ولا سيما في مناطق السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.
ارتبطت أهميتها بموقعها الجغرافي الطبيعي الاستراتيجي الذي أهلها لتكون صلة وصل بين بلاد الرافدين وسورية الداخلية وبلاد الأناضول من جهة ومصر والعالم الإيجي من جهة أخرى، فالتقى فيها تجار جميع تلك المناطق إضافة إلى تجار بلاد كنعان التي كانت أوغاريت تشكل حدها الشمالي الأقصى واتخذوا فيها مقرات مؤقتة أو دائمة لممارسة التجارة، ومن ثم غدت مكاناً لتبادل الثقافات المختلفة.
كانت الصلات بين سورية الداخلية ومصر تتم خلال الألف الثالث ق.م عبر مدينة جُبْـلا (جبيل، شمالي بيروت)، كما تشهد الآثار المصرية المكتشفة في إبلا (تل مرديخ، جنوب غربي حلب). ويبدو أن أوغاريت نافستها على هذا الدور في النصف الأول من الألف الثاني ق.م، وحلت محلها. فقد كُشف في أوغاريت عن تماثيل وحلي مصرية الأصل تعود إلى عهد المملكة المصرية الوسطى (حوالي 2060- 1786ق.م)، ولا سيما إلى القرن التاسع عشر ق.م (3). ولكننا لا نملك أخباراً تاريخية عن ذلك في الكتابات المصرية وغيرها.
ترد أقدم شواهد النصوص الكتابية عن أوغاريت في وثائق ماري (تل الحريري، على الفرات قرب البوكمال) العائدة إلى النصف الأول من القرن الثامن عشر ق.م (4). وهي تعكس العلاقات الحسنة بين ماري وأوغاريت، ويبدو أن حكام مملكة يَمْخَد (حلب) الأمورية لعبوا دور الوسيط في ذلك. ومن الراجح أن حكام أوغاريت آنذاك كانوا أيضاً من الأموريين الذي سادوا خلال القرون الأولى من الألف الثاني ق.م في معظم مناطق بلاد الرافدين وسورية.
كما تدل شواهد أثرية عدة من أوغاريت على علاقات تجارية لها مع جزر بحر إيجة خلال العصر المينوي الوسيط (2100- 1850ق.م)، ويرجـح أن جزيرتي كريت وألاشيا (قبرص) كانتا محطتين تجاريتين وسيطتين في ذلك.
تعود وثائق الطبقة الأثرية السابعة في ألالاخ (تل عطشانة، شمالي منعطف العاصي نحو البحر المتوسط) إلى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل السابع عشر ق.م. ويرد فيها ذكر أوغاريت مرة واحدة في وثيقة اقتصادية تذكر أن حاكم أوغاريت المدعو بُرُقّا سلم صوفاً إلى مدينة ألالاخ (5). بينما تذكر وثائق الطبقـة الرابعـة فيهـا (القرن الخامس عشر ق.م) أوغاريت في وثيقتين (6)، تتضمن الأولى منها معاهدة يمكن من خلالها افتراض الحدود المشتركة بين مملكتي ألالاخ وأوغاريت، أما الثانية فهي كسرة صغيرة يرد فيها ذكر شخص من أوغاريت يدعى تَنُواتي.
وفي هذه الفترة كان الحوريون والميتانيون قد أسسوا معاً مملكة ميتاني في الجزيرة السورية، ومدوا نفوذهم غرباً في مناطق شمالي سورية، ونتج عن ذلك دخولهم في صراع مع الحثيين حول أحقية السيادة في المنطقة الواقعة بين نهر الفرات والبحر الأبيض المتوسط. ويبدو أن الحوريين نجحوا (نحو 1470ق.م) في فرض سيادتهم على حلب ونيّا (منطقـة سـهل الغـاب) وموكـيش ( ألالاخ ومناطق أعالي العاصي حتى شـواطئ البحر). وكانـت إمـارات ( أو دويـلات) سـورية الوسـطى والجنوبية منقسمة في ولائها للممـالك الكبرى المحيطة بها (الميتانية، الحثية، المصرية).
لم تُذكر أوغاريت في تقارير الملوك المصريين عن حملاتهم إلى سورية آنذاك، ولكنها كانت في الراجح خاضعة للمراقبة المصرية. ثم جاء ذكرها لأول مرة ضمن تقرير عن أحداث السنة السابعة من عهد الفرعون أمنوفس الثاني (1428-1400ق.م) (7). وفي هذه الفترة كان قد اعتلى عرش ميتاني الملك سوشتتر (نحو 1420-1400ق.م) وازدهرت مملكته وقويت، حيث احتل آشور، وعقد معاهدة تحالف مع مصر، واستقر نفوذه في مناطـق ألالاخ، كما شـمل أوغـاريت أيضاً (8).
في مطلع القرن الرابع عشر ق.م اسـتمر الصراع بيـن مملكتي ميتانـي ومصر حول السيادة على سورية، ثـم توقف بعد المصاهرة والتفاهم بين أرتتما الأول (1400-1380ق.م) وتحوتمـس الرابع (1400-1390ق.م). ويبـدو من رسالة كُتبت بعد عهديهما وتضمنت استرجاعاً لأخبار قديمة أنه تم تنظيم حدود النفوذ بينهما، وصارت أوغاريت ومعظم المناطق الساحلية ضمن نطاق النفوذ المصري.
صـارت أوغاريـت في القـرن الرابـع عشـر ق.م مملكـة مسـتقلة تماماً، وحكمها أَمّيس تَمْرُو (الأول) الذي عاصـر الفرعـون أمنوفـس الثالـث (1390-1352ق.م) وارتبـط بـه برابطـة الولاء والصداقـة، كمـا اسـتطاع إرضـاء الحثيين في الوقـت ذاته، وهـي سياسة بـرع فيهـا ملـوك أوغاريت في الفترة التاريخيـة التاليـة، ومن ثم وفّقوا في الحفاظ على الكيـان السياسـي لمملكتهـم وسـط الصـراع المصري الحثي المتزايد خلال " فترة العمارنة ".

رسائل من أوغاريت إلى العمارنة
أشرنا إلى أن أوغاريت مرت بعلاقات حسنة مع مصر خـلال فتـرة العمارنـة (1361-1331ق.م) وقد تضمنت مراسلات العمارنة خمس رسائل مرسلة من أوغاريت إلى العمارنة في مصر، وهي الرسائل الآتية:
1- العمارنة 45 (9)
رسالة من أميس تمرو (الأول) ملك أوغاريت إلى الفرعون أمنوفس الثالث، يقول له فيها ما يأتي:
قل للملك، الشمس، سيدي. (هذه) رسالة أميس تمرو خادمك:
على قدميك أجثو سبعاً ثم سبع مرات. ليت كل شيء يكون سليماً لدى الملك،
الشمس، سيدي، أسرتك، زوجتك الرئيسة، زوجاتك الأخريات، أبناءك، رماة السهام لديك، وكل ما يخص الملك، الشمس، سيدي. ليت كل شيء يكون بخير جداً جداً.
وأنا قلت ما يأتي: " هؤلاء الرجال مصريون.... أسلّمهم إلى الشمس، سيدي، وأرسل رسولي إلى الشمس، سيدي، بسرعة ". ها أنا ذا الآن أسلمهم إلى الشمس، سيدي.
أمرٌ ثانٍ، ملك....... كتب يقول: " لماذا............... وهل تحجز......؟ "ومرة ثانية كتب إلي، وقال ما يأتي:"......... وإلى مصر..... أن ترسل..... فسوف...... ". أنا خادم الشمس، سيدي، حقاً.
أمرٌ آخر، السماء تمنع أن تعود الشمس، سيدي، ضدي. ليته يرسل إلي حياة روحي، وليت فمه ينطق بحياة روحي، وليت الشمس، سيدي يعلم: أن............................ إلى أوغاريت............................
( يلي ذلك أكثر من عشرة سطور مهشمة، لم يبق منها سوى آثار علامات كتابية متفرقة).
يبدو أن الرسالة أرسلت مع رسول أوغاريتي إلى البلاط المصري، واستهدفت ثلاثة أمور، هي:
1"- تسليم رجال مصرين اعتقلوا في أوغاريت لأسباب مجهولة.
2"- أمر غير واضح بسبب وجود نواقص مهمة في النص، وربما يكون متعلقاً بتحريض أحد الملوك المجاورين لملك أوغاريت على الإهمال المصري له.
3"- مناشدة الفرعون بأن يعزز موقفه من ملك أوغاريت الوفي المخلص له.
والرسالة بشكل عام تؤكد صلة الولاء والتحالف بين أوغاريت ومصر. وربما كانت هناك أمور أخرى في الجزء المهشم منها.
2- العمارنة 46 (10)
رسالة يرجح الباحثون أنها مرسلة من أميس تمرو (الأول) إلى الفرعون أمنوفس الثالث أيضاً، وقد وصلت إلينا في حالة مهشمة لدرجة يصعب تقديم ترجمة مترابطة لها. ويتضح من بعض كلماتها أنها تعبر عن إخلاص الملك الأوغاريتي لمصر.
3- العمارنة 47 (11)
مطلع الرسالة مفقود، ولذلك غاب عنا اسم مرسل الرسالة، ولكنها تعود على الأرجح إلى أميس تمرو (الأول) أيضاً. جاء فيها ما يأتي:
أسلافي خدموا لدى أسلافك، والآن أنا أيضاً خادم لدى الملك، الشمس، سيدي حقاً.
إضافة إلى ذلك؛ أرسلتُ رسولي إلى سيدي، ولكن سيدي لم يستفسر منه! ولكل رسل الملوك الآخرين أعطيتَ رقيمك، ورحت ترسلهم، وترسل إليهم رسلك الخاصين أيضاً. ولكن إلي وإلى رسلي لم تعط رقيمك، ولم ترسل إلي رسولك الخاص. هل أُعامل بشكل يتناسب مع وفاء قلبي؟!
أمرٌ ثانٍ، لماذا تصغي إلى جميع كلمات خانيا؟.... حدّث أحداً قادراً..
إنها في جزئها الأخير رسالة عتاب، لأن الفرعون لم يبال برسل الملك الأوغاريتي في بلاطه، ولم يحمّلهم رسالة إليه، بل ولم يرسل إليه كغيره من حكام المنطقة رسولاً خاصاً يفيده بتوجيهاته. وقد لقي ذلك استغراب الملك الأوغاريتي الواثق من وفائه له!
ويبدو أن ملك أوغاريت شك في وشاية ما قام بها خانيا المعروف في رسالتين أخريين (12) كرسول ملكي مصري، أوفد مرة إلى زعيم إحدى القبائل الفلسطينية (EA301) وأخذ منه (500) ثور و(20) فتاة، وأوفد مرة أخرى إلى حاكم غزة لاقتنـاء نادلات جميـلات (EA 369)، ووصف آنذاك بالمراقب العام لكتائب النبالين.
4- العمارنة 48 (13)
رسالة من... خبا إلى زوجة الفرعون المصري. والراجح أن المرسلة هي إحدى زوجات الملك الأوغاريتي نقم أدّو (الثاني)، أما الملكة المصرية فيرى ليفراني Liverani أنها بودو -خبا Pudu - Heba إحدى زوجات الفرعون أمنوفس الرابع (أخناتون) (1352 1366 ق.م)، ولعلها ميتانية كما تشير صيغة الاسم. جاء في الرسالة ما يأتي:
إلى..... سيدتي. (هذه) رسالة... خِبا خادمتك. أجثو على قدمي سيدتي. ليت كل شيء لدى سيدتي يكون بخير.
لقد أعطيتِ خادمتك.. وها أنا ذهِ أرسل إلى سيدتي مع هذا (الرقيم)........ وجرةً من (عطر) البلسم.
تبدو الرسالة نادرة من حيث ما جاء فيها من تبادل الهدايا الخاصة بين الملكات آنذاك، ومن ثم فهي تدلل على علاقات وثيقة بين المملكتين.
5- العمارنة 49 (15)
رسالة من نقم أدّو(الثاني) ملك أوغاريت إلى الفرعون أمنوفس الرابع، جاء فيها:
إلى الملك، الشمس، سيدي. (هذه) رسالة نقم أدّا خادمك:
أجثو على قدمي الملك، الشمس، سيدي. ليت كل شيء يكون بخير لدى الملك، الشمس، سيدي، ولدى أسرته، وزوجته الرئيسة، وزوجاته الأخريات، وأبنائه، والنبالين، وكل شيء آخر يعود إلى الملك، سيدي..
سابقاً أعطى.. إلى بيت أبي. ليت سيدي يعطيني مرافقين خادمين اثنين؛ خادمين للقصر الملكي يكونان من بلاد كوش. وأعطني طبيباً يعمل في القصر الملكي، فهنا لا يوجد طبيب.
انظر ! لتسأل خَرَمَسّا (عن ذلك). ومع هذا (الرقيم) أرسلُ كهدية تحية.. ومئة...
لا تختلف الصيغ التعبيرية في مقدمة الرسالة عما ورد في مطلع رسائل أميس تمرو (الأول). أما من حيث المضمون فالرسالة تشير إلى أن بلاد كوش (مناطق النوبة في جنوبي مصر) كانت موطناً لخدم ثقاة مرغوب فيهم ضمن القصور الملكية، وإلى تطور مصر وشهرتها في مجال الطب، وهي حقيقة تدل عليها وثائق كتابية مصرية كثيرة، أشهرها بردية هيرست وبردية إيبر الطبيتان وقوائم في علم التشريح وغيرها (16).

أخبار متفرقة عن أوغاريت ضمن رسائل العمارنة
إضافة إلى ما سبق، ثمة خمس رسائل أخرى تذكر أوغاريت ضمن سياقات مختلفة. ففي الرسالة (EA1)(17) يرد ذكرها بشكل عابر، وهي رسالة مطولة من الفرعون أمنوفس الثالث إلى الملك الكاشي كدشمان إنليل (الأول) ملك بلاد كردونياش (بابل) (1374-1360ق.م).
يردّ فيها الفرعون على طلبه إحدى بناته زوجة له، وعلى قلقه بشأن مصير أخته، زوجة الفرعون، التي ما عادت تظهر في البلاد المصرية، حسب ما أعلمته رسله إلى مصر.
يعلل الفرعون ذلك بأن رسله تافهون غير صادقين، لا أحد منهم ميزها، ولذلك ينصحه بإرسال أحد وجهائه المحترمين القادرين على تمييزها ونقل حقيقة أوضاعها الحسنة. وتكرر الرسالة ما كان الملك الكاشي قد كتبه إلى الفرعون: ربما كانت (المرأة) التي رآها أحد رسلي ابنة رجل فقير، أو ابنة أحد الكشكيين، أو ابنة أحد (رعايا) مملكة خاني جَلْبَت، أو ابنة أحد (رعايا) أوغاريت !؟
لقد أراد بذلك التعبير عن أقاليم مختلفة، فالكشكيون كانوا يقيمون في أقصى شمالي بلاد الأناضول (في سواحل البحر الأسود الجنوبية)، وخاني جلبت هي المناطق الحورية الشمالية بين أعالي نهري الفرات ودجلة، وأوغاريت تمثل مناطق شمالي الساحل المتوسطي.
وفي الرسالة (EA89) (18) نقرأ التأكيد على عظمة القصر الملكي في أوغاريت، وعدم وجود مثيل لـه، على الأقل في المناطق الساحلية. إنها رسالة مرسلة من حاكم جبلا(جبيل) وينبه فيها الفرعون إلى الوضع الخطير في صورّو(صور)، حيث حصل فيها تمرد أدى إلى قتل حاكمها وزوجته وأولادهما. ويغري الفرعون بالتدخل قائلاً: ألن يسأل الملك عن حاكم صورو ! وهو عظيم بثرواته (الضخمة) كالبحر. انظر! ليس هناك مقر حكم يماثل مقر الحكم في صورو، إنه كالقصر الملكي في أوغاريت.
أما الرسالة (EA98) (19) فهي موجهة من يَفَخ هدّا حاكم بيروت إلى يَنْخُم المراقب المصري العام. يعاتبه في مطلعها بقوله: لماذا تهمل مدينة صُمُر (تل الكزل، جنوبي طرطوس)، حتى أن كل البلدان من جبلا إلى أوغاريت صارت معادية لها في ظل حكم (حاكمها) أزيرو!
وهو يريد بذلك التعبير عن أن مناطق جنوبي صمر مركز إدارة إمارة أمورو حتى جبلا، ومناطق شمالي صمر حتى أوغاريت صارت معادية لها بسبب سوء تصرفات حاكمها. وفي ذلك إشارة إلى القوى الأساسية الثلاث في الجزء الشمالي من سواحل البحر المتوسط.
وتشير الرسالة (EA126) (20) إلى أن مملكة أوغاريت كانت مصدرا أساسياً لأنواع الخشب، فقد كتب حاكم جبلا إلى الفرعون يعمله بأنه حقق طلبه وأمن الخشب من بلاد سُلْخي ومن أوغاريت، ولكنه غير قادر على إرسال سفنه إلى هناك بسبب الحرب بينه وبين أزيرو حاكم بلاد أمورو الفاصلة بينه وبين أوغاريت.
وأخيراً في الرسالة (EA151) (21) نقرأ تقريراً شاملاً عن بلاد كنعان أرسله أبي ملكو حاكم صورو إلى الفرعون، يصف له فيها سوء الأوضاع المعيشية في مدينته، يقول لـه: إننا نقيم على البحر، ولكن لا ماء لدينا ولا خشب. ثم يقول له: لقد كتب الملك سيدي إلي قائلاً: اكتب إلي عمّا سمعته من بلاد كنعان. أقول: لقد مات ملك دانونا، وصار أخوه ملكاً بعد موته، وبلاده تشهد السلام. والنيران التهمت القصر الملكي في أوغاريت، تهدم نصفه، ونصفه زال.
إن القصر الملكي هو القصر الكبير الواقع في الجزء الجنوبي الغربي من مدينة أوغاريت، بين القصرين الشمالي والجنوبي. وقد حصل الدمار الجزئي المذكور خلال حكم نقم أدو (الثاني) الذي أرسل الرسـالة (EA 49) التي مرت بنا سابقاً إلى الفرعون أمنوفس الرابع، أي في مطلع النصف الثاني من القرن الرابع عشر ق.م وهو حدث لا نعرف تفصيلاته، والراجح إنه كان نتيجة كارثة طبيعية لا عملاً عسكرياً، لأن المصادر الكتابية تخلو من إشارات إلى حـروب مدمـرة في أوغاريت آنذاك.

خــاتمة
نتبين مما سبق أن وجود مملكة أوغاريت ارتبط بأهميتها الاقتصادية وعلاقاتها التجارية الواسعة، وبمينائها الذي التقى فيه تجار مناطق الشرق القديم المختلفة.
لقد خضعت أوغاريت للمراقبة المصرية زمناً طويلاً، ولكنه كان خضوعاً اسمياً شكلياً يضمن استمرار العلاقات الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة. وكان ذلك يثير الحثيين بين فترة وأخرى، فيقومون بحملات إلى سورية الشمالية والداخلية، وتشعر أوغاريت بالخطر فيتصرف ملوكها بدبلوماسية ناجحة معهم، حيث يجزلون لهم العطايا والضرائب لاتقاء شرهم.
لقد وفق ملوك أوغاريت في المحافظة على العلاقات الحسنة مع مصر، وسد أفواه الحثيين. ورسائل العمارنة التي عرضناها توضح الإطار السياسي المستقل ضمن إطار العلاقات المتميزة مع مصر، أما علاقاتها مع المملكة الحثية فتنعكس بشكل واضح في المصادر الكتابية الحثية والأوغاريتية.

الحواشـي:
1- بدأ نشر رسائل العمارنة منـذ 1889-1890م، وصدرت عدة ترجمات لها آخرهـا ترجمة موران إلى اللغة الفرنسية (1987) ثم إلى الإنجليزية (1992)، وهي ترجمة كاملة دقيقة استفادت من جهود الباحثين السابقين كلهم. راجع:
William L. Moran: Les Lettres d El- Amarna. Paris 1987
: The Amarna Letters. The John Hopkins
University press. Baltimore and London 1992.
2- William L. Moran: the Amarna....... p.XVIII.
Franz M. Th. Böhl: Die Sprache der Amarnabriefe. LSS V/2,
Leipzig 1909.
وثمة عدد من البحوث التي درست المظاهر اللغوية في مجموعات من رسائل العمارنة التي تنتمي إلى إطار جغرافي معين، مثل أكدية بلاد أمورو، لهجة جبيل، أكدية رسائل الملك الميتاني تشرتا.
3- راجع: د. أحمد ارحيم هبو: تاريخ الشرق القديم (3) مصر. دار الحكمة اليمانية، صنعاء (1995) 163.
4- راجع سلسة أعداد أرشيف ماري الملكي Archives royales de Mari.
5- راجع: D.J. Wiseman: The Alalakh Tablets.London 1953 Nr. 358.
6- Ibid، Nr. 4, 442e.
7-H.Klengel: Geschichte Syriens im 2.Jahrtausend v.u.Z. Teil 2 Akademie - Verlag Berlin (1969) 329.
8- جرنوت فيلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم. تر: د. فاروق إسماعيل. دار جدل،
حلب (2000) 62.
9-William L.Moran: the Amarna... p. 177.
10-Ibid. p.118.
11- Ibid. p.119.
12- Ibid. p.342، 366.
13-Ibid. p.120.
14- M.Liverani: storia di Ugarit. Studi Semitici 6, Rome 1962 51 ff 15- Ibid. p.120.
16- E.Edel: Ägyptische Ärtzte und ägyptische Medizin am hethitischen Königshof: Neue Funde von Keilschriftbriefen Ramses II
aus Bogazkoey. Opladen 1976.
17- William L.Moran: the Amarna... p. 1 18- Ibid. p.162
19- Ibid. p.171.
20- Ibid. p.205.
21- Ibid. p.238.

-د. فاروق إسماعيل
(الباحثون)