العفريت والمحيط

العفريت والمحيط
عزيز نيسن
غالباً ما يسألوني ” كيف تكتب كثيراً هكذا؟”

يقولون أن لدى بعض الفنانين محيط ينفس الفن في أرواحهم. عندما أتذكر هذا المحيط أذكر فتاة تشبه حورية الماء يكون جزئها الأعلى لفتاه وجزئها الأسفل لسمكة – إنها طائرة من أسفل أما جزئها الأعلى فهو جمال أخاذ وخلاق يكسوه شعر ذهبي. هذا الطائر النصفي والبنت من النصف الآخر يهمس إلهاماً في أذن الفنان حينما تمد يديها على كتفه. إنها تعطيه النسخة .

ليس لدي محيط إلاّ أنني أمتلك عفاريت وساحرات وشياطين ملهمة، هذه التي أمتلكها ليست نصفها طائر ونصفها الآخر لفتاة بل أن عشرها آدمي والباقي حيوانات غريبة، إنها لا تقعد على أكتافي ، إنها تتسلق على ظهري ، أستلقي تحتها بالدم والدموع، متعباً ومرهقاً . ليس لدي عفريت واحد ولا ساحرة واحدة بل لدي العشرات والعشرات. في حالة أن تظهر اثنتان منهما، يصعد إلى ظهري ثلاثة غيرهن .

إن لديها جمال لا يضاهيه جمال، بيد أن الساحرات والعفاريت بقبحٍ لم أر مثله.

إن الجنية دائماً تداعب وتلاطف والعفاريت تهاجم والقوارص تعض.

الجنية الإلهامية تهمس في أذن الفنان عندما تقعد على كتفه . إنها تلهمه .

إن الساحرات والعفاريت والحيوانات الغريبة التي هي على ظهري يرقدون علي ويتمددون في يأمروني ويرغموني ويلمنني:

أكتب ! أكتب ! لا تتوقف ! استمر بالكتابة ! لماذا تتوقف ؟ هل لك الحق في أن تنام؟ أنت؟ استيقظ- لا تجلس هكذا ! انهض بسرعة ، لن تمرض جراء الكتابة . بسسسست، تعال هنا أكتب !

إن ساحراتي وعفاريتي وحيواناتي الغريبة هن أولئك اللاتي يطالبن بالإيجار وهن اللاتي يطلبن المال ، هن من أدين لهن، هن غاياتي اللاتي لا أكل منها ولا أمل. إذا لم أكتب، ماذا عسى أن أفعل؟

في كل هذا العالم، لا يوجد شي يستلهم ويرغم الفنان للعمل مثل الحفر الموجودة في حذائه.

لو كانت ملكي وفي يدي ، سيكون عندي المجتمع الكبير للدفاع عن حقوق الإنسان ونضيف الفقرة التالية :

“إن الحق في أن تصبح مريضاً هو حق الإنسان الذي لا غنىً عنه وهو حق نهائي وطبيعي واجتماعي. كل إنسان يمكن أن يصبح مريضاً”.

دائماً أحسد السعداء الذين يرقدون على ظهورهم في السرير عندما يمرضون. في حياتي التي امتدت إلى نصف قرن، لم استخدم حقي في أن أمرض حتى لو ليومٍ واحد. ذلك لأن ساحراتي وحيواناتي الغريبة، مصدر إلهامي، لن يتركوني وحيداً. إنهن حلمي بالليل وخيالي بالنهار. وهن العالم كله بالنسبة لي.

“أكتب” .

“أنا أكتب ” .

“أكتب أكثر” .

فعندما أطالع المروج الخضراء مع نغمات وندى الصباح مع الشوق الدفء في قلبي أريد أن أتمدد بطول قامتي على الحشائش. لو أستطيع أن أتمشى هنالك بأرجلٍ حافية فسوف ينزاح تعب الخمسين عاماً من جهد وشقاء من قدمي.

سوف أخلد إلى راحةٍ أبدية، في يومٍ ما بطريقةٍ ما، ولكن يا للشفقة ! عندها لن أستطيع أن أدرك بأني في راحة.

عندما يسألني شخص ما “كيف يكون بمقدورك أن تكتب كثيراً؟” حقيقةً أشعر بغضبٍ لا أستطيع أن أظهره.

بعد كل هذا “هل أنا أكتب من أجل السعادة؟” أنا مرغم لذلك ، فأنا في ضيقٍ وشدة .

ولكن لو قدر لي أن أولد ثانية (وهو شي لا أركن له كثيراً).

لو آتي إلى هذا العالم مرةً أخرى، فأنا لن أختار طريقاً آخر. أحب أن أكون متعباً وأن أسير على ذات الدرب. بنفس ذات الإحساس المجهد و بنفس التعب الممزوج والمغمور بالسعادة لهذا العمل.

لو أكتب بأنماط مختلفة وصور روائية مختلفة وأن أعالج موضوعات مختلفة، أعتقد أن هذا كله بسبب عيشي مع أناس مختلطون، بمستوياتٍ مختلفة من مجتمعنا ويشكلون دوائر مختلفة. حسناً هنا بعض الأعمال التي قمت بها حتى الآن .

بائع متجول وراعي وعسكري ومحاسب ودهان وعامل في قسم الأخبار وأمين مستودع ومدرس خصوصي ومصور فوتوغرافي وكاتب وعامل في صحيفة وبائع في بقالة ومتهم (هذا عمل أيضاً من أصعب الأعمال) وبلا وظيفة (وهو الأصعب من بين كل الوظائف أن تكون بلا وظيفة) وماسح ورنيش أحذية وحلاق وأعمال أخرى.

إن ذاكرتي ليست جيدة. أعرف تماماً أن هذه الوظائف ليس لها أدنى فائدة في حقيقتها. بيد أنه من وجهة نظر حياة كل منكم هي انعكاس لمجتمعنا والفترة التي قد عشنا فيها. . يعتريني أمل بأن هذا قد يجذب ويسترعى انتباهكم عندما أحكي لكم ذكرياتي بلا كذبٍ وبلا خداع.