الإعلام السوري يصنع الطرائف

خطيب بدلة

كتب أديبٌ سوري معروف، لا داعي لذكر اسمه، على صفحته الخاصة في مملكة الفيسبوك الافتراضية، الملاحظةَ التالية: إلى جميع مرضى القلب، والربو، وارتفاع الضغط الشرياني، والقصور الكلوي الحاد، أنصحكم بالابتعاد، ما أمكن، عن مشاهدة الفضائيات الحكومية السورية، إضافة إلى فضائية 'الدنيا' غير الحكومية، وذلك حرصاً على حياتكم، فالحياة، كما لا يَخفى على حضراتكم، لا تُعطى للإنسان مرتين!.

ولكن.. لم يبين لنا ذلك الأديبُ، الأريب، النحرير، ما الذي يجب علينا فعله، نحن المواطنين السوريين الغلبانين العائفين رَدَّ السلام؟.. وكيف نحصل على حقيقة ما يجري في وطننا الحبيب من أحداث يقال إنها دامية؟.. هل نذهب - والعياذ بالله - لنشاهد القنوات الفضائية التي أكدت لنا وسائلُ إعلامنا المناضلة بأنها قنوات فتنة، متآمرة، مرتبطة بالاستعمار والإمبريالية وكافة القوى العالمية المناهضة للمقاومة والممانَعَة والثوابت القومية والوطنية التي ترفع شعاراً أزلياً هو (الله محيي الثابت)؟

الغريق، كما تعلمون، يتعلق بقشة ولذلك ولأن معظمنا أصبنا أثناء اشتراكنا، عبر عشرات السنين، في مقاومة الغزو الثقافي، والهجمات الإمبريالية الشرسة، بتلك الأمراض الخطيرة التي تحدث عنها زميلُنا الأديب، إضافة إلى أمراض جانبية، كالفتاق، والقيلة المائية (وهذان المرضان ينجمان عن الهتاف والتعييش والتسقيط)، والطفح الجلدي، ووجع الظهر، والدوخة، والإحساس الدائم بالوهن والدوخة.. فقد توكلنا على الذي لا تغمض له عين، وتوجهنا لمشاهدة قنوات الفتنة التي عددوها لنا بالاسم وهي: 'الجزيرة' القطرية، و'العربية' السعودية، و'الحوار' الفلسطينية، و'بي بي سي' البريطانية، و'فرانس 24' الفرنسية، و'الحرة' الأمريكية.. فماذا وجدنا؟

الياس مراد

وجدنا أن أساطين الإعلام السوري وجهابذته وعباقرته التاريخيين الأشاوس، قد سبقونا إلى تلك المحطات الحقيرة! و(تَبَرْوَظوا) على شاشاتها بثيابهم الأنيقة، وربطات عنقهم التي تصل الى خصاهم، في نقل حي ومباشر عبر الأقمار الصناعية، أو عبر الاتصالات الهاتفية التي تترافق بصورة الإعلامي السوري (الأشوس) وهو يضع سماعة الهاتف على أذنه بأكابرية عز نظيرها...

حجتهم في ملاقاتنا إلى تلك الفضائيات هي أنهم لم يذهبوا إليها اعترافاً منهم بشرعيتها، وبمصداقيتها، وبحرفيتها الإعلامية الكبيرة، حاشا وكلا، وإنما من أجل مهاجمتها في عقر دارها، وتكذيبها، وتفنيد مزاعمها، وفضح عملية ارتباطها بالدوائر الاستعمارية، ودحض الأخبار التي تفبركها، والطعن في صحة مقاطع الفيديو التي تبثها، ومن ثم الانتقال إلى الشق الهجومي من العملية، وهو التأكيد على أن البديل الممكن الوحيد لكل ما يشفي الغليل من الأخبار الصادقة، والحصول على (الحقائق) الدامغة التي لا تخر الماء، ليس له سوى طريق واحد لا يمرُّ من فوهة بندقية - كما غنت كوكب الشرق أم كلثوم - وإنما من فوهة الوثوق بالإعلام السوري الذي شكا العالمُ كله من أن شعاره هو التعتيم الشامل إلى حد أنه لا يمكن لـ 'زرقاء اليمامة' المشهورة ببعد النظر أن تلمح فيه بصيص ضوء، بينما أكد نقيبُ الصحافيين الظريف الياس مراد، نفسه، في اتصال معه على قناة (روسيا اليوم) أنه لا يوجد تعتيم إعلامي في سورية بتاتاً!.. مما أوحى لنا أن ما نشاهده نحن، ونحاكمه بعقولنا القاصرة، لا يمكن أن يرقى إلى الفطنة التي يتمتع بها نقيبُ صحافيينا الذي زعم مبغضوه وشانئوه أنه عَترس في الثانوية العامة (البكالوريا) بضع سنوات، من دون أن يتمكن من الحصول عليها، بينما الحقيقة أنه حاصل على لقب الدكتوراه الذي كان أديبنا الكبير الراحل حسيب كيالي يسمي حاملَهُ (الدال نقطة!) من إحدى الدول التي انفرطت عن دول المعسكر الاشتراكي..!

وعلى الرغم من أن الصحافية رشا عمران كتبت، ذات مرة، على الفيسبوك، عبارةً تشبه نداءات الاستغاثة التي يطلقُها أهالي المدن المحاصرة، قالت فيه (كرمال الله أسكتوا الياس مراد!)، إلا أن الرجل - للحقيقة والتاريخ - يتمتع بشفافية عالية تجاه ما يجري من أحداث، ويُبدي استعداداً دائماً للدفاع عن الصحافيين، في ما لو تعرضوا للاضطهاد، وهذا احتمال مستبعد، (قصدي احتمال تعرض الصحافيين للاضطهاد في دول الممانعة)، وإن تعرض أحدهم لسوء، كما حصل للسيدة سميرة المسالمة، رئيسة تحرير جريدة 'تشرين'، حينما اتصلت بها قناة الجزيرة، وسألتها عما يجري في درعا، فغرغرت عيناها بالدمع وقالت: رجال الأمن هم الذين يقتلون الأهالي! فما هي إلا دقائق حتى أقيلت من عملها، ووقتها هب نقيب الصحافيين الياس مراد هبة عظيمة، وقال كلمته التاريخية: إن إقالة سميرة المسالة وتعيين رئيس تحرير آخر مكانها يدخل في سياق عملية الإصلاح التي تمضي قُدُماً في البلاد.. الأمر الذي جعلنا نحن المواطنين الغلبانين نترحم على شاعرنا وفيلسوفنا العظيم أبي العلاء المعري الذي أورد، في رسالة الغفران، بيتَ شعر منسوب إلى شاعر يدعى الجحجلول قال فيه:

صلحتْ حالتي إلى الخلف حتى

صرتُ أمشي إلى الورا زقفونه!

خالد العبود

لا يدري أحد، على وجه التحديد، كيف لمع نجم عضو مجلس الشعب السوري خالد العبود في مجال الإعلام الفضائي.. فمع بداية الاحتجاجات الشعبية المُطالبة بالحرية والإصلاحات في سورية، فتحنا أعيننا، فوجدنا رجلاً على قدر كبير من الهيبة، والشبوبية، تتصل به الفضائيات (المتآمرة) إياها، لتسأله عن رأيه في ما يجري، وما هي إلا جملة أو جملتان، وقبل أن يتمكن المذيع المسكين من إتمام سؤاله، ينهمرُ عليه السيد العبود، كجلمود الصخر الذي حطه السيلُ من عل، ويبدأ بالحديث (بطريقة الرامي رَشَّاً) عن العصابات، والمؤامرات، والمندسين، والمخربين، وسلسلة الإصلاحات المُجَهَّزة على هيئة رزم (والرزمة هي 'الدستة'، ويقال لها في السعودية 'الدرزن'، وتتألف من اثنتي عشرة قطعة)، وهو، أي العبود - للأمانة - لا يريد أن يكون ببغاء، يردد رأي الإعلام السوري الذي أسسه المرحوم أحمد اسكندر أحمد في السبعينيات، وما يزال معمولاً به، من دون أي تعديل يذكر، حتى لحظة إعداد هذه المقالة.. بل إنه يحب أن يجتهد، ويبتكر، ويأتي بأشياء من عندياته، منها أنه قال ذات مرة بأن مجلس الشعب بشكل عام، وهو بشكل خاص، لا يقبل برفع حالة الطوارىء حتى ولو طلب رئيسُ الجمهورية رفعها (شوفوا الجرأة والجسارة)!

خالد العبود عضو في الحزب الوحدوي الاشتراكي (فرع فايز اسماعيل)، وقد وصل إلى مجلس الشعب عن طريق قوائم الجبهة الوطنية التقدمية التي يُعتبر كل من يُدرج اسمُه فيها ناجحاً، وبإمكانه أن يحتفل بالنجاح، قبل أن تُجرى الانتخاباتُ من عين أصلها!.. ومعروفة هي الطرفة التي يتناقلها السوريون عن محل تجاري افتتح قبل سنوات طويلة، كُتبت على واجهته، بالخط العريض، العبارة التالية: دكان الجبهة الوطنية التقدمية.. لصاحبها حزب البعث العربي الاشتراكي!

العباقرة الاستراتيجيون

يقول المثل الشعبي، إن معادن الرجال تظهر في الملمات، والنائبات، والكوارث..

هذا المثل لم يف بالغرض الذي نحن بصدده، ففي الأحوال السورية المضطربة، لم تظهر معادن الرجال على حقيقتها وحسب، بل ظهر رجالٌ لم يكن أحد من السوريين (أو غير السوريين) يعرف عنهم إلا القليل، كخالد العبود الذي ذكرناه أعلاه، ومحمد الآغا، وأحمد صوان، والدكتور القانوني عصام التكروري الذي يتحدث رشاً، ويلقي بأرقام خرافية على أنها حقائق، من ذلك أنه قال للجزيرة مساء الأربعاء الرابع من أيار (مايو) إن العصابات الموجودة في سورية اليوم، لو وجدت في أية دولة أوروبية لسقط المئات من القتلى، بل الألوف، ولبلغ عدد المعتقلين الألوف، بل عشرات الألوف.

رويت- في هذه الأثناء - طرفة عن ياباني يتمتع بذكاء خارق، صار يعاني من صداع قوي، بسبب شدة الذكاء، فما كان منه إلا أن اخترع جهازاً يُربط على الرأس، ويتصل بمآخذ كهربائية، وفي كل دقيقة يُنقص خمساً من وحدات قياس الذكاء.

الرجل وضع الجهاز على رأسه، ووصله في المآخذ، وأوصى زوجته أن تفكه بعد ربع ساعة. ولكنها نسيته ساعتين، فلما فكت المستورة التوصيلات، وسحبت المآخذ، ورفعت الجهاز عن رأس زوجها، وقالت له، باللغة اليابانية طبعاً: أنا آسفة. نسيتك.

فقال لها بالعربية: ما يخالف!

وبعد قليل رن موبايله، وإذا بقناة فضائية تتصل به، وتسأله رأيه في الأحداث..