الفأر الصغير في زيت الزيتون


 عزيز نيسن



بعد بقاءنا فترة في المقبرة رحلنا إلى منزلٍ صغير يتألف من طابقٍ واحد. لا أدري إن كان هذا المنزل لشخص نعرفه أو لا..! ولكن في الغالب أننا قد انتقلنا إلى منزل أسرة كانت قد أشفقت على حالنا.

إن هذه الأسرة الكريمة التي وفرت لنا الحماية في منزلهم الفقير والصغير كانت تتكون من رجل وزوجته. وكان يعمل عطارا ، حيث يبيع التوابل كالفلفل الأحمر والأسود والزعتر والخل في سوق كاظم باشا باستانبول .
كان الفصل شتاء ، وذات يوم وبينما الزوج يكسر الأخشاب في الفناء الصغير بالقرب من المنزل، رحت أرقبه باهتمام بالغ إذ نادتني زوجته قائلة: “تعال من هناك، سوف تصيبك شظية من شرائح الخشب “.
تراجعت قليلاً إلى الخلف, إلا أنني بقيت أشاهد تقطيع الخشب بكل اهتمام.
كان يضع الخشب حتى يتم تكسيره من جذعه (مكان ما يبقى من الخشب بعد تكسيره) ، وكان يقوم أولاً بعمل شق في الخشب عن طريق الفأس ، ومن ثم يضع وتدا كقطعة الخشب في الشق ، ويبدأ يضرب هذا الوتد بمؤخرة الفأس كي تتكسر الخشبة إلى قسمين متساويين.
كانت الواجهة الحادة للفأس تتلألأ كلما رفع الفأس في الهواء . وعندما يضرب الفأس الخشبة يصدر صوتا : “غوب”.
كان يثبت الأخشاب بأحد قدميه حتى لا تقفز بعيداً ، ومن ثم يرفع الفأس ثانية ويضرب غير أنه في هذه المرة لم يضرب الخشب بل ضرب قدمه..! فانفجر الدم .
رأيت أن قدمه قد جرحت.
كانت هنالك مجموعة من القوارير معلقة في مسامير من الأطراف الخشبية للبيت الصغير وكانت زوجة الرجل تصب سائلاً كثيفاً من أحدى هذه القوارير على الجرح.
أما هذا السائل الغريب فهو غريب المصدر أيضاً.. فقد كان هنالك عدد كبير من الفئران في المنزل، ومن عدة أحجام كالصغيرة أيضاً. أمسكوا بفأر صغير حديث الولادة لم يستطيع الهروب و قذفوا به داخل قارورة تحتوي على زيت الزيتون، ثم علقت القارورة على الجدار الخارجي للمنزل. الغريب جداً أن الفأر الصغير ذاب في زيت الزيتون نتيجةً لتأثير حرارة الشمس وبدأ في تشكيل سائل كثيف ، و هذا السائل كان يداوي الجروح والعظام المكسورة، فعالج جرح الرجل وتحسنت حالته.
انتقلنا من ذلك المنزل الذي استضافنا إلى غرفةٍ صغيرة في الطابق الأسفل لمنزل آخر يتألف من طابقين قي منطقة كاظم باشا. كان يقع إلى جوار نهر قذر، و أمامه حقل لزراعة الخضروات ، و على بعد خطوتين باب ثنائي يقود للمدخل الأمامي .. و على البابين ثمة أطباق حديدية مستديرة مثبتة على البابين, بهما حلقات منحوت عليها رسومات وزهور وقد تم طلاء المدخل منذ أمدٍ بعيد جداً . أما الآن فما بقي من هذا الطلاء هو بقايا أثار فقط.
عندما ترفع حلقة من حلقات الباب ويتم ضربها يأتيك صوت من الداخل:” من الطارق ؟” .
يأتي من بعيد صوت هادئ و ناعم لامرأة غي الغالب.

كنت أعرف جيداً كيف أفتح الباب، وكانوا في معظم الأحيان يقولون لي أجري وأفتح الباب.
فأجري لأفتح الباب الأمامي. حيث كنت أصعد درجات عتبة الباب الثلاثة ونظرا لأني لم أكن طويلاً بما فيه الكفاية كي أقبض الترباس الحديدي من على الباب، لذا كنت أصعد على أخمص قدمي لأزيح الترباس.

فينفتح الباب ثم يضرب وجهي موجه من البرد لأشم حينها رائحة البصل المطبوخ وعادةً كنت أشم رائحة البقوليات المجففة.
يبدو أن المستأجرين الثلاثة الذين عاشوا في الطابق الأرضي كانوا قد اعتادوا على طبخ البقوليات. فقد كان أحدهم يقوم بعملية طبخ البقوليات ويقوم الآخر بغسلها ، وآخر بقليها ويقوم الأخير بوضعها في إناء الطبخ مع ما تبقى من مكونات.

إذا ما سرت أسفل الثلاث درجات على الباب كنت ستجد فناءاً كبيراً مرصوفا بحجارة على هيئة ألواح مكسرة. بعضها موضوعا في وسط الغرفة التي كنا نعيش فيها والتي كانت تقع على الجانب الأيسر ، وكانت تؤدي إليها خمسة عتبات خشبية. و على الجانب الأيمن كان يوجد بوابة تؤدي إلى الحقل، وقبل أن تصل إلى هذا الحقل كان بوسعك أن ترى غرفة أخرى ، عاش فيها “العم” حسن وزوجته أيف . وكان مقابل الفناء مباشرةً يقع المطبخ . أما “عمتي” سارة فقد كانت تعيش في غرفة على يمين المطبخ.
كان أصحاب المنزل رجل وزوجته وهما من ذو البشرة السوداء كانا يعيشان أعلى الدرج.
جدار غرفتنا كان يحتوي على نافذتين تطلان على نهرٍ كثيف المياه. وتوجد خلف هذا النهر حقل محاط بجدار مغلف بعلبٍ يعلوه الصدأ.

أمّا السرير المصنوع من الحبال الذي كانت تنام علية أختي ممتد من جدار إلى آخر داخل الغرفة مقسم بذلك المكان إلى قسمين. وكان يوجد على طول الجدار مقعد خشبي أتسلق عليه لأنظر ما يحدث بالخارج.
فوق الجدار المقابل توجد خزانة كبيرة. وبداخلها كانوا يحفظون شراشفنا وبطاطيننا.
كان من عادة أمي أن تضع ماكينة خياطتها فوق صندوقٍ خشبي منخفض وتجلس في الأمام على وسادة . يدخل القماش الأمريكي الماكينة من ناحيتها اليمنى وتأتي الملابس الداخلية للرجال طويلي الساق من ناحية اليسار. كنا لا نستطيع التحكم بالمبالغ المالية التي تكسبها أمي من الملابس الداخلية لرجال الجيش.
ولمّا يلقي اليوم بظلامه الدامس، تشعل أمي اللمبة الزيتية ثم ترفع أغراض السرير ومستلزماته (الشراشف والبطاطين ) من الخزانة وتنشرها على البلاط وتغسل وجهي وقدمي وتضعني على السرير. تقبلني قائلة :

“اذهب لتنام الآن يا بني” .
بينما تروح هي إلى ماكينة الخياطة فتديرها بلا كلل ولا ملل . في حالة أن تتذمر أختي وتبكي ، تنزع أمي الخيط وتقول لها :” نامي ابنتي ” و أزيح أنا اللحاف من على رأسي بينما أمي تترنم بلحن هادئ كي تنام أختي.

كانت أمي توفر لنا الغذاء جراء ما تكسبه من خياطة الملابس الداخلية من القماش الأمريكي لرجال الجيش و بعد ذلك تقوم بعمل التطريز لنهايات المناديل التي كانت تغطي النساء رؤوسهن
ذلك الحين.
ولأن أمي لم تكن ترى بوضوح في الليل تحت اللمبة الزيتية (المسماة لمبة الليل) فقد كانت تقوم بأعمال التطريز في النهار بينما تقوم بالخياطة ليلاً.
كنت أنام يومياً على صوت الماكينة (تيكر ..تيكر) .
أما في عالم اليوم فلن تجد هذا النوع من تطريز المناديل في أي مكان. إن هذا التطريز ذو الألوان المتعددة يعتبر اليوم تحفة و فن قديم ذو قيمة عالية.
اعتدت تخيل أمي البالغة من العمر الثامنة عشر عاماً فقط وهي تطرز و لكن ليس بالخيوط الملونة ، بل إنها تطرز بدموعها وبالنور الذي يشع من عينيها. لكم تمنيت لو أعطي مقابل كل قطعة واحدة من تلك القطع التي طرزتها يدا أمي, كل كتبي وكل ما سأكتبه.
زوج العمة ايف والذي كان يسكن في الغرفة التالية لغرفتنا هو حسن أفندي الذي يعمل فني حدائق في “النيفييارد”.
كان لهم طفل صغير حديث الولادة و كان عندهم أرجوحة شبكية ممتدة من الجدار إلى الجدار المقابل في الغرفة التي يعيشون يعيشان فيها.

ذات يوم قلت للعمة أيف: ” هل من الممكن أن أهز أرجوحة الطفل ؟” وافقت ، فهززتها بينما كانت تطبخ. في ذلك الوقت أتذكر أنهما جعلاني أردد ( قل هو الله ) و لم أكن أحب أن أستخدم التهاويد (وهي أغاني رقيقة تغري الطفل للنوم) ، لذا فعندما لا يوجد أحد في الغرفة ، أكرر مرات ومرات :” قل هو الله أحد” . وما أن يغط الطفل في النوم حتى تعطيني العمة أيف شريحة من الخبز بها خثارة اللبن لمكافئتي لهز الأرجوحة.