أبيضــــــان كالفــريســة

أنسي الحاج

عن عمودين أجمل من هيكلهما.
شمعدانان مكتفيان بلا شموع.
الركنان الأبيضان كالفريسة، الأبيضان من أي لونٍ كانا.
(لا ينتبه المرء لأولويّاته إلّا قبل النوم. وما الذي يعرفه واحدنا عن نفسه؟ تكتشف الفتاة نوع عطرها قبل أن يكتشف العجوز أنّه كان شابّاً).
موضوعٌ يتحاشاه الخَفَر وهو الذي يقتحم النظر. الساقان. الفخذان. لماذا الفخذان؟ لأنّهما فوق النزاع، والعابر فوق العابر. منارتا الهيكل اللتان لا تُغْمَضان. لا ساقا أحمد فارس الشدياق الهاذر العديم الانسحار بل فخذا الحرير الرخاميّان، هذان الكائن الخارج الزمن، الخارج ما فوقهما وما قربهما وما تحتهما، الجسم المستقلّ النافر من تنانير لا تَسْجن ولا تُطلق السراح، من فساتين تُخبّئ ما أدركتْ بسليقتها الجماليّة أنّه واجب التخبئة.
شمسان تسيران على جليد، ما ألطف استخفافكِ بتأثيرهما!
وما الذي يعرفه واحدنا عن نفسه؟

■ ■ ■

تَرْكبُ السفينة لتبلغ هدفاً للأحلام لا للاستقالة. الحلم أبو الخَلْق. العقل عضوٌ صغير من أعضاء الحلم. الجسد بعضه ابنٌ حلالٌ للحلم وبعضه مُروقٌ عليه.
لا ينزل المسافر حيث لا يعود يسافر. يبقى الفقير في وطنٍ لم يعد وطنه لأنّه ما زال يعثر على جذعٍ يحاوره، على حشيشة يمضغها، على أطيافٍ تستمع إليه. الوطن ليس ما يرزق العيش بل ما يرزق الأحلام.
تتداعى الأسوار في الداخل والخارج وتتساوى الطبقات ولا يتبقّى متّسع في الصدور لغير الاختناق. بعضنا أجبن من أن يختنق، أقلّ أصالةً من أن يستسلم للانهيار، فيتسلّق أوّل مَهْربٍ يومئ له. نهرب كلٌّ بدربه. البطلُ الخائض المعترك حرّ والهارب من هذه الساحات حر. لا يهرب الهارب من الدم فقط بل من الذين كان يحبّهم، الذين جَمَّعَ حولهم رساميل ولائه، فوجد عند الغروب أنّه غريبهم وأنّهم مظلوموه، وأنّه مظلومهم وأنّهم غرباؤه. ويحَ الإنسان كم هو وحيدٌ في بحر إخوته.

■ ■ ■

قالت صديقتي الفراشة: «الحبّ حفرةٌ لا يقع فيها إلّا الأغبياء».
لكنّ للحبّ آلاف الأجنحة، وكلّما أطلّ وجهٌ جديد ينبت للمعجب به أجنحة جديدة. الويلُ لمن يطول به الوقت لينسى. الحبّ ليس الحبّ بل هو الألفة. ألفة الإدمان عبوديّة دواؤها الركض فوق الذات، فوق الذاكرة. الحبّ ليس الحبّ بل الخوف من العجز عن تعويضه.

■ ■ ■

الحبّ الكبير يحصل في غير أوانه، أو مختلّ التوازن بين الفريقين، أو لأنّ العاشقين على جهلٍ الواحد بالآخر. كم من جاذبيّة تمويه وشفقة واقتناص في الحبّ الكبير.
الأمور الكبيرة يبدو هكذا معظمها. غفلةٌ عطشى تصادف حاجةً تتلهّف لإنفاق ذاتها. ليس مثل الحبّ الصغير مصدراً لذكريات طيّبة. الحبّ الكبير معصرةُ مرارات. الحبّ الصغير دخولٌ من النافذة وانصرافٌ من الباب، الحبّ الكبير تيهٌ في النَدَم بعد نزهةٍ في الجنّة.
وهل ثمّة حبّ كبير؟ وهل ثمّة حبّ؟ نُحبّ مَن يُرينا فينا ما يُدغدغ كبرياءنا، ما يُشعرنا بفرادتنا، بنِعَمٍ لا نحسّ امتلاكها إلّا حين ننظر في عينَي عاشقنا، نُحبّ كَرْماً لغيرنا، شيئاً محرّماً، غنيمةً، طُعْمةً لنزقٍ أو رذيلة.
لا تلتفتْ، سترى وجه القمر المطفأ. لا تلتفتي، سترين ما لن يعود.

■ ■ ■

... على مَن الكذب؟ حبّ بكلّ تأكيد. صغيرٌ أو كبير، حقيقيّ أو متوهَّم، تفاصيل. الأسى ليس من الحبّ بل من انقطاعه، ولا من المحبوب بل من ضعفنا. مَن كان كان حقّاً، ما كان كان حقّاً، ما صار ليس مسؤولاً...

■ ■ ■

لنهرب، لنواصل الهرب تحت الأرض وفوقها، تحت الجنون. كثيرةٌ هي الأدوات. عُد إلى أوقيانوس جبينك، إلى ذكريات عينيك، إلى وفاء أذنيك، لا تكترث للسلوك، لما تظنّه أنت جحوداً ويعتبره معتوبك جحودك أنت، ليس هناك أفقر من المرارة.
الجنون، بين المهارب، أراجيحُ مَلَكيّة. لا تنقذ الأحياء وحدهم بل الموتى.
كان أورفيوس حين يغنّي تركع له الخليقة. تتحلّق حوله الوحوش مصغيةً إلى صوته. الأشجار تنحني لترهف السمع، والصخور ترتعش. ولما هبط إلى مملكة الموت لإنقاذ حبيبته أوريديس، غنّى على قيثاره فسحر والي المملكة الذي علَّق عذابات المحكومين، وفَتَن إله الموت بلوتون فردّّ إلى أوريديس الحياة وسمح لأورفيوس بإعادتها إلى الأرض شرط أن لا يلتفت صوبها وهو يتقدّمها خارجَين من الجحيم. لم يستطع التغلّب على ظمأ عينيه إلى مرآها، فالتفت، فاستعادها الموت.
لم يتعزَّ أورفيوس. أمضى بقيّة حياته في ليل أبديّ، منزوف القوى، مبهوتاً، أشاح عن النساء فنقمنَ عليه، وقضى على أيديهنّ ممزّقاً إرباً.
لا بأس، فلتكن نهاية الشاعر ما تكون، المعجزة تحنانه على أهالي الجحيم. أطرَبَ الملعونين وبعث الموتى، وخَفَّف قلبَ إله الأسفل. إنْ كانت غاية الشعر أسمى من هذه فماذا تكون؟ وإنْ كانت آثار الغناء أروع من هذه فماذا تكون؟ لا يضر الشعر أن يسلك دروب العوسج ما دام سيتكلّل بالنور، ولا يعيب الغناءَ بكاءٌ حين تنعتق به الروح. لقد تَمّ ذلك لأورفيوس
بالحبّ.
أنجب أورفيوس أبناء كثيرين عبر العصور، هؤلاء هم رُحَماءُ البشريّة. وكان أحياناً صراخُ اليأس يستولدهم.
ربّما طغى اليوم الضجيجُ على الصراخ، واستحقاق اليأس على استحقاق الخلاص من اليأس. ربّما ظنّ الفنّانون والشعراء أن دورهم بات العويل أو الشماتة. لكنّ أوريديسات كثيرات يَرْقُدْنَ كشقائق النعمان في انتظار الربيع. ولا خوف من فقد الشعراء والفنّانين خرائط طريقهم، سيضيعون وترسل الينابيع تلاميذها وأساتذتهم للنجدة. البرق ليس وقْفاً على السماء بل الأرضُ تَبْرق أيضاً.

■ ■ ■

عن عمودين هما مِسْكٌ وغيم، عن عمودين أجمل من هيكلهما.
كأنّهما مستقلّان عن الباقي، ما فوقهما دَرَجٌ مفتوح عليهما، ما تحتهما كرّاجتان لهما. ما فوقهما جاذبٌ إليهما، ما تحتهما خادمٌ لهما لا غير. لا برزخَ ولا فيصل، وإنّما تهويمٌ حولهما، لأنّهما الرَبْع الدائم الربيع، لا ارتواءَ ولا انتهاء، نورٌ مسوّرٌ بلا أفول.
الاختلال بالأحلام أحسن من الانتظام بالرتابة. الوقوف عند الأبواب يُغني أحياناً عن المنازل. بابان لا ينغلقان ولا ينفتحان بل يتماوجان بين العيون كتلويحةِ وداعٍ تخاله استقبالاً واستقبال تليه استقبالات. رطوبةٌ ولا دَبَق، نَشَفٌ منعش كلفحِ البحر.
أفقانِ رهن العيون، أبعد من اللازورد وأقرب للناظر من عينيه. ما يلفلف الوسط والضواحي ينتمي إلى الأخطاء، بشاعاتٌ صمدت بقلّة الانتباه. لفلفاتٌ أبشع منها عريُ اللزوجةِ والإفرازاتِ والزَنَخ. لا يفوق النعومة والملوسة غير طوافِ الخيال بهما. أبدع ما جاء به فارس الشدياق قوله: «مَكْر الساقين». مكرٌ لمَن يتّخذهما دليلاً وولاءٌ لمَن عرف أن لهما مقاماً على حدة مُنَزّهاً عن جيرته.
كلامٌ خارج الأصول مجافٍ للطبيعة. في الطبيعة، حين تشاء، نداءاتٌ للتمرّد على الطبيعة. الجمالُ يضيف إلى الطبيعة. كلامٌ لا تستدعيه مناسبة.
الساقُ على الساق في حديث الترياق ضد العناق.
(الأخبار)