جمـــــالـيّـــــات [4]

أنسي الحاج

ومن بَعْدُ يهمّه الجمال؟ ربّما نحن، في هذه الجهات من العالم، نحن بقايا شعوب الجوع الجنسي والدهشة. اذا كنّا لا نسكر كما ينص «القانون» بجمالات العقل والنحت والتصوير والباليه والموسيقى الكلاسيكيّة، فإننا لا نزال قادرين على الانذهال بجمال بَشَري، بجمال ادبي، بجمال شجاعةٍ هنا وخُلُقٍ هناك، بجمال حنينٍ إلى الجمال.
المحتفلون مثلنا، في الغرب، بهذا النسل العتيق من الجمال باتوا، إذا قسنا بالرائج من السينما والمسرح والكتاب، ومن المأكل والملبس أيضاً، بل من طرق التعبير واللفظ، جاليات صامتة. الفرق بيننا وبين أقربائنا هؤلاء، أنّهم مُستضعَفون بقوّة تطور مجتمعاتهم، لائذون بمفاهيمهم للجمال من اعصار عنفهم وديموقراطيّات انحدارهم، وإنّنا نحن هاربون أحياناً إلى جمالاتنا من مأزق آخر، مأزق تَعذُّر المواجهة بين الفكر والواقع.

■ ■ ■

«وحده الجمال وُهب نعمة القدرة على الظهور بأكثر ما يكون من الاشراق وأكثر ما يَحْمل على الحبّ»، يقول أفلاطون. الاشراق، الحبّ. لم يزِد أحد شيئاً منذ عصور. زيدت اجتهادات لإضافة البشاعة. لا لإضافة، بل لإحلال البشاعة محلّ الجمال. لا البشاعة الخلّاقة ـــــ فهناك بشاعة خلّاقة ـــــ بل بشاعة الفشل والمَلَل. بشاعة الفنّان الدجّال والكاتب الدجّال والمهندس الدجّال. الطبيب الدجّال والعالم الدجّال والشحّاذ الدجّال. الساخر الدجّال والرصين الدجّال. المسيح الدجّال والشيطان الدجّال. بشاعة هزيمة الاصالة.
الاشراق، الحبّ.
الاشراق خصوصاً.
لولا جمال الشكل في بعض الأشخاص، لخيّل إلينا أنه لم يعد هناك ما يشرق الّا الشمس.

■ ■ ■

الجميل الذي يعجِب جميل ناقص، الجميل يجب أن يخطف اللبّ. أن يكون سَنيّاً بهيّاً. الجميل يقهرنا ويُنقذنا: يقهرنا لعظمته وجلاله ويُنقذنا لوضاعتنا لولاه.

■ ■ ■

جمال الطبيعة امرأة حسناء. جمال الفنّ امرأة محلومة.
التعرّف على شخص تهتف روحك لمرآه «ما أجمله!» هو أحد تجسيدات هاجسك بصورة أوسع عن الجمال.

■ ■ ■

قد اعبّر عن حبّك عندما اعبّر عن حبّي، لكن ما يبهرني في هذا المجال غير ما يبهرك. تقدير الجمال ليس شأناً شخصيّاً فحسب بل هو كلّ حاسة وكل شعور وكل غريزة وكلّ عَصَب وكلّ جهاز وكل غدّة وكل خليّة وكلّ نقطة دم في كلّ شخص على حدة. لا توحيد في الجمال.

■ ■ ■

جمال السكون هو في حركته الباطنيّة لا في جموده. أقصى الجمود، مثل كتلة جبليّة هائلة، يداني أقصى الحركة. سلطة الكلمة هي في قبضها على الحركة وتَحوّل الاثنتين إلى اندماج متماوج للساكن والصاخب. النحت، نحت الحجر والبرونز خصوصاً، ذروة هذا التناغم الذي كان مستحيلاً قبل الفنون. لذلك سُمّي النحتُ الفنّ الأكمل.

■ ■ ■

إن لم يكن في الطاقة المبدعة للجمال شّر ففيها خفّة حدّ الطيش، وإن لم يكن هذا ولا تلك فألمٌ فاض عن حدوده البَشَريّة.

■ ■ ■

كان بول فاليري، الشاعر الفاشل في تدمير شاعريّته قَدْر ما اراد، يعتقد أن «قِيَم الصدم» الحديثة حلّت محلّ الجمال. لو قال: قيم الصدم الجديدة سوف تحاول ابتداع جمالاتها، لصحّ الكلام ولو لم ينطبق التكهّن. الجمال ليس صَنَماً لتجتاحه غزوة وتقتلعه. الجمال قَلَق. البحث عنه هو الذي يوجده. «قيم الصدم» الجديدة ليست قيماً في الأساس وإن هي إلّا ظواهر عارضة يحصل مثلها في كلّ عصر. اذا توصل العلم إلى إحلال «شيء» محلّ كائن حي فهو لن يلغي الحياة بل سيضيف اختراعاً «صادماً» لا يتجاوز حجم المفاجأة العلميّة ليصبح قيمة. الانسان الآلي لم يلغِ الانسان والنزول على القمر لم يلغِ القمر.
لا يستطيع الانسان أن يتوقَّف عن خلق الجمال ما دام مستقبل الحياة هو الموت.

■ ■ ■

للحكماء «جمالُ» ثَنْينا عن الجمال. حذار شمسهم الكئيبة!

■ ■ ■

امرأة متلألئة الحسن إلى حدّ الإرباك تحتاج الى مقدار غير عادي من المجون لتفكّ عقدة رهبة جليسها.

■ ■ ■

هل رأيت أجمل من أعمدة بعلبك، من ابي هول الجيزة، من التماثيل الفرعونيّة والإغريقيّة؟ وأيضاً ليس أحلى من الفولكلور. التحف المعروفة المؤلِّف، كمؤلفات باخ وهايدن وهاندل وفيفالدي وموزار وبيتهوفن ومعلّمي الميلوديا والإنشاد الإيطاليّين والإسبان، هذه التحف تبدو، وستبدو أكثر مع الوقت، أشبه بتلك الروائع القديمة المجهولة المؤلّف.
مبدع الجمال الخارق يُعطيك كأنْ من بيت العطاء لا من بيته.

■ ■ ■

«الجمال يغري الجسد كي يحصل على إذن بالمرور إلى الروح» (سيمون فايل ـ 1909 ـــ 1943).

■ ■ ■

كتب الأخوان رحباني عشرين مسرحيّة غنائيّة قوامها الوهم. راجح الشرير اختراع وهولو الشرّير يذوب اخيراً في ليله. «التران» في «المحطّة» كذبة تتحقق على طريقة كذبة الذئب أو معجزة الإيمان. لا فاتِك في الواقع الى الحدّ الموصوف في «جبال الصوّان» ولا مدلج ولا غربة ولا جبال الصوّان. ولا حبّ مثل حبّ «عطر الليل» في «فخر الدين» ولا مثل حبّ فيروز في «عتاب» و«راجعة» و«شايف البحر شو كبير». ولا فرح مثل فرح «موسم العزّ» ولا انفراج مثل انفراج «جسر القمر». سيّد الفنّ الوهم. الفن لا يعرف الّا الجمال عِمادهُ الوهم.
الراوية في مطلع «بياع الخواتم» تَلفتنا الى أن الضيعة التي ستُحكى حكايتها غير موجودة، بل ان قصّتها كلّها غير صحيحة. وبطلة «هالة والملك» تنبّهنا في ختام المسرحيّة قائلة: «نامي يا زغيري نامي/تَنَقّيلك أسامي/ شفتْ مبارح بمنامي / مدينة اسما سيلينا».
منام سعيد. من «لبنان يا أخضر حلو» إلى «بحبّك يا لبنان». أجمل ما بناه الرحبانيان هو أكثر ما يؤلم زياد الرحباني: الخرافة. تؤلمه لأنه، بطفولته الرامزة إلى طفولتنا جميعاً، صدّقها. وقد دمرته صدمة الوعي، وعي الحرب وغير الحرب، أكثر مما دّمرت أي شخص آخر من مدمني تلك الخرافة. فهو لم يكن مجرّد معجب مدمن بل كان ابناً لوالدي الخرافة. جرْحه الشخصي جَماعي، وشعوره بالذنب شعور بالأصالة والنيابة.

■ ■ ■

هذا الجرح مأساة، لكنه لا يدحض الخرافة. يجب أن يكون الوهم لتكون الخرافة ليكون الجرح، ثم من جديد الوهم والخرافة والجرح.
لم يعد العصر يعترف بأن الفنّ جمال. لكنّ الفن جمال.
والجمال غيم مقدّس.

■ ■ ■

وَهْمٌ مقدّس.
خطيئة مقدّسة.
خَدَر مقدّس.
لماذا مقدّس؟ لأنه حَنينيّ كالدِين وأكثر.
ولا يسقط، حين يسقط، الّا كما سقط الشيطان، بِدويّ أميرِ سماوي ينتحر، لا بمواء الانحطاط العصري الخالي خلواً مطلقاً من الألم، والذي بات معه الزّيف، واسماه الآخران الاستنساخ والتفكيك، قاعدة للفكر والأدب والفن.

■ ■ ■

قداسة حنين الجمال قداسة العقل والحواس لا قداسة الديانات وتعليمها. قداسة من داخل لا من خارج ولا من فوق. من أعلى هو أعلى العقل ومن أعمق هو أعمق الجوارح والمشاعر. ومن أعمق وأعمق هو غور الخيال. والخيال الجمالي ينطوي على المهابة المحيطة بالجمال، وهي مهابة السرّ الطبيعي، اللغز الذي حتّى لو ابتكرته يد الإنسان، كلغز أبي الهول، تُحسّه لغزاً من الطبيعة لا من صنع البشر.
الجمال دائماً يتراءى هكذا، مُنْزلاً وصاعقاً، صاعقاً بهدوء.

■ ■ ■

وهْمٌ، بلى. سحْر باخ وموزار وبيتهوفن، سحر لوحات عصر النهضة، سحر غَلَيان الشمس والبحر في الموسيقى الإيطالية، سحر الشعر الساحر، سحر فولكلور مصر وبلاد الشام وجبل لبنان والمجر واليونان وأرمينيا ورعاة البقر الأميركيين، سحر هذا الفجر، هذا الغروب، معجزات الخلائق المولودة كلّ لحظة، تفتّحات البراعم، فَتْح الشبابيك كلّ صباح، تجاذب الغرباء، غناء مَن لا يعرف الّا الغناء، رَقص من لا يعرف الّا الرقص، عَزْف من لا يعرف الّا العزف، إيمان من لم يكن يعرف الإيمان، كلّ هذا السحر وَهْم، بلى.
وهذه الأوهام هي زهرة الحقيقة.
(الأخبار)