بخـــــــلاء

■ روح الشعوب

روح الشعب مبعثرة في مجموعاته ولا يختزلها سلاطينه. لا تبحث عن شعبٍ في حكّامه، لا شرقاً ولا غرباً، لا ماضياً ولا حاضراً. لا علاقة لنابوليون بالروح الفرنسيّة ولا لجورج بوش الابن بالشعب الأميركي. قد يعكس عبد الناصر جانباً من بعض التطلُّع السياسي المصري في ظرفٍ معيّن لكنه لا يختزل كلّ الروح المصريّة ولا معظمها.
أهل السلطة سلالة من نوعٍ مستقلّ وما يجري في عروقهم ليس دم الناس العادي بل زئبقٌ أو ماء. السلطة موهبة وروح الشعب عبقريّة. ولا مكان قرب هوى السلطة لأهواء أخرى. نقصد السلطة بمفهومها الشامل الذي يتجاوز مناصب الحكم: السلطة بمعنى التحكّم والتحكّم الذي غايته قيادة المصائر حيث مصالحه، وأغلب هذه المصالح مضاعفة عناصر قوّته.

أكبر خطأ تمثيل الشعوب بحكوماتها. إن هذه مؤسّسات مستقلّة تماماً عن روح الشعب وتعمل وتتفاعل وتتناسل وتتبدّل وفق آلياتها الذاتيّة. الحكومات طفيليّاتٌ ضخمة تنمو على ظهور الشعوب. قد نشهد حكوماتٍ أفضل من شعوبها، لكنّ هذا معناه أنّها حكومات في بيئة ليست لها، ومحكومٌ على الطرفين بالافتراق يوماً ما حتماً.
الروح الفرنسيّة تجدها في سائق التاكسي، في الجندي والعامل والفلّاح والمتسكّع، تجدها في الطلبة والأرستقراطيّين، في الأدباء والكهنة، في المتأنّقات والعاملات، لا في دوائر الإليزيه وثرثرات الإعلام. اللبناني تجده في شتّام الشارع وبهورجي المقهى والسكرجي الطفران ولابس الشروال لا في السرايات. السوري ليس شرطته السريّة بل روحه السريّة الساحرة. الشعب السوري تراه في حاراته، في أدبائه وقصّاصيه وفنّانيه وممثّلاته وممثّليه وكاتباته السبّاقات. الشعب السوري ليس «الوصاية السوريّة» الشهيرة على لبنان بل هو بسطاؤه وعمّاله ومفكّروه ونحّاتوه وماجنوه وعبثيّوه وعازفوه وربابنة الوداعة والتفاؤل فيه.
أَمام اللبناني، أمير الفرح الصاخب، أن يتعلّم من السوري بعض فنّ تحويل الشعاع من لَهَبٍ فوق الأرض إلى جَمْرٍ تحتها. لولا بعض الكتمان لخسر صوت الحريّة شيئاً من حلاله.
... وجمال السوريّات مُزنَّرٌ بالحياء، وحياؤهنَّ يُذيبُ الفولاذ، ولهجاتهنّ سعادة الآذان. المرأة السوريّة، سليلةُ الدلال وحوريّة المسْك، مُصَيَّغةٌ خِلْقةً.

■ لا يحسبون حساباً

نمارسُ أحياناً كتابة تُؤجّل الحاضر، على أمل نسيان تَهرّبها. كتابةٌ كهذه كتابة لا أخلاقيّة، لكن اعتمادها على النسيان في محلّه، لأن التاريخ يُنسى دائماً. الأحياء يهربون من موتاهم، والتاريخ رأس الموتى.
المراهنة على النسيان هي القمار الوحيد الرابح. وفي الأثناء هو الموت يَحْصد، وبين ما يحصده ضمائرنا.
الذي يموت بالعنف يموت والذي يموت بالتجاهل يموت.
والذي يكتب بالتجنُّب يموت.
الأبطال هم الذين يضعون عيونهم في عيون الموت. الأخيار هم الذين لا يحسبون حساباً. المفضَّلون هؤلاء. المقدَّمون. القدّيسون. الأنقياء. نيّالكم أيّها الرجال، أيّها الرجال، يا أطفال الأبديّة. الغارزون عيونهم في عيون القتل، في عيون الخوف، في عيون المقابر التي نسمّيها حياة.
أيّها الأطهار. الدافعون ثمن حياةٍ أنتم أغلى منها.
شهادةٌ وحيدة لأرواحكم: كتابةٌ تؤجّل الحاضر إنّما تقول إنّ الماضي كان أفضل منه.
وهذا هو الدَفْن المُسْبَق للمستقبل.

■ النهار ليلٌ مدهون

الظلمة اختفاءٌ أم ظهور؟ نقصانٌ أم زيادة؟ عمىً أم إغماضة؟
لو كان سكوت الليل جواباً بليغاً، كما قيل، لما اشتعلت الرؤوس خلاله بالهواجس. الساهر المستوحش يسهر لأنه، إذ ينفر من غبار النهار، يرتعب من انغلاق الليل. ما تظنّه رحابة لانهائيّة في الظلام ليس الظلام بل هروبك منه وأنت تحت وطأته.
ما يُطَمْئن في النهار هو الجلبة، ثرثرة الأحياء. وكل هذا خدعة تخديريّة ينشرها الليل ريثما يعود.
اليوم كلّه ليل، جزءٌ منه، وهو البادئ عند الفجر، مدهونٌ بألوان العيون المفتوحة.

■ بخلاء

البخيل أذكى من الكريم لكنّه أكثر انتحاساً منه لأنّه يتذاكى على القَدَر. البخيل بخيلٌ بعطائه والقَدَر بخيلٌ بتسامحه مع المتلاعبين.

■ ■ ■

لو فكّر البخيل بآخرته، كما يقول، لما وصل إليها كما يصل جميع البخلاء: الحقد على ما فاتهم.

■ ■ ■

الفقير كريم لأنّ عطاءه انتصارٌ على فقره. الغنيّ بخيلٌ لأنّ عطاءه انتقاصٌ من قوّته.

■ ■ ■

بعضهم تتوهّمه غنيّاً لا لأنّه غنيّ بل لأنّه بخيل. البخيل مشكوكٌ فيه حتّى مُسجّى.

■ ■ ■

من الأكاذيب ما يقول إن هذا الثري بخيل لأنّه عاش طفولة حرمان. ليس أشدّ تبذيراً من أصحاب الطفولات المحرومة. أساس البخل تَحجُّرٌ عاطفيّ، الفرق بينه وبين الحَجَر الطبيعي أن هذا يبقى في حجمه وقد يصغر، بينما التحجُّر العاطفي يبدأ صغيراً ويتطوّر حتّى يغدو صخراً من الصخور.

■ ■ ■

البخيل يُقتّر في كلّ أنواع الإنفاق، وأوّلها الإنفاق الجنسي.

■ ■ ■

لا شيء في الكون يَنْتظر كما يَنتظر ورثةُ البخيل موتَه.

■ ■ ■

اخشوشبت من البخل عروقه حتّى صار لها إذا تحرّك صوتٌ يطرق الآذان كالصرير.

■ ■ ■

البخيل أقلّ غلظةً من البخيلة. البخيلة شمطاء حتّى لو كانت جميلة. ممكن تَصوّر رجل عديم العاطفة ويصعب تصوّر امرأة عديمة العاطفة. أجمل ما يطمع به الرجل في المرأة هو استغلال ما فيها من أمومة. البخل صحراءٌ حارقة في الظلام.

■ ■ ■

في بعض البخلاء جانبٌ مؤثّر يدعو للعطف عليهم، هو عجزهم. الادّخار تعويضٌ عن عقم. التجميع، مهما كَدَّس، يصنع ثروة خياليّة قاصرة عن منح صاحبها إحساساً بالاكتفاء. التكديس كبتٌ لا بحبوحة.
للفقير الحرمان وللبخيل العجز. الحرمان يشعل العينين، العجز هو العجز.

عابرات

أيّة صفعة تتلقّاها البئر يوم تدرك أن مَنْ أودعها سرّه قد محا هذا السرّ من سجلّه كما يُنْفَض الغبار عن الحذاء.
■ ■ ■
الصراع هو ضد القرف لا ضدّ الموت.
■ ■ ■
أفشل الناس في الحبّ هم أكثرهم تغنّياً به: الشعراء والفنّانون. لسببين متباعدين: الأوّل هو أنّهم يعشقون صورةً تجسيدُها يَنفيها، والآخر هو كونهم أسهل الكائنات انخداعاً. الكلام هو طبعاً هنا عن الرجال. الفنّانات (لا الشاعرات) غالباً ما لا يعشقن إلّا أنفسهنّ.
■ ■ ■
شدّ ما تُغري المرأة عندما تبدو ابتسامتها منكسرة كابتسامة اليتيمة.
■ ■ ■
ما أحلى غيابكِ! أنوثتك هنا والأنثى فيكِ هناك! ما أطيب غيابكِ! ألوهتكِ هنا وأنتِ الإلهة هناك! ما أرحم غيابكِ! ذكراكِ هنا وجسدكِ هناك!
■ ■ ■
لا ننسَ، ونحن نسمّي الأخضر لون الأمل، أن الأخضر هو أيضاً لون الأعماق البحريّة.
(الأخبار)