حوار مع الكاتب لوي فردينان سيلين

ولد الكاتب الفرنسي لوي فردينان سيلين في 27ماي 1894 و توفي في 1جويلية 1961 ، اجتمع في أسلوبه نقد الحرب و النظم الاقتصادية و من ورائها نظام اللغة الذي ثوّر الكثير من أنماطه في الكتابة رغم ما عُرف من صرامة اللغة الفرنسية إلا انه تحداها من داخلها جامعا بين النبرة الملحمية و العدمية معليا الحساسية الفنية إلى أقصاها و هذا ما جعل منه أكثر الكتاب الفرنسيين تأثيرا في اللغة الفرنسية و المتعاملين معها و يحسب له أنه أدخل اللهجة العامية إلى ألأكاديمية تقول عنه سيمون دي بوفوار «... لقد كنا في ذلك الحين نقرأ كل ما يصدر من كتب: أما الكتاب الفرنسي الذي كان ذا القيمة الأكبر بالنسبة إلينا فكان، خلال ذلك العام «سفر إلى آخر الليل» لسيلين... حيث كنا نحفظ بعض مقاطع الكتاب غيبا. ذلك أن فوضى سيلين كانت تبدو بالنسبة إلينا، شديدة القرب من نزعتنا الفوضوية... وهو أيضا كان يهاجم الحرب والكولونيالية والتفاهة والأفكار السائدة... كان يهاجم المجتمع بأسلوب وبنغمة يفتناننا. في ذلك الحين كان سيلين صاغ أداة جديدة: كتابة لها حيوية الكلام العادي (...). وهذه الكتابة هي التي جعلت سارتر يتخلى نهائيا عن اللغة المفخمة التي كان يستخدمها من قبل».

في البدء كان الإنفعال
س:للمرة الأولى يُجري لوي فردينان سيلين حوارا في الإذاعة. لوي فردينان سيلين أو دكتور ديتوش. هل بدأتم الكتابة قبل عملكم كطبيب؟
ج:أبدا. لقد كتبت أطروحة عنوانها حياة و مؤلفات فيليب إغناس سيملفايس و تكاد تكون أطروحة أدبية و يمكن اعتبارها روايتي الأولى، رواية طبية في جزء كبير منها و هي تعود للعام 1924.
س: و في أي عام بدأت العمل الطبي؟
ج:سنة 1924.
س: و هل فكرت في جمع المهنتين أو اخترت إحداهما؟
ج: لقد كانت لدي موهبة طبية و أنا نادم لأني أهملتها. لقد وهبت نفسي للكتابة و قد كلفني ذلك. تركت مخطوطا لدى دينوال مخطوطا عنوانه سفر في آخر الليل ثم استعدته. اسمي سيلين لأن هذا اسم أمي. كنت بهذا أنشد عدم إثارة الانتباه لأن من الصعب الجمع بين الطب و الكتابة كما أن المحيطين بك لا يأخذون عملك -كطبيب- على محمل الجد إذا عرفوا أنك كاتب تجلس لساعات لتفكر بأشياء -كما يقال- سامية. كانت علاقتي بالطب غذائية، تجارية، ضرورية و فجأة سمعت أن كتبي تشترى فزاد الأمر تعقيدا. لقد كانت الكتابة طول الوقت بمثابة لعنة بالنسبة لي.
س:أرجو أن تخبرني كيف اهتديت إلى موضوع روايتك سفر في آخر الليل و الأسلوب الذي كتبتها من خلاله فقد كان ذلك الأسلوب ثوريا خاصة في تلك الفترة؟
ج:لكنه ما يزال كذلك. لأن الكتاب الآخرين ينسخون ضرورة نماذج لغيرهم، يكتبون انطلاقا من مثال و هذا طبيعي. انطلاقا من حماسهم ل فولتير أو أناطول فرانس أو بول بورجي و هذا المثال ذاته يمنعهم من أن يكتبوا بأسلوبهم الخاص. لأنه في العمق لا يوجد شيء شخصي كثير لكتابته. لقد عرفت أستاذ غناء في جنيف و قال لي: لكل الناس أصوات، لا يوجد صوت واحد. يوجد في كل وقت شخص ما يستطيع الغناء و أنا أظن أن كل شخص قادر على كتابة كتاب خاص به بأسلوبه الخاص شرط أن يمتلك التواضع فلا يضع نفسه مقام كاتب كبير. إن كل ما صنعه البشر من اختراعات صغيرة اعتُبر ذا شأن كأن يعدد لافوازييه الذرات أو أن يصنع أحدهم عجلة دراجة أما أن يقدم أحدهم رسالة للعالم فهذا يعتبر من قبيل حب الظهور الفج. و قد يُقبل من ممثلة تقدم مشهدا مسرحيا أو من سياسي أو محام لكن لا يقبل من الكاتب الذي يملك تقنية للحديث عن ذاته و لنأخذ مثلا الرسام رمبرانت الذي رسم نفسه عشر مرات، هل كان فخورا بنفسه أم كان يشتغل على ذاته كموضوع؟
س:لكنك تتحدث عن تقنية و هي مهمة للأديب فهل اكتشفتَها و أنت تكتب روايتك سفر في آخر الليل أم أنك عملت عليها قبل ذلك؟
ج:لنتكلم بيلوجيا، لكل شخص طريقة في الشعور و السلوك تختلف عن غيره مثل أوراق الشجر في الغابة، لكن الإنسان بحكم خوفه من المجموعة و رغبته في الانتماء يتبع الآخرين و يشكل قطيعا و كذلك الكتاب فهم يتبعون بعضهم دون أن يعلموا. إذا لم تُشاهد حوض الزهور من الأسفل و هي تنمو من جذورها فلن تعرف الزهور أبدا. الإبداع شيء بسيط إنه تقنية صغيرة لكنها جديدة و هكذا تتطور الرياضات و يتطور كل شيء. لقد قلت في ذاتي بكل تواضع: إن هناك شيئا في كتابات الآخرين يزعجني و لن أمنعهم من أن يكون لهم نفس الرأي في كتاباتي. إن انزعاجي ينبع من شكل الكتابة الذي يبدو أكاديميا أو نمطيا أو عبارة عن استعراض للمعلومات.
س:لكن في كتابك حوارات مع السيد (ي) كان المًُحاور مَقودا من الكاتب؟
ج:هذا ضروري و سأقول لك لماذا. لأنه لا وجود لتحكم في تقنية المناظرات أقصد أنه لا أهمية للأشخاص بل للأفكار و لكن الأفكار موجودة في المكتبات و لدى الفلاسفة. لا شيء أكثر شيوعا من الأفكار و لكن الأسلوب هو الذي يحدث فرقا و الإنسان لا يملك وقتا كافيا ليجد شيئا و إذا اكتشف أحدهم شيئا فهو عبقري.
س:كيف كتبت سفر في آخر الليل ؟
ج:لقد أتتني فكرة هذه الرواية و لكن الأفكار تملأ الأرصفة و التراب و الهواء و الصالون، نحن ملوثون بالأفكار، نقل الأفكار على الورق هو عمل ثان. إن الكتابة نوع من المصادفة، إنها أحداث تتزامن كأن تذهب من الضفة اليمنى إلى اليسرى أو من ساحة لأخرى فإما أن تسير على قدميك أو أن تستقل الميترو فإذا ذهبت على قدميك قد يصادفك شرطي أو امرأة جميلة أو كلب يُلهونك عن هدفك و قد لا تصل حيث تريد أما في الميترو فتكتفي بالجلوس و الميترو هو الذي يأخذك لكن المسألة هي كيف تركب الميترو. الميترو هو المادة الأولية التي على الكاتب الاهتداء لها. في البدء كان الإنفعال و الإنفعال هو محرّك الكائنات و الكلمة وجدت لتكون بديلا عن الانفعال و هكذا حين يبدأ المحبان بالكلام فهذا يعني أن الحب انتهى. إن أهم ما في الكتابة هو التقاط الانفعال و لكن من أين يأتي الانفعال؟ إنه يأتي من طبيعتنا الخاصة و كم صعب التقاطه. حين يحصل الكاتب على النبرة العاطفية فإنه يقبض على الأسلوب من الوريد و لكن الأسلوب ليس مسألة شخصية فقط إنها قضية عصر بأكمله. و لهذا قد نشعر بالحنين لعصر أدبي سابق و لكن لا نستطيع نسخ أسلوبه.
س:و لكن أظن أن منطقا صارما يحكم هذا العصر و يكاد يقتل الانفعال؟
ج:إنه ليس صارما تماما ففي فرنسا يوجد أربعون ألفا من الأطباء الدارسين للطب و المعترف بهم و يوجد فيها أربعون ألفا من الشافين الذين يداوون بالانفعال، عقيدتنا مجبولة بالانفعال، الرسم لا يحيا دون انفعال.
س:هل يستطيع الفنان الذي يكتب أو يرسم أو يمثل بدافع الحاجة أن يكون له انفعال تحت الطلب ؟
ج: إذا لم يكن الكاتب مجبولا بالانفعال فلا يمكنه ذلك و لكن يمكن أن يكون كاتب مقالات أو صحفيا جيدا لكن لن يكون كاتبا ضمن شروط العصر. يقال إن الفرنسية لغة أكاديمية هذا غير صحيح إنها أكاديمية لأن القائمين عليها أناس رتيبون لا يشتغلون على الذاتي في اللغة و لا يرهقون أنفسهم في إفراغ محتوى الكيس و ترتيبه و أن يكون لك قلم انفعالي، غنائي أو ساخر هذا يزج بك في قصص مريعة.
س:يقال إنك من الأوائل الذين استخدموا اللهجة العامية في الرواية؟
ج:هذا ليس صحيحا. لقد استخدم كثيرون اللهجة العامية قبلي فيون استخدمها و بريون بشكل أقل إحكاما لأنه كان يخشى إدخالها في الرواية. إن اختراق اللغة الفرنسية يتطلب شجاعة كبيرة لتفكيك تاريخيتها و إبداع كلمة مكان أخرى. يجب استخدام العامية و لكن يجب التحكم فيها حتى لا تنحرف بالنص عن هدفه.
س:هل فكرت في التعبير باستخدام أسلوب آخر كالسينما أو الراديو؟
ج:لا أبدا لا أظنني موهوبا إلا في هذه التقنية البسيطة التي تتمثل في نقل انفعال اللغة المحكية إلى اللغة المكتوبة و هذا في حد ذاته عمل صعب و يتطلب جهدا أنا أقوم بأعمال لأشخاص يريدون القراءة، إنهم حين يقرؤونني بصوت هامس يشعرون أن هناك شخصا يخاطبهم من داخلهم، إنه يخاطب أعصابهم لا آذانهم و عيونهم و هذه الكيمياء تقع مباشرة في عقولهم، أنا رجل الخصوصية لو كان بيدي الاختيار لكنت موسيقيا.
س:هل تظن أن الموسيقى أوسع من اللغة المكتوبة؟
ج:إنها أكثر عاطفية و هذا ما يهمني. في البداية كانت اللغة و لكن اللغة لا تعني شيئا، إنها فضلات التفكير، فضلات الشعور. حين لا يظل لنا شيء نملكه أو نشعر به أو نفعله عندها نتكلم. إن أعظم المشاعر صامتة. إن العاطفة صامتة.
س: حدثنا عن كتابيك الأخيرين نورمانس و مشهد رائع مرة أخرى ؟
ج:إنهما كتابان صادمان. حين تقرأ سفر في آخر الليل تشعر أنك لا تزال في دائرة الأدب المألوف. أما في هذين الكتابين فأنت في مجال الأدب الانفعالي المحض و هذان الكتابان سيأخذانني للمجد بعد الموت لأن للأموات المجد و للأحياء الأكاديمية.
ترجمة: كوثر خليل
ماغازين ليتيرار