ساحرات پنييسكولا


(إسپانيا)

عاش فى پنييسكولا، فى قديم الزمان، صياد سمك اسمه إنريكيث ما تزال ذكراه باقية فى كل ذاكرة. وما يزال الناس، إلى يومنا هذا، يحكون بكل سرور أن هذا الصبى كان يملك قدرة سحرية وأنه كان يستخدمها فى السخرية من صيادى السمك الآخرين فى الساحل. وبالفعل فإنه بمجرد أن بلغ الثلاثين من عمره، ومع أنه كان ما يزال يصطاد السمك لا أفضل ولا أسوأ من رفاقه، بدأ يأتى بكثير من الأسماك من أنواع غير معروفة، إلى حد أن الناس بدأوا يشكون فى أنه عقد حلفا مع الشيطان.
ومن جهة أخرى فإنه، بعيدا عن العمل على تكذيب الاتهامات الموجهة ضده، أحاط نفسه بالغموض، فلم يكن يغادر الميناء إلا فى الليالى الأكثر سوادا، وحيدا دائما ليناور بقاربه الثقيل.
وبقى على هذا الحال إلى نهاية حياته. وإنما بعد موته بقرون عديدة، حدث أن كاتبا اكتشف، فيما كان يبحث وينقب فى المحفوظات، رقـًّا لم يجرؤ أحد من قبل على فض ختمه بالشمع الأحمر، وكان هذا الرِّق يحتوى على سِرِّه.
والحقيقة أن إنريكيث عاش دائما الحياة المألوفة لكل أولئك الذين ينتمون إلى حرفته، عندما لاحظ، ذات صباح، عند ذهابه لإحضار قاربه، أن عقدة ربطة حبل القارب لم تكن بالطريقة التى اعتاد أن يعقدها بها.
قال لنفسه: "شخص ما استعمل قاربى. وهو ليس بحّارا. إن رجل البحر لا يعقد مثل هذه العقدة!"
كما أن الشراع لم يكن مطويًّا بصورة ملائمة، غير أن إنريكيث لم يتفوه عن هذا بكلمة لأىّ شخص. واصطاد وكأن شيئا لم يكن، وعاد إلى بيته، ثم بعد أن حلّ الليل، انصرف، من طريق غير مباشر، ليختبئ فى قعر قاربه.
لم يكد يكمن متربصا ساعة واحدة، حتى رأى أربع نساء عجائز بقيادة لا فيرّير ، وهى صاحبة فندق سيئة السمعة. قامت النساء بحلّ حبل المركب، ورفع الشراع، و، فى الحال، انطلق المركب بسرعة بالغة إلى حد أن الناس قالوا أنه طار بالمعنى الحرفى للكلمة إلى قمة الأمواج. وخائفا قليلا، ولكنْ بفضول شديد إلى رؤية إلى أين عسى يمكن أن تعود النساء العجائز، ظل صياد السمك متربصا فى مخبئه.
ولأن الليلة كانت مظلمة جدا، والسماء غائمة، لم يستطع إنريكيث حتى أن يتطلع إلى النجوم ليحدد اتجاهه. وحدها غريزة البحار التى لديه قالت له أن القارب قد اتجه إلى الغرب.
وبعد مرور عدة ساعات من الركض، لمس مقدم المركب شاطئا رمليا نزلت فيه النساء في البر. تركهن صياد السمك يبتعدن قبل أن يغادر قعْر المركب. وعندما استطاع أن يلقى نظرة نحو البر، إذا به يرى حريقا هائلا يشتعل على مسافة مئات الأمتار من الشاطئ. وعلى ضوئه برزت بوضوح خيالات الظل السوداء لنساء عديدات كنّ يرقصن نوعا من الرقص البطيئ للغاية.
قال إنريكيث لنفسه: "إنهن ساحرات، لقد وقعتُ وسط محفل سَبْتيّ ليلىّ للساحرات. يا إلهى، يا لها من قصة!"
ولأن الساحرات كنَّ أكثر انشغالا من أن يلقين بالا إليه، سار بمحاذاة الساحل الرملى، محاولا أن يكتشف سكانا أو أىّ تفاصيل تسمح له بالتعرف على هذا الساحل. غير أنه لم يجد شيئا سوى رمل ناعم. وأثناء عودته إلى مركبه، ابتعد إنريكيث قليلا عن الشاطئ، وداست قدماه على باقة من البوص. انتزع منها ساقا وذهب بها إلى مخبئه.
وعندما انتهى محفلهن السبتىّ الليلى، وعادت العجائز إلى مكانهن في القارب، انطلق القارب يسرع وكأن نوتيته امتلكوا هذا الحبل الشهير الذى يحرك الرياح والذى يحاول الملاحون البحث عنه عن طريق النوتية الأحداث المبتدئين. رياح الخلفية للوصول، ورياح الخلفية للإقلاع ـ وأىّ رياح! ـ وبالنسبة للبحار الذى كانه إنريكيث، فقد كان لديه شيء ما يمعن التفكير فيه!
وقبل الفجر بكثير، رسا المركب فى پنييسكولا، وذابت الساحرات فى ضباب صاعد من البحر.
وبمجرد أن فتح العطار الذى يعرف النباتات دكانه، حمل إليه صياد السمك البوص الذى كان قد قطعه على الشط.
"أين وجدتَ هذا؟" سأل الشيخ مندهشا إلى حد ما.
ستكونون على حق فى اعتقادكم أن إنريكيث لن يروى مغامرته للشيخ!
قال: "بَحّار أجنبى هو الذى أعطانى إياه. ولكنْ لأنه لا يتكلم اللغة الإسپانية، لم أفهم من أين كان قادما".
قال الشيخ: "حسنا، يا ولدى، لا يوجد لغز فى الأمر. ذلك الجسور كان قادما رأسا من أمريكا. ويمكننى حتى أن أقول لك أنه لابد من أن سفينته استفادت من رياح مواتية جدا، ذلك أنه لم يمض وقت طويل جدا على قطع هذا البوص".
وأضاف الرجل المسن ضاحكا:
"لكنه لا يمثل حتى هدية ثمينة جدا لك، فهذا البوص لا يكفى حتى للتفصيل لصنع ناى".
وبعد أن أفاق إنريكيث من دهشته العميقة، انصرف ليبحث عن لافيرّير فى الغرفة الخلفية لفندقها. وحكى لها عن ليلته وأضاف:
"أنت تعلمين أن الساحرات يتم إحراقهن وهن على قيد الحياة. وإذا أنا تكلمت فإنه سيحكم عليك ويتم إعدامك بهذه الطريقة".
دمدمت العجوز بصوتها الذى كان يحدث صريرا مثل قفل سيئ: "إذنْ، كم تريد مقابل صمتك؟"
"أنا لا أريد مالا. أنت لا تملكين ما يكفى من المال، لأن السرّ الذى أحمله الآن يساوى ثروة. ما أريده سحر مثل سحركِ يسمح لى بأن أبحر بمثل سرعتكِ"
ولم يكن أمام الساحرة خيار. حركت حجرا من موضعه فى جدارها، وسحبت من مخبئه وعاءً صغيرا يحتوى على مسحوق أحمر، وقدمته إلى صياد السمك قائلة:
"سيكون هذا لك طوال حياتك. لأن حبتين منه تضعهما على الشراع تكفيان لعبور المحيط. ولن يكتشف أحد سرك أبدا، لأنك أنت أيضا ستكون الوحيد الذى يُعتبر ساحرا."
كان هذا سِرّ إنريكيث، صياد السمك فى پنييسكولا، الذى كان يجلب أنواعا ليلية من الأسماك اصطادها من آلاف الأماكن من الساحل الإسپانى.


أثناء رحلة فى إسبانيا، التقى الكاتب پروسپير ميريميه Prosper Mérimée بفلاح مؤمن بالخرافات روى له مغامرة ابن عمه، صياد السمك فى پنييسكولا. وتستلهم القصة التى قرأتموها للتو المقال الذى أرسله پروسپير ميريميه إلى إحدى المجلات.
ومن المحتمل أنكم أيضا سمعتم عن السحرة والساحرات. وكانت لهؤلاء وأولئك سمعة سيئة لأنه كان يجرى ربطهم بالشيطان. ولم يحمل الناس لهم أىّ تعاطف.
وكل يوم سبت، في منتصف الليل، كانت الساحرات يلتقين حول الشيطان لإقامة المحفل السبتى. وكان الشيطان يأتى إلى هذا الاجتماع الليلى فى صورة تيْس كبير، حاملا قرنيْن ضخمين، وكان يقود الاحتفال. وفى الساعة الثالثة صباحا، كان الاحتفال ينتهى، فتعود الساحرات بسرعة إلى كل أركان العالم. ويبدو أنهن لم يكن بإمكانهن التجول على الأرض فيما بعد تلك الساعة.
وتظهر الساحرات فى أساطير عديدة ومن النادر جدا قيامهن فيها بدور متميز. وفى أغلب الأحيان يجرى تقديمهن بملامح نساء شرسات مرعبات.
ومنذ وقت طويل، فى كيوتو، فى الياپان، كانت هناك ساحرة تقتل كل يوم عابر سبيل. وعاش السكان فى خوف، ولكنْ لا أحد جرؤ على مواجهة هذه المرأة الرهيبة، التى اختارت مسكنها فى برج منعزل. ومع هذا، قرر شاب شجاع، إيشيدو، تخليص مدينته من هذه الغولة.
وفى الفجر، ودَّع زوجته الباكية وابنه. واتجه نحو البرج المشئوم. رأته الساحرة قادمًا، وفتحت بابها، مستعدة لقتل هذا الشخص الطائش. كانت المعركة سريعة. ألقى إيشيدو بنفسه عليها باندفاع شديد جدا إلى درجة أنها لم تتمكن من الدفاع عن نفسها. وبضربة سيف بتر ساعدها الأيمن، ولكنه لم ينجح فى قتل المرأة الشريرة التى، بعد أن صارت مبتورة الساعد على هذا النحو، لجأت إلى داخل برجها.
عاد إيشيدو إلى بيته بغنيمته [ساعد الساحرة]. وبعد هذا بعدة أيام، جاءت عمة عجوز لتراه لتباركه وتبدى إعجابها بهذا الذراع.
تغيرت ملامح وجه الزائرة بمجرد أن لمحت ذلك العضو المبتور الذى كان ما يزال داميا. وتعرَّف الشاب على الساحرة، فأسرع لإحضار سيفه، غير أنه عندما عاد كان لم يعد هناك أحد فى الغرفة. ومن نافذته رأى عدوّته تختفى محلقة فى الجو، وهى تضم ساعدها إلى صدرها.

Bernard Clavel: Légendes de la mer