كنز جزيرة فردينانديا

 


(صقلية)

كانت چينا معروفة لكل البلاد بسوء طبعها. وفى قرية سياكا، عندما تهب الرياح التى تحمل العاصفة، كانوا يقولون عن طيب خاطر:
"هذه رياح سيئة مثل چينا. ولا شك فى أن أولئك الذين كان عليهم أن يعانوا منها وسط البحر كانوا يفكرون فى بيپو المسكين، الذى تزوج من هذه المرأة الشريرة"
وبالطبع، كان يقال هذا عندما يكون الناس متأكدين من أنها بعيدة، ذلك أنه لم يكن يخشى هذه المرأة الشرسة سوى البائس بيپو.
ولم يكن بيپو يملك من الثروة سوى زورقه، وبعض خيوط صنارات الصيد السيئة التى كانت تمزقها فى كثير من الأحيان الأسماك التى لم تكن مع ذلك كبيرة مطلقا. وربما لم يكن صياد سمك حاذقا جدا، ولكن ينبغى القول أيضا أن واقع سماعه لا يكف عن نداء چينا كان لا يعطيه الثقة بنفسه. ومنذ العشرة الأعوام التى تزوجها فيها، كان سوء الحظ يلاحقه إلى حد أنه انتهى إلى إقناع نفسه بأن المرأة الشرسة كانت ذات عين شريرة.
وذات يوم، قال له صديقه ڤنسنزو:
"تلك المرأة كائنة شيطانية. وعليك أن تتخلص منها؛ وإلا ستنتهى إلى أن تجعل صوابك يطير".
ومنذ تلك اللحظة، بدأ بيپو يمعن التفكير. ولأنه لم يكن شخصا سيئا، فإن فكرة قتل زوجته لم تخطر بباله لحظة واحدة. ولكنه، عارفا بأنها لم تكن خبيرة جدا فى قيادة السفن الشراعية، قال لنفسه أنه إذا استطاع أن يستدرجها إلى ركوب سفينة بمفردها ذات صباح تهب فيه رياح البر، ربما ستكون هناك الفرصة لكى تجرفها الأمواج حتى شواطئ أفريقيا. ولأنه كان يعرف أن چينا كانت راغبة للغاية فى كسب الكثير من المال، قال لها ذات مساء عائدا لتوه إلى المرسى فى جو عاصف:
"لم آت بشيء معى، ولكن لا تضربينى. ليس هذا خطئى، فالعاصفة فاجأتنى..."
ولم يكن لديه وقت ليتحقق من أن زوجته، ممسكة بالمقشة، بدأت بالفعل فى ضربه بشدة:
"توقفى! تضرع صياد السمك... عندما تعلمين ماذا اكتشفت، ستندمين على ضربك لى.
- ماذا اكتشفت؟ حانة لتسكر؟
- لا، مطلقا. الزوبعة دفعتنى إلى جزيرة فردينانديا. وهناك، عند زحزحة حجر لإرساء قاربى، اكتشفت كنزا. غير أن البحر كان هائجا للغاية، وقد تركته خوفا من أن أفقده أثناء عودتى".
وضعت چينا مقشتها، بل صبت نصف كأس نبيذ لبيپو وبدأ يعطى تدقيقات للمكان الذى يوجد فيه الكنز.
"هذا عظيم، قالت، سنذهب للبحث عنه".
وفى الغد، توقفت العاصفة، غير أن بيپو، الذى كان يعرف الوقت جيدا، فهم أنه قبل منتصف اليوم ستهبّ رياح البر خلف الجبل وتندفع نحو البحر.
"أنت تعرفين، قال، عاصفة الأمس هذه والضربات التى وجهتها إلىّ جعلتنى مريضا. إننى عاجز عن ركوب البحر اليوم".
دمدمت المرأة الشريرة، وهى ترى البحر هادئا تماما، قررت الرحيل بمفردها.
وبمجرد أن قامت برفع المرساة، غادر بيپو حصيرته وانصرف إلى المقهى، حيث وجد أصدقاءه.
"ماذا فعلت بامرأتك؟ سأله ڤنسنزو.
- أرادت أن تذهب وحدها لصيد السمك. قال بيپو. وهى تزعم أنها ستصطاد عشرة أضعاف السمك الذى أصطاده.
- وأنت تركتها تركب القارب فى حين أن رياح البر تهدد؟ لفت نظره إنريكو. هذا ليس من الحكمة.
- أنت تعرف جيدا ما هو طبعها. لقد فعلت كل شيء لمنعها، لكنها ضربتنى. انظر هنا، انظر إلى ظهرى".
خلع صياد السمك قميصه، واستطاع أصدقاؤه أن يروا آثار الضربات التى تلقاها فى عشية ذلك اليوم.
"يمينا، قالوا، إذا أمسكت بها العاصفة فإنها لن تلقى إلا ما تستحق".
فى منتصف النهار، عندما كانت أولى الزوابع تنزل المنحدرات وهى تعوى، وقف بيپو، الذى كان قد أفرغ عددا كبيرا من الزجاجات، مترنحا، ووصل بطريقة ما إلى الرصيف. وفى ذلك الحين تكونت أمواج ثقيلة، دافعة إلى عرض البحر زبدها الفضى. واكفهرت السماء بسرعة وقبل سقوط الليل كان من الممكن رؤية كتل ضخمة من الماء تتدفق على صخور جزيرة فردينانديا.
وبطبيعة الحال، عادت كل الزوارق إلى المرسى منذ وقت طويل. كلها، إلا قارب بيپو الصغير.
وكممثل كوميدى، أخذ صياد السمك يرثى لحاله:
"كانت تضربنى، قال، لكننى أحببتها كثيرا. أين هى مفقودة، الآن، وسط هذه العاصفة؟ يا إلهى، اِحْم مسكينتى چينا واجعلها تعود إلىّ!
- الأمر يحتاج إلى معجزة"، قال ڤنسنزو.
ولكن يحدث أن الإله الطيب يستجيب للصلوات، حتى عندما لا تكون مخلصة. لأن المعجزة تحدث.
مرت أربعة أشهر. أربعة أشهر قضى بيپو خلالها، بعد أن أقام قداسا فى سبيل طمأنينة روح چينا، أياما هانئة من حانة إلى أخرى.
ثم، فى نهاية هذه الأشهر الأربعة، فيما كان عائدا ذات مساء إلى منزله بعد نهار قضاه فى الشرب والغناء، لمح بيپو أمام بابه هيئة ظنها قبل كل شيء شبح چينا. غير أن الصرخات التى مزقت أذنيه والضربات التى تلقاها أعادته إلى رشده بسرعة. لم يكن ما رآه شبحا، بل زوجته بلحمها وعظمها، مفعمة بالحيوية تماما وأكثر شراسة مما كانت فى يوم من الأيام.
"آه! أيها التافه، صرخت، لقد كذبت علىّ لتتخلص منى! حسنا، ستدفع الثمن! بل ستدفع ثمنا غاليا جدا...
هل تريد أن تعرف من أين أتيت الآن؟ هل اعتقدت أننى فى الجحيم؟ أنت مخطئ. نعم، غرقت. نعم، زورقك ضاع. لكننى أنا، أنقذنى بحارة سفينة متجهة إلى تونس! وقد قمت بالرحلة معهم. رحلة ممتعة جدا فى بلاد من الجميل جدا رؤيتها. كل ما فى الأمر، أن هذه الرحلات تكلف غاليا جدا. والآن، ينبغى أن ندفع. وأعتقد تماما أنه لن يكفيك طول عمرك لكى تسدد ديونى".
بخضوع تحت الضربات، أخذ بيپو ينتحب:
"لكننى لم أعد أملك قاربا لكى أصيد السمك.
- صيد السمك، صرخت المرأة، سيكون الفردوس، بالنسبة لك، ولن تأتى أبدا بسمك يكفى لإطعامى وسداد ديونى. سوف تذهب إلى عملك فى تكسير الحجارة بضربات المطرقة".
ومنذ فجر اليوم التالى، مضى بيپو فى طريقه إلى عمله. وهناك، تحت الشمس التى تكوى لك جلدك وفى الغبار الذى يحرق لك حلقك، بدأ يعمل. وحتى نهاية حياته، روى بعرقه الحصى الذى كان يكسره.
وعلى فترات طويلة، عندما كان ينهض واقفا، ويد على خصره المؤلم، كان يلمح البحر الأزرق حيث ترقص أشرعة بيضاء شبيهة بتلك الخاصة بالقارب الذى عرف وهو على متنه أسعد ساعات حياته

Bernard Clavel: Légendes de la mer .