أدونيس يدعو للإصلاح بسوريا وينتقد المعارضة

قال الشاعر السوري، أدونيس، إن ما يجري في سوريا "يحزنه،" ودعا النظام إلى "تفهم ضرورة الإصلاح" وإجراء انتخابات جديدة، متمنياً لو أن المعارضة "لم تلجأ إلى العنف المسلح" بمواجهة السلطة، ورفض التدخل الخارجي، وأعرب عن أسفه لأن كفة ما قال إنه "صراع دائم" بين الدين والشعر بالشرق تميل حالياً لصالح الدين.

ويصف بعض النقاد أدونيس، بأنه "أعظم شاعر عربي على قيد الحياة." وكان العربي الأول الذي فاز بجائزة "غوتة" الألمانية في العام الماضي، ويبلغ من العمر 81 عاما، وكان أحد المرشحين للفوز بجائزة نوبل للآداب في العام المنصرم.

واسم أدونيس الحقيقي هو علي أحمد سعيد اسبر، وقد لد ونشأ في قرية فقيرة بالقرب من مدينة اللاذقية السورية، ولم يتلق أي تعليم رسمي حتى حصل على منحة دراسية، وكان عمره آنذاك 13 عاما. واضطر إلى مغادرة سوريا عام 1956، بعدما سجن لعلاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي، لينتقل بعدها إلى بيروت التي يعيش حالياً بينها وبين باريس.

تحدث أدونيس إلى CNN من خلال مترجم في معرض وسلسلة من الفعاليات الأدبية بعنوان "تحية إلى أدونيس" في لندن، يقام حتى 30 آذار/مارس.

CNN: كيف تشعر بمراقبتك الوضع في سوريا؟

أدونيس: أنا حزين جدا، وأود أن يتفهم النظام بأنه يجب عليه الإصلاح، أو تجديد نفسه وتشكيل حكومة جديدة من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

وأتمنى أيضا لو أن المعارضة لم تلجأ إلى العنف المسلح، لأنني شخصيا ضد العنف بجميع أشكاله، وأنا لا أرى أي مبرر لاستخدامه على الإطلاق.

CNN: هل يجب على العالم الخارجي التدخل في سوريا؟

أدونيس: يجب على العالم الخارجي ألا يتدخل، وخصوصا عسكريا، وينبغي على العالم الغربي ألا يستخدم هذا كذريعة لتحقيق أهدافه في المنطقة.

CNN: هل أنت على اتصال مع الأصدقاء في سوريا؟

أدونيس: آخر زيارة لي إلى سوريا كانت قبل عام ونصف تقريبا، ولكنني دائما على اتصال مع أصدقائي هناك، والعديد منهم في المعارضة - ولكن في المعارضة السلمية - ومنهم من تبادل وجهات النظر معي، وقال لي بأن الحل يجب أن يكون سوريا، ومن خلال حوار ديمقراطي. ويجب أن يقود إلى نظام جديد ديمقراطي، تعددي وعلماني.

CNN: هل ينتابهم الخوف؟

أدونيس: الخوف الرئيسي هو من العنف واحتمالات تطور الأوضاع إلى حرب أهلية. لا يخافون من التحدث، فيمكنهم التحدث بصراحة.

CNN: كيف غيرت أحداث العام الماضي العالم العربي؟

أدونيس: بالتأكيد هناك وعي جديد في كل مكان، والسؤال هنا هل سيؤدي هذا إلى واقع سياسي جديد وأنظمة جديدة؟ من الصعب التنبؤ، ولكن آمل ذلك.

CNN: هل من تغيير في لبنان الذي أمضيت فيه سنوات طويلة؟

أدونيس: لبنان سيبقى كما كان على الدوام، عبارة عن مشروع قيد الإنجاز، هو مشروع يصعب التوقف عن العمل به، ولكن مواصلة العمل لا تقل صعوبة أيضاَ.

CNN: أنت لم تتلق أي تعليم رسمي، حتى قمت بقراءة قصيدة من القصائد الخاصة للرئيس السوري في عام 1943، كيف حدث ذلك؟

أدونيس: هذا كان قبل 70 عاما تقريبا، وبعد استقلال سوريا، وكان الرئيس بجولة سياحية في البلاد، كان عمري حينها 12 أو 13 عاما، وقرأت قصيدة أمام الرئيس. فسألني حول ما إذا كنت أرغب بالحصول على شيء، فطلبت منه الذهاب إلى المدرسة، لذلك حصلت على منحة دراسية لإحدى المدارس في اللاذقية.

CNN: وكيف غيّر ذلك حياتك؟

أدونيس: لقد أعطاني الشعر حياة جديدة، يمكنني أن أقول أن الشعر سمح لي بأن أولد من جديد.

CNN: ما مدة أهمية الشعر في الثقافة العربية.

أدونيس: يشكل الدين والشعر المحور العصب الرئيسي لثقافتنا، ولكنهما كانا بحالة صراع على الدوام، وللأسف فإن الدين اليوم يتغلب على الشعر، ولكنني أقول على الدوام بأن الشعر سيبقى قوياً ومتجذراً، فلم يكن للشعر نفوذ كبير عبر التاريخ، ولكنه كان يخلق على الدوام أبعادا جمالية جديدة ويطور العلاقة بين البشر والأشياء، وهذا أمر لا يمكن إغفال أهميته.

CNN: كيف كانت سوريا قبل حكم الرئيس السابق حافظ الأسد؟

أدونيس: غادرت سوريا عام 1956، قبل سنوات من وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، وقد عارضت على الدوام الأيديولوجيا البعثية، ورفضت حكم الحزب الواحد.

CNN: أنت غادرت سوريا بعد سجنك بتهمة الانتماء إلى حزب معارض في عام 1956م، ثم غادرت لبنان في عام 1982م بعد الغزو الإسرائيلي، هل تشعر بأنك دائما في منفى؟

أدونيس: أنا لا أشعر بأنني منفي بسبب هذين الحادثين فحسب، فهناك العديد من العوامل الأخرى التي تجعل هذا الشعور ينتابني، بينها العلاقات مع الآخرين، علاقتي مع اللغة، وعلاقتي مع العالم. الحب يجعلني أحيانا أشعر بالمنفى. واقعيا، الشعور بالمنفى يرافقني دائما، فأنا أعيش في حالة من عدم الاستقرار.

CNN: ما هي أبرز ذكرياتك في سوريا منذ كنت شابا؟

أدونيس: أتذكر الساحل والجبال، والفتيات الجميلات التي تشتهر بهن سوريا. أفتقد السباحة في البحر.

CNN: هل تود الذهاب سوريا والعيش بها؟

أدونيس: أود أن أعود، ولكن لا أعتقد أن رغبتي ستتحقق.

-------------------------------
وكان أدونيس قد أحيا أمسية في لندن كتبت bbc هذا التقرير عنها :
أمسية أدونيس الشعرية: جرعات دفء في صقيع لندن

كان البرد غير عادي في لندن، لكن القاعة التي ألقى فيها الشاعر السوري أدونيس أشعاره مساء الجمعة في "الموزايك رومز" اكتظت بعشاق الشعر، عربا وأوروبيين، وألقى الشاعر قصائده بالعربية، وتبعه الشاعر خالد المطاوع الذي ترجم مختارات من أشعاره إلى الإنكليزية بإلقاء المقابل باللغة الأخرى.

كانت الترجمات إلى الإنكليزية متميزة، باعتراف لجنة "جائزة سيف غباش_ بانيبال للترجمة" التي منحته الجائزة هذه السنة عن ترجمته لقصائد أدونيس تحديداً.

الكثير من الشعراء يرون في ترجمة الشعر خيانة للمعنى، وأدونيس أيضاً له تحفظات معينة على الترجمة.

في عرضه لموقفه من الترجمة يستشهد بالجاحظ الذي يقول إن ترجمة الشعر هي إخراج له من طبيعته وبالتالي هي تهديم له، إلا أن أدونيس يقول إنه شخصياً لا يمانع بذلك، بشرط أن تكون الترجمة هي قراءة خلاقة للشعر.
أدونيس ينتقد المعارضة السورية ويدعو للإصلاح
أدونيس: غليون جاء لرئاسة المجلس الوطني بفضل الإسلاميين
وفاة الشاعر التونسي عبد الحفيظ المختومي
فانتازيا حول الحلف الأطلسي المستعرب

أما المترجم، خالد المطاوع، فهو يرى أن الكثير من العناصر تتوفر لديه حتى يقوم بتلك "القراءة الخلاقة" لأشعار أدونيس، فهو شاعر من جهة، ومن جهة أخرى هو معاصر لأدونيس، لعالمه وقضاياه وهمومه الشعرية والإنسانية، وهو بذلك لا يرى أنه اقترف خيانة بحق المعنى.

أجواء شعرية بامتياز
جاء أدونيس إلى لندن وصيته العالمي يسبقه، لذلك لم يكن غريبا أن نرى عددا كبير من غير العرب بين الذين حضروا أمسيته في "موزايك رومز"، وربما كان ابلغ دليل على أن المترجم بلغ درجة "القراءة الخلاقة" التي يتوقعها منه الشاعر أن القصائد احتفظت بشاعريتها، وبأجوائها الأدونيسية الخاصة، وتمكنت من الوصول إلى حضور الأمسية من غير العرب.

كان حضور الشعر وحضور الإلقاء في القاعة قويا، فكلا الشاعر والمترجم ألقى القصائد وكأنه يمارس طقوسا خاصة، جعلت المستمع يعايش جو القصيدة ومعناها.

استهل أدونيس الأمسية بقصيدة طويلة عنوانها "الوقت"، حافلة بالرموز الغرائبية وغير المسبوقة، وهذا أحد العناصر المعرفة لشعر أدونيس.

تبدأ علاقة الشاعر بالرمز منذ اختياره الاسم الشعري "أدونيس"، والذي أصبح يعرف به بدلاً من اسمه الحقيقي (علي أحمد سعيد).

يقول أدونيس في إحدى مقابلاته : "الحق أنني لم أكن أعرف حين اخترت هذا الاسم، أنه ينطوي على رمز الخروج من الانتماء الديني، القومي، إلى الانتماء الإنساني، الكوني".

من يستمع أو يقرأ قصائده يكتشف أن شعره مؤسس على هذا المبدأ العابر للجغرافيا واللغة، وهذا ما يجعل صوته يصل إلى المتلقي عبر كل الحواجز.

وكانت من أولى محطاته المميزة لمسيرته الشعرية "أغاني مهيار الدمشقي"، وهي أيضا تعكس انعتاقه من الماضي والراهن والذاتي ليستشرف المستقبل عبر الرمز والأسطورة.

ويقول أدونيس إن ابتكاره لشخصية مهيار الدمشقي "تأثر بنماذج غربية: زرادشت نيتشه، وفاوست غوته، ومالدورور لوتريامون. وقد أراد من ابتكار هذه الشخصية الخروج من الخطاب الذاتي الشعري المباشر، وأن يقول عالمنا بلغة غير ذاتية، لغة رمزية تاريخية ينطق بها شخص، رمز وأسطورة في آن، وهو في ذلك أكثر من قناع إنه بؤرة تتلاقى فيها أبعاد الثقافة العربية، في شاغل رئيسي محوري: تجاوز العالم العربي القديم، إلى عالم عربي جديد"، كما كتب نبيل سلامة.

رموزه الشعرية خاصة به، تجعلك تحس أنه يغرف من الرصيد الثقافي الإنساني أكثر مما يتأثر بمحيطه المباشر، فضلا عن أنه " يحاول أن يتمرد على الأشكال التقليدية وبذلك هو يصل إلى مرحلة الخلق أو الإبداع التوليدي ، فيكتب الأشياء بطبيعة إبداعية جديدة ، وتنحى شكلا تصويرياً رمزياً" كما كتب أثير الهاشمي.

التحرر من اللغة
تحرر أدونيس من الكثير من العناصر في تعبيره عن علاقته بالأشياء، أما أن يجنح شاعر إلى الانعتاق من سطوة اللغة والبحث عن وسيلة تعبيرية أخرى "غير لغوية" فهو لا شك مثير للأسئلة.

في إحدى مراحل مسيرته الشعرية اسستعصت على أدونيس الكلمات مؤقتا، لكن رغبته بالتعبير بقيت ملازمة له، فقادته رحلة البحث عن فضاء تعبيري بديل، ولو مؤقت، إلى "الرقيمة".

والرقيمة، في تعريف أدونيس، هي لوحة فنية تعبيرية مشكلة من عناصر مختلفة: قطع ثياب رثة، أسلاك، معادن، قطع خشب، صور فوتوغرافية، بالإضافة إلى اللغة في مظهرها البدائي: الخط.

يكاد تأملنا في تلك اللوحات يقودك إلى أشكال بملامح، إلا أن أدونيس يقطع علينا الطريق ويقول إنه لا يرسم بتلك العناصر أشكالاً بقدر ما يخلق أجواء.

لا أخفي عنه استغرابي من هجر الكلمة، وأسأله إن كانت هذه اللوحات قادرة على نقل المعنى والرؤية كالكلمة، فيرد بأن الكلمة غير قادرة على التعبير عن الشيء، ويستدرك إن هذا لحسن الحظ، لأنه إذا عبرت الكلمة تعبيراً نهائياً عن الشيء تنتهي الكلمة وينتهي الشيء.

الشاعر والراهن
قد يظن البعض إن انشغال شاعر بقضايا كونية فلسفية يجعله بالضرورة مغترباً عن قضايا الراهن، وفي هذا شيء من الحقيقة، فأدونيس وأن كان يعلن موقفاً من قضايا مجتمعه الراهنة، والسياسية منها تحديداً، إلا أن تعبيره عن موقفه منها بعيد عن مباشرة السياسة وأقرب إلى عمق الفلسفة.

ما رأيه بالربيع العربي؟ إشكاليات الديمقراطية والديكتاتورية؟ فوز الإسلاميين؟

الديكتاتورية شيء كريه، كما يقول، وأبشع من أي شيء آخر. هو يؤمن بالديمقراطية كما أكد، وإن كان سيكون ضد ما تجلبه لو أتت بقوى دينية متزمتة تقيد الحريات.

إذن نحن أمام إشكالية فلسفية: يريد ديمقراطية، مما يعني حق الأكثرية في أن تختار من يمثلها، لكن إذا قررت تلك الأكثرية أن من يمثلها هو من لا يؤمن بالديمقراطية التي وصل إلى السلطة على أكتافها فسيكون الشاعر ضده، باسم من ؟ باسم النخبة. لكن النخبة ليست الأكثرية، فهل ستفرض وصاية عليها؟ ليست الإجابة على هذا السؤال سهلة، ولكن الإجابات، والسهلة منها تحديداً، لم تكن يوماً بين غايات الشعر ومآرب الشعراء الذين يسعدهم أكثر طرح الأسئلة الاستفزازية وإثارة الزوابع حولها.