من تقريرين أمريكيين حول سوريا

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: وهو أحد أبرز وأهم مراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية المعنية بالشأن السوري والشرق أوسطي. وما هو جدير بالملاحظة أنَّ هذا المعهد يتبع حصراً لجماعات اللوبي الصهيوني، وبالتالي فهو يهتم بالشأن السوري وفقاً للمنظور الصهيوني، وبرغم ذلك فقد قمنا بتغطية ما تم نشره حول سوريا على الموقع الإلكتروني الخاص بالمعهد.

مركز الدراسات الإستراتيجية الشرق أوسطية: يعتبر من المراكز البحثية الحديثة إضافة إلى تميز هذا المركز بالشمول وتعددية وجهات النظر، إضافة إلى الالتزام بمفهوم جيوسياسي واسع نسبياً لمفهوم الجغرافيا الشرق أوسطية، هذا، وقد ظل هذا المركز أكثر اهتماماً بتقديم التحليلات السياسية والاستراتيجية التي تسعى لتغطية تطورات الأحداث والوقائع الجارية في كل بقاع منطقة الشرق الأوسط الممتدة من موريتانيا وحتى أفغانستان. ومن الصومال والسودان وحتى بلدان آسيا الوسطى.

على أساس اعتبارات التطورات الجارية، فقد نشر مركز الدراسات الاستراتيجية الشرق أوسطية ورقتين بحثيتين حول أحداث سوريا، يمكن الإشارة إليهما على النحو الآتي:

الورقة الأولى: حملت عنوان: (المظاهرات في سوريا: أنطولوجيا العصيان)، وتم إعداد الورقة البحثية بواسطة البروفسور فيزيل إيهام، ومستشار شؤون الشرق الأوسط الخبير أبانيت إيزيت بيزال، هذا وقد أشارت الورقة إلى النقاط الآتية:
- تمثل سوريا جانباً آخر في الإحتجاجات التي سبق أن حدثت في تونس ومصر ثم امتدت إلى اليمن والبحرين وليبيا.
- بدأت الأحداث في دمشق بمجموعات صغيرة. ولكنها ظلت معزولة لذلك توقفت. ثم لاحقاً برزت الأحداث في مدينة درعا (عرب سنة) والحسكة (أكراد وسنة)، إضافة إلى بعض المجموعات الصغيرة في بعض المناطق الأخرى.
- ظلت الأحداث محصورة في هذه المناطق وتتكرر بشكل متقطع دوري (وحصراً بعد صلاة الجمعة).

هذا، وخلصت الورقة إلى أنَّ الأحداث الجارية حالياً وبشكل متقطع في سوريا، تختلف عن الأحداث التي جرت في مصر وتونس (أو عن الجارية حالياً في اليمن) وذلك لأن أحداث مصر وتونس كانت واسعة النطاق وشاملة المشاركة. أما أحداث سوريا فهي محدودة النطاق ومحصورة
المشاركة.

وبالتالي فهي تعبر عن دوافع سياسية لمجموعات صغيرة إثنية أو دينية. وخلصت الورقة أيضاً إلى امتناع العديد من طوائف سوريا الأخرى عن المشاركة وعلى وجه الخصوص المسيحيين والدروز وغيرهم. بما في ذلك القسم الأكبر من المجتمعات السنية الإسلامية، وأشارت الورقة البحثية إلى أن مركز الدراسات الاستراتيجية الشرق أوسطية قد أجرى بحثاً ميدانياً لاحظ من خلاله وجود ارتباط بين جماعة الإخوان المسلمين الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين السورية، وتداخل روابط الجماعتين عبر شبكة المصالح الممتدة عبر تجارة الحدود السورية ـ الأردنية. وأضافت الورقة البحثية التأكيد على وجود تيار إسلامي في منطقة درعا وثيق الصلة والإرتباط بجماعة الإخوان المسلمين الأردنية والسورية، وظل هذا التيار المحدود ناشط الفعاليات في منطقة درعا والتي ظلت لفترة طويلة تعتبر من أكثر المناطق المرتبطة بالنظام السياسي الموجود في دمشق.

الورقة الثانية: حملت عنوان (المحطة الأخيرة في موجة عصيان الشرق الأوسط هي سوريا): وهي من إعداد الباحث أويتون أورهان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، ويمكن الإشارة إلى أبرز النقاط الواردة في الورقة على النحو الآتي:
- تعرضت شرعية الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط لاختبار بسبب موجة الاحتجاجات الجماهيرية، وسقطت أنظمة مصر وتونس بسبب الافتقار إلى "الشرعية الجماهيرية". وحالياً تعتبر سوريا من البلدان التي أصبحت على وشك تحقيق النجاح التام لجهة عبور وتجاوز هذا
الاختبار.
- تعتبر سوريا من البلدان التي ظلت هادئة برغم أنها محاطة بسلسلة من البؤر الساخنة والاضطرابات السياسية والحروب الداخلية والإقليمية والدولية، فهناك بؤرة الصراع العراقي، بؤرة الصراع التركي الكردي، بؤرة الصراع اللبناني، بؤرة الصراع الفلسطيني الصهيوني.
- ظهرت بعض الاحتجاجات المتقطعة والمحدودة، والمختلفة الدوافع: في منطقة الحسكة والقامشلي برزت الدوافع الإثنية ـ في منطقة درعا برزت الدوافع "الأصولية الإسلامية".
- لاحقاً ظهر البعد الطائفي ـ الديني، من خلال تواتر ظهور تجمعات المتظاهرين في الجوامع وتحديداً بعد صلاة الجمعة.
- توجد العديد من نقاط التشابه ونقاط الاختلاف بين سوريا وكل من تونس ومصر، ففي حين تتشابه سوريا مع هذين البلدين في مجال المعاناة الداخلية. فإن سوريا تختلف عنهما في مجال السياسة الخارجية، وذلك لأن تونس ومصر أكثر ارتباطاً بأمريكا وإسرائيل، وهو الأمر الذي لم يحدث في الحالة السورية.

هذا، وعلى خلفية هذه النقاط، فقد توصلت الورقة البحثية إلى استنتاج يقول: التغيير الذي حدث في تونس ومصر من غير الممكن أن يحدث في سوريا، وذلك لأن الدوافع التي أدت إلى الاحتجاجات التونسية والمصرية لها طبيعة وخصوصية مختلفة عن سوريا، وفي هذا الخصوص أشارت
الورقة إلى ثمانية أسباب:

1. وقائع الصراع العراقي أدت إلى تعزيز وعي السوريين إزاء المخاطر الكبيرة التي يمكن أن تتعرض لها سوريا إذا تفشت ظاهرة فراغ سلطة الدولة.

2. يتميز الرأي العام السوري بوجود المزيد من المشاعر القومية المعادية لأمريكا وإسرائيل، ويمثل الموقف الرسمي السوري امتداداً لهذه المشاعر، وذلك بعكس الموقف الرسمي المصري (خلال فترة حسني مبارك) والموقف الرسمي التونسي (خلال فترة زين العابدين بن علي). وبالتالي فقد ظل الموقف الرسمي المصري والتونسي في حالة اصطدام وتناحر مع المشاعر السائدة في أوساط الرأي العام المصري والتونسي. وهو ما لم يحدث في سوريا.

3. في مصر وتونس كانت تتفشى المزيد من مشاعر الكراهية إزاء شخص الرئيس حسني مبارك والرئيس زين العابدين بن علي، ولكن في سوريا لا توجد مثل هذه الكراهية، وإنما توجد انتقادات إزاء بعض الأجهزة الحكومية والمحافظات.

4. تميزت الاحتجاجات التي حدثت في سوريا بالضعف والمحدودية وذلك بسبب ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين. وهي الجماعة التي لا تملك انتشاراً واسعاً في المجتمع السوري.

5. ليست هذه المرة هي المرة الأولى التي تسعى فيها جماعات الإخوان المسلمين والجماعات الكردية استهداف النظام، فقد سبق وأن أكدت حادثة عام 1982 م، وحادثة عام 2004 م، على مدى محدودية قدرة هذه الجماعات، وأيضاً على مدى عدم قابلية الرأي العام السوري لجهة الاستجابة لفعاليات هذه الجماعات.

6. يعتمد الجيش العربي السوري مذهبية واحدة متماسكة إزاء مفهوم الانتماء العربي. ومفهوم الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو ما لم يكن موجوداً في مذهبية الجيش المصري والجيش التونسي، الأمر الذي جعل قوام هذين الجيشين أكثر عرضة للتفكك وعدم التماسك عند مواجهة المواقف الصعبة.

7. الطبيعة العلمانية والقومية العربية وفرت إطاراً شاملاً لجهة جمع كل المكونات الاجتماعية، الأمر الذي وفر الاستقرار والأمن خلال الحقب الماضية، وعلى سبيل المثال لم تنتقل عدوى الحروب والمواجهات الطائفية اللبنانية برغم أن مكونات المجتمع السوري تتشابه وتتطابق بشكل تام مع مكونات المجتمع اللبناني ـ وبالتالي فمن الصعب أن يحظى أي احتجاج تقوده جماعة طائفية ـ دينية بتأييد أو مساندة بقية المكونات المجتمعية السورية.

8. تتميز المعارضة السورية الناشطة حالياً في إشعال الاحتجاجات بضعف الإدراك، وذلك لأن الموقف الإقليمي الخارجي (بعد الإطاحة بحسني مبارك وزين العابدين بن علي) من جهة "يصب في صالح" الموقف الذي ظلت تتبناه دمشق إزاء القضايا الإقليمية والدولية وعلى وجه الخصوص التأكيد على خيار رفض الهيمنة الأمريكية والمشروع الإسرائيلي. وفي نفس الوقت فهو بالضرورة لا يصب في مصلحة فرضية المعارضة السورية.

على أساس اعتبارات المحتوى الذي تضمنته الورقة البحثية الأولى، والمحتوى الذي تضمنته الورقة البحثية الثانية، برزت مؤخراً العديد من التساؤلات المتعلقة باحتمالات وجود أطراف ثالثة تسعى إلى تحريك الاحتجاجات عن طريق السعي لبث وإشعال الكراهية، ونشير في هذا الخصوص إلى العديد من المعلومات والتقارير التي ظلت وما زالت تنشرها بعض مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية التي انتقدت أداء بعض الوسائط الإعلامية الأمريكية والبريطانية إزاء تغطية أحداث سوريا.