جورج عبد الله:نسمة حرية

بنظر أهل جورج عبد الله وأصدقائه ومكونات «الحملة الدولية» (من لبنانيين وعرب وأوروبيين) ما حصل مكسب كبير للغاية. ولدولته كل الشكر والتقدير على ما فعل. فمنذ 28 عاماً (تقريباً نصف عمر جورج عبد الله البالغ حالياً 61 عاماً قضاه في الأسر) نحن نسعى عبثاً إلى اعتراف الدولة اللبنانية بلبنانية هذا المواطن اللبناني. ومنذ استقبال دولة الرئيس سليم الحص لنا (في آخر حكومة له) لم يقبل أي رئيس حكومة (ولا أي رئيس جمهورية في لبنان حتى اليوم) مجرد الاستماع إلى قضية هذا المواطن اللبناني.

لكن الشعور بهذا المكسب الكبير تقلقه التباسات عبارة «إنها قضية إنسانية» المرافقة لموقف دولة الرئيس المشكور جداً في كل الأحوال. وكم كنّا نتمنى لو أن الكتاب الذي رفعه النائب سيمون أبي رميا إلى وزارة الخارجية اللبنانية عبر رئاسة مجلس النواب (بما فيه من مطالعة قانونية حول قضية جورج) قد مثّل منطلقاً لتحرك دولة الرئيس ميقاتي. أو لو أن مسعاه استند إلى توجه وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولان دوما وموقف المحامي الفرنسي جاك فرجيس. أو لو أنه استند إلى آخر تصريحات إيف بونيه عن «تأنيب الضمير» و«انتقام الدولة» الفرنسية. والمعروف أن بونيه هو الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الفرنسية «ديه إس تيه» المسؤول عن اعتقال جورج عبد الله.
مع ذلك نحن قلقون جداً من عبارة «إنها قضية إنسانية»، لأنه في حالة معتقل كجورج عبد الله قد تعني هذه العبارة أن سجيناً تجاوز الستين (نصفها في السجن) يستحق التصدق عليه (إنسانياً) بحسنة الإفراج عنه: «ما بقي من العمر مبلغ ما مضى منه»، فلا ضير أن يمضي البقية القليلة الباقية له في بيته. سعي مشكور ومقدر بلا شك.
لكن قضية جورج عبد الله «قضية إنسانية» فعلاً وفق معايير «شرعة حقوق الإنسان» التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة (ولعل دولته يقصدها هكذا أيضاً على ما نتمنى). ومنها حق أي مواطن في أي بلد في العالم في مقاومة العدوان على وطنه بكل الأساليب المتاحة له. ومن ذلك حق جورج عبد الله الذي انهارت دولته منذ عام 1976 بفعل العدوان الصهيوني المتكرر والبالغ ذروته حينذاك في اجتياح بيروت، ومشاركة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بتفجير الحرب الأهلية.
من هنا، من «شرعة حقوق الإنسان»، قضية جورج عبد الله «إنسانية». و«إنسانية» هذه القضية نابعة بالتحديد من الدور السياسي والمقاوم الذي قام به جورج عبد الله، وذلك لأن ما فعله مطابق لمقتضيات شرعة حقوق الإنسان. وما فعلته السلطات الفرنسية باعتقالها لجورج عبد الله وبالحكم عليه وبإبقائه سجيناً حتى اليوم مخالف لمقتضيات هذه الشرعة.
فجورج عبد الله لم يعتدِ على فرنسا ولا على الفرنسيين. ولم يفتتح في فرنسا ساحة صراع آمنة ومُطمئنة. وعندما ذهب إلى فرنسا ذهب كمقاوم لملاحقة رموز الكيان الصهيوني والولايات المتحدة المسؤولين أساساً عن العدوان على وطنه في ظل غياب الدولة اللبنانية التي دمرها هذا العدوان. وهو إنما ذهب إلى فرنسا لأن فرنسا كانت فعلاً ساحة صراع لملاحقة الوطنيين العرب والفلسطينيين واصطيادهم. ولأنها كانت مصدراً للمرتزقة الفرنسيين والمخربين في العالم، ومنه لبنان.
إن السياسات العدوانية على لبنان، والسياسات الغربية عموماً والصهيونية خصوصاً، والمشاركة الفرنسية فيها، وفتحها مجالها لأعمال العدوان، هي التي استولدت حالة جورج عبد الله واستدعته إلى فرنسا. وقبله استولدت الكثير الكثير من الحالات، كوديع حداد وأنيس النقاش... وبعدهم استولدت غيرهم... استولدت هذه السياسات ما عُرف باسم «العمليات الخارجية» التي مارستها شتى الفصائل الفلسطينية وغيرها من حركات التحرر الوطني. ولقد كان سلوك هؤلاء الموصومين زوراً بالإرهاب سلوكاً «إنسانياً» تقتضيه شرعة حقوق الإنسان. قضية جورج عبد الله هنا قضية مقاومة وطنية مشروعة.

تلاعب رسمي فرنسي بالقضاء

اعتُقل جورج عبد الله في فرنسا عام 1984، وحوكم مرتين وصدر الحكم المؤبد بحقه عام 1987بلا أدلة جرمية، وبتلاعب مفضوح من أجهزة الأمن الفرنسية ورجال القضاء. بدأ الأمر برشوة المحامي جان بول مازورييه الذي كان يرافع عن جورج، وتقديمه إفادات ملفقة بضغط من الاستخبارات الفرنسية. وهذا ما اعترف به علناً المحامي نفسه في مذكرات جمعها روبير غالي بعنوان «العميل السري في قضية جورج عبد الله». ثم طردت نقابة المحامين هذا المحامي (راجع كتاب Laurent GALLY: L>Agent Noir. Une Taupe dans l>Affaire ABDALLAH).
إن تلاعب الدولة الفرنسية وتعمدها «تركيب ملف ومحاكمة» جورج عبد الله أمر بات معروفاً وعلنياً يصرح به أبرز المشاركين والمعنيين بهذا التلفيق. فها هو ألين مارسو، النائب العام الفرنسي المشرف على الجهاز القضائي المركزي في مكافحة الإرهاب في الثمانينيات يعترف بذلك صراحة في كتابه «قبل أن ننسى كل شيء».
Alain Marsaud, Avant de tout oublier, Paris, Denoël, 2002.
أما إيف بونيه، المدير السابق لجهاز «دي إس تيه» الفرنسي، فتصريحاته بهذا الشأن متكررة على الفضائيات والصحف الفرنسية منذ عام 2010، وبلغت حد اعترافه «بتأنيب الضمير»، وطلبه الاستماع إلى شهادته أمام القضاء الفرنسي، ووصفه سلوك الدولة الفرنسية في قضية جورج عبد الله بأنه سلوك الرعاع. ألا دخل لكل ذلك بحقوق الإنسان، وألا يمثّل «قضية إنسانية»؟ قضية جورج عبد الله هنا قضية ضحية التلاعب الفرنسي بملف قضائي.
وبصرف النظر عمّا سبق، وعن تركيب الملف القضائي لجورج عبد الله، جاء قرار «محكمة الإفراج المشروط» في عام 2003 بإطلاق سراح جورج عبد الله. لكن السلطات الفرنسية رفضت القرار ورضخت للتفسير الأميركي لخطورة الإفراج عن جورج: «يؤدي الوضع السياسي والأمني في لبنان دوراً مهماً؛ فقد كان السيد عبد الله شخصية أساسية في منظمة إرهابية مركزها لبنان، وتلاقي دعماً سورياً، وهي تنوي القيام باغتيالات سياسية لشخصيات رسمية أوروبية وأميركية. وفي جو الاغتيالات بحق بيار الجميل والكثير غيره من الوجوه السياسية المنادية بلبنان حر ومتحرر من الهيمنة السورية، من الممكن جداً أن ينخرط عبد الله مجدداً في أعمال إرهابية لنصرة قضيته». وهذا الموقف زكّته الاستخبارات الفرنسية بقولها: «في جو سياسي شديد التوتر، سيكون الإفراج عنه عاملاً إضافياً لزعزعة الاستقرار على الساحة اللبنانية».
لكن في 16 كانون الثاني سنة 2004، بإيعاز من النيابة العامة، ألغت محكمة الإفراج المشروط القومية قراراً كان قد صدر في 19 تشرين الثاني 2003، عن السلطة القضائية المحلية المعنية بالإفراج المشروط في محكمة الاستئناف في بو Pau يقضي باستفادة جورج من إفراج كهذا مع منعه من دخول الأراضي الفرنسية.
ألا يمثّل التدخل الأميركي في المحاكم الفرنسية وتهديد السلطات الفرنسية عنصراً في انتهاك هذه «القضية الإنسانية»؟ ما كان موقف القضاء الفرنسي من هذا التدخل الأميركي؟ ففي السادس من شباط 2007 تقدم جورج إبراهيم عبد الله من القضاء الفرنسي بطلب الإفراج المشروط عنه، ثم في التاسع من آذار في العام نفسه أبلغت الخارجية الأميركية الفرنسيين: «تعبّر حكومة الولايات المتحدة عن رفضها الصارم لاحتمال الإفراج المشروط عن جورج عبد الله كنتيجة للمداولات أمام المحكمة العليا في باريس».
لم تعلق السلطات الفرنسية في حينه كما علّق رئيس الحكومة الفرنسية رداً على إثارة الرئيس ميقاتي لموضوع الأسير جورج: هذا أمر يخص القضاء الفرنسي!

فرنسا تتآمر لاغتياله

يروي السيدان دو ميريتن de Meritens وفيلينوف Villeneuve في مؤلف بعنوان «أقنعة الإرهاب» Les Masques du terrorisme، قصة اللقاء بين وليام كايسي William Casey، يوم كان مديراً للاستخبارات المركزية الأميركية «سي أي إيه»، وروبير باندرو Robert Pandraud وزير الأمن الفرنسي. خلال جلسة إلى مائدة أعدها السيد باندرو: «يهدد وليام روبير بشوكة الطعام. الرسالة واضحة: إذا لم يُحكَم على عبد الله بالمؤبد، فالولايات المتحدة ستعتبر أن فرنسا لم تحترم القاعدة الأولى في العدالة، وأنها أخلفت بواجباتها تجاهها، ما سيؤدي إلى القطيعة الدبلوماسية». رد باندرو: «لدي ما هو أفضل لأقترحه عليك. يُفرَج عن عبد الله. وإذا رغبتم نتناقش في التاريخ. ونرسله إلى الشرق الأوسط، ومن ثم نزودكم بكل المعلومات عنه. أنتم، الولايات المتحدة، هذه الدولة العظمى بكل شبكاتها في المنطقة، سيكون من السهل عليكم تصفيته، ونطوي الأمر نهائياً. ذُهل كايسي للعرض. لقد بان الابتزاز في العلاقات الدبلوماسية، بكل وضوحه، وبسخريته المطلقة». هل يتكرر الأمر اليوم؟ هذه هي العدالة الفرنسية؟

(الأخبار)