الابن السابع

الابن السابع
لصياد السمك البريتونى
(فرنسا)

فى أودييرن، عاش قديما صياد سمك فقير جدا كان يجد صعوبة كبيرة فى إطعام أطفاله الستة. ومثل كل صيادى السمك البريتونيين كان يحب المحيط، غير أن المحيط ليس دائما صديقا سهلا. وقد عرف البحارة الحقيقيون هذا منذ أجيال، إذ يحدث أنهم يفاجأون بغضبه. والواقع أن صاحبنا صياد السمك، وكان اسمه يان، كان من بين الأكثر جرأة وحدث، مرارا وتكرارا، أنه أشرف على الموت ليكون أقرب ما يكون إلى الصخور التى يتعلق بها السمك أثناء الأمواج.
"إذا لم تترك هنا قاربك ولا هيكلك العظمى ذاته، قال له الشيوخ، فإنك ستنتهى بالفعل إلى أن تترك هناك شباكك على الأقل".
ولم يكن يان ممن يستخفون بحكمة القدماء، ولكن، لأنه كان يحتاج إلى كسب الخبز لذويه، حدث له أن نسى الخطر.
وفى العهد الذى تبدأ فيه هذه القصة، وضع يان المزيد من الحماس فى عمله لا سيما وأنه صار أبا لطفل سابع. وبالفعل ففى المنزل الصغير الذى عاش فيه على المرسى، كانت زوجته تقوم بإعداد المهد واللفافات.
غير أنه ذات صباح فيما كان يصطاد السمك بين جزيرة سين ومنارة لا ڤيياى، اعتقد يان المسكين أن شبكته، تعلقت بصخرة، وأنها ستضيع. ولم تكن التيارات والدوامات، العنيفة دوما قبالة پوانت دى را، لتقوم بتسهيل المناورة. وعلاوة على هذا فإن عصفة ريح، بدا وكأنها تهب على الخليج من تريپاسّيه، دفعت القارب نحو صخور الشط التى تحيط بالمنارة. وفى لحظة اعتقد يان أنه هلك؛ وفيما كان يتخلى عن شبكته ليحاول إنقاذ قاربه على الأقل، هدأت الريح وارتفعت الشبكة أخيرا. وكانت ثقيلة جدا، وعرق صياد السمك كثيرا ليشدها إلى الشاطئ. وفرح بالفعل معتقدا أنها تحتوى بلا شك على كمية كبيرة من الأسماك، عندما ظهر على سطح البحر وجه امرأة، يحيط به شعر طويل شديد النعومة وطحالب شقراء مضيئة.
خائفا قبل كل شيء، بدأ يان يفهم أنه أسر جنية بحر. والآن، إذا سحب إلى البر أحد هذه الكائنات الغريبة التى يسمع عنها الجميع ولم يرها أحد مطلقا فإن حظه سيكون أكيدا.
غير أن المرأة ذات العينين بلون أعماق البحر كان لها صوت ذو عذوبة لا حدود لها. وباللغة البريتونية، وبلا أدنى قدر من النبرة الأجنبية، قالت:
"يان، أنت رجل شجاع. إننى أتوسل إليك ألا تذهب بى إلى البر. هناك سأكون أتعس منك فى أعماق البحر. لا ترتكب عملا سيئا فى اليوم الذى ولد فيه طفلك السابع منذ قليل.
- ماذا تقولين؟ سأل صياد السمك.
- بالتأكيد، أنت لا تعرف هذا بعد، غير أن الطفل الذى تنتظره وُلد منذ أكثر قليلا من الساعة. وأستطيع حتى أن أقول لك أنه رضيع جميل".
ولأن يان لم يكن عازما على إطلاق سراح جنية البحر أضافت هذه الأخيرة:
"اصغ إلىّ، سأعرض عليك صفقة. عندك سبعة أطفال وليس لى أطفال. سأعطيك قطعة من الذهب ستضعها فى مدخنتك. وهى قطعة سحرية. وكل صباح، ستجد قطعة أخرى إلى جانبها. وسوف يسمح لك هذا الذهب بإطعام أسرتك دون أن تعمل، لكنك سوف تعدنى بأن تعطينى رضيعك المولود منذ قليل. وغدا صباحا، سوف تحضر لى الطفل. سوف أنتظرك أسفل خليج تريپاسّيه".
وعندما رأى قطعة الذهب التى مدتها له جنية البحر، وعد يان قائلا لنفسه أن القطعة الذهبية من الجيد أخذها دائما، وأن الوعد الذى نعد به كائنا من هذا النوع ليست له أهمية كبرى. وأطلق سراح جنية البحر، وطوى الشراع وعاد إلى المرسى.
الوليد الجديد كان فى حالة ممتازة. كان مليئا بالحياة وسماه والده إيڤون. وبطبيعة الحال، وضع يان قطعة الذهب على أرض الموقد، غير أنه كان يحرس ابنه. ومنذ ذلك الحين، لم يعد يصطاد السمك إلا لمتعته لأنه كل صباح كان يجد قطعة ذهب بجوار الرماد البارد. ولأولئك الذين اندهشوا برؤيته يعيش أفضل ويعمل أقل، قال إن زوجته ورثت عمة عجوزا، أصلها من تريجاستيل.
غير أن يان كان يخشى أن يلتقى بجنية البحر، وكان يتجنب الذهاب لصيد السمك فى مضيق السين. غير أن جنية البحر، غاضبة لخداعها، انتهت إلى العثور عليه فيما كان يبحر فى عرض سان-جينوليه. كان البحر هادئا وكانت الشمس تنحدر فى الأفق عندما ظهرت على مسافة عدة أمتار من القارب وهب نسيم خفيف ببطء على المرسى.
"أنت تلاعبت بى! هاجمت صياد السمك. لكننى أتنبأ لك بأنه ذات يوم سيكون لى!"
لم يكن لدى يان الوقت لكى ينبس بكلمة قبل أن كانت جنية البحر قد اختفت. قلق جدا، عاد إلى بيته وأوصى زوجته والابن الأكبر سنا من أولاده أن يحرسوا الصغير إيڤون جيدا.
وعلى هذا النحو كبر ابن صياد السمك فى مرسى دون أن يكون له فى يوم من الأيام الحق فى ركوب قارب. وكل الحب الذى يحمله الأطفال الذين تربوا قريبا من الشواطئ لأشياء البحر كرسها لأشياء البر. ومتجولا فى الأرض، تعلم أن يحب النباتات، والحيوانات، وبصورة خاصة، الطيور.
ولابد أنه كان فى الثانية عشرة من عمره، عندما أتى ذات مساء لإنقاذ صقر وقع فى شرك. ومتأثرا بهذه البادرة، قال له الطائر الكبير:
"أنت ولد طيب جدا، وكل الكائنات الحية لن تكون مثلك. الطيبة لا يُجازى عنها دائما، لكننى، لكى أشكرك، سأعطيك القدرة على تغيير نفسك إلى صقر عندما تكون فى خطر. فإذا كان عليك أن تهرب ذات يوم، قل ببساطة: "يا صقر، يا صديقى" وسوف تطير مثلى تماما. فقط، انتبه: عليك إلا تستعمل هذه القدرة ألا فى حالة الخطر الكبير. ويجب أن تبقى هذه القدرة سرا".
واستمر إيڤون يكبر. ولم ينس لقاءه مع الطائر، لكنه لم يتحدث عنها مع أى شخص. ولم يخبر عنه حتى يولاند الجميلة التى التقى بها فى يوم بلوغه التاسعة عشرة من عمره والتى طلب يدها.
كان الشابان سعيدين، وأخذت الأسرتان تقومان بالإعداد للزفاف. غير أن صياد السمك فى لوكتودى أراد أيضا أن يتزوج من يولاند. ولكى يتخلص من منافسته، كسب ثقته وبعد أن جعله يشرب أكثر من المعقول دعاه إلى ركوب قاربه. وساعد خمر التفاح إيڤون على أن ينسى توصيات والديه واتجه الولدان إلى عرض البحر. وعندما لم يعد الساحل فى مدى البصر، دفع صياد السمك إيڤون إلى البحر. فبعد أن كان قد عاش على البر، لم يستطع الولد المسكين أن يعوم وسقط عموديا. ولكن، فى قاع الماء، كانت جنية البحر التى انتظرته منذ حوالى عشرين عاما هناك لإنقاذه.
إيڤون، الذى اعتقد أن ساعته الأخيرة قد جاءت، استعاد وعيه داخل قصر رائع تحت البحر بأسوار مغطاة بأصداف وقشور متلألئة.
وفى هذا المسكن الذى عاش فيه كل شعب الأسماك ذات الزعانف المضيئة، وكانت تقوم بتأمين الخدمة الأخطبوطات التى يمكن أن تحمل دزينة من الأطباق فى وقت واحد. وكان رئيس الطهاة سرطانا بحريا ضخما كان ماهرا للغاية ولكن غير مريح مطلقا. وفيما يتعلق بحراسة القصر، فقد عُهد بها إلى جيش من أسماك المورينا موضوع تحت أوامر حوت لا يمزح فى أمور النظام. تسلى إيڤون بكل هذا خلال أسابيع عدة، ثم قلق على والديه وعلى خطيبته.
"اسمعى، قال لجنية البحر، أنا مسرور كثيرا هنا. الطعام جيد، والجميع لطفاء معى، غير أن الحياة تحت الماء تصيبنى بطنين فى الأذنين وصداع فى الرأس وكل هذا يمنعنى من النوم. فقط إذا استطعت أن أتنفس فى الهواء الطلق من وقت لآخر، أعتقد أننى سأكون أسعد البشر.
- فليكن، أجابت، سأقوم بتوصيلك إلى سطح المحيط. ولكن أسماك المورينا والقرش سوف ترافقنا. وأحذرك أنه إذا اقترب أبوك بقاربه فإنه سيهلك فى وقت أقل مما يحتاج لأن ينطق بكلمة.
- لا تقلقى إذن، قال الولد. إذا رأينا أصغر قارب، سنغوص فى الحال".
ومحمولا على ظهر جنية البحر التى أحاط بها مرافقوها من الحراس، عاد إيڤون إلى سطح الماء. ولم يكن هناك أىّ قارب يبحر فى تلك النواحى من المحيط غير أن الولد، حالما برز من الماء، همس:
"يا صقر، يا صديقى!"
أما جنية البحر فقد رأته، مذهولة، يتحول إلى طائر ويطير نحو الشاطئ الصخرى. قفز القرش وأسماك المورينا خارج الماء، ولكن بعد فوات الأوان.
وبسرعة وصل الصقر إلى الساحل. وبمجرد أن لمس الصخرة، استعاد هيئته البشرية وانطلق يجرى فى اتجاه القرية.
وبالطبع، تزوج من يولاند الجميلة. واستمر الزفاف أربعة أيام وأربعة ليال. أربعة أيام وأربعة ليال سمع أثناءها منافس إيڤون الأغانى وصيحات الابتهاج التى تصل إليه فى عمق زنزانة كانت قد سجنته فيها شرطة أودييرن.



جنيات البحر [السيرينيات] عديدة فى الحكايات البرتونية [نسبة إلى إقليم بريتانى فى فرنسا]، مثلما فى كل البلدان الواقعة على حافة البحر. وهذه الكائنات الغريبة، ذات القدرات الخرافية، يبدو أنها مع ذلك شبيهة من حيث طباعها بالبشر. وجنية البحر التى التقى بها يان صياد السمك، الحسودة والحقودة، لا تغفر له خداعه لها، وهى تسعى بلا انقطاع إلى الانتقام لنفسها منه. ولكن إذا استطعتم أن تكونوا طيبين مع هذه الكائنات، بعيدا عن أن تكونوا ناكرين للجميل، فإنها تكرس نفسها لسعادة أصدقائها.
وتحدثنا حكاية بريتونية أخرى عن إحدى جنيات البحر هذه قامت بتحويل حياة صبى صغير لتشكره على أنه أنقذها. وكان طفلان يصطادان السمك على الصخور، عندما رأيا جنية بحر تنام على الماء، غير بعيد عن الشاطئ. وانزلق الشريكان بلا ضوضاء فى البحر وسبحا مع ألف من الاحتياطات. أمسكا بالشعر الطويل الأشقر الذى كان يطفو واقتادا فريستهما إلى الشط.
خارج الماء، توسلت إليهما جنية البحر: "سأموت"، رددت بلا كلل. وبدأ الصبيّان يمعنان التفكير. الأكبر سنا أبى إلا أن يذوق لحم الفقيرة المسكينة، وتمسك بالاستفادة بهذه النعمة. الثانى، إيڤان، كان أكثر كرما. ذلك أنه مليئا بالشفقة اقترح إلقاء هذه المخلوقة النادرة فى البحر. واحتدم جدال. وعرض إيڤان على رفيقه أن يتخلى له عن كل نقوده مقابل حرية جنية البحر. وتم عقد الصفقة.
ألقت الصديقة الجديدة لإيڤان نايًا عند قدمىْ منقذها، ثم اختفت فى الأمواج. ولابد أن هذا الناى كان يسمح للصبى الصغير بأن يدعو جنية البحر عندما يكون فى ضيق.
بعد ذلك بأعوام كثيرة، صار إيڤان رُبّانا. وذات يوم، غرق، ضحية عاصفة مرعبة. عندئذ أخذ نايه ودعا جنية البحر. ظهرت فى الحال، وهى تقود سفينة كبيرة مخصصة لكى تحل محل تلك التى فقدها الشاب. ولم تكن السفينة بحاجة إلى ملاحين، وكانت المناورات تتم كلها من تلقاء نفسها. وأمكن تصليح التجهيزات، وصار الربان بسرعة بالغة غنيا جدا بفعل كرم وعرفان صديقته فى أعماق البحر

Bernard Clavel: Légendes de la mer

 Librairie Hachette, Dépôt: mai 1997

 

.