المركب السكران

بينما كنت أنحدر في أنهار راكدة
لم أعد أحسّ بي أطلاقاً منقاداً بالملاحين
هنود حمر صخّابون جعلوا منهم أهدافاً
بعد أن سمّروهم عراة على أعمدة الألوان.
* * *
كنت غافلاً عن جميع الطاقم
حمّال حنطة فلاماندية أم أقطان انكليزية
حين بانتهاء بحارتي انتهت تلك الضوضاء
وتركتني الأنهر أنحدر على هواي.
* * *
في هدراتِ المدّ والحزر الغاضبة
- الشتاء الماضي - أنا الأكثر رعونة من أدمغة الأطفال
جريت ! وأشباه الجزر العائمة
لم تألف تخبطاتٍ أكثر انتصاراً.
* * *
باركتِ العاصفةُ تيقظاتي البحرية
أخفَّ من سدادةٍ رقصت على الأمواج
التي تُدْعى مطاوي الضحايا الأبدية
عشرَ ليالٍ ، دون آن آسف على عين الفوانيس البلهاء.
* * *
واكثر لذة مما هو لحم التفاح الحامض على قلب الأطفال
نفذ الماء الأخضر إلى هيكلي الصنوبري
ومن بقع الخمور الزرق، القيء (1)
غسلني فاصلاً بين دفّةٍ ومرساة (2)
* * *
ومنذئذٍ أغتسلت في قصيدةِ
البحر، المنقوعة بالكواكب ، والحليبية ،
مفترسة اللازورد الأخضر ، حيث في عومة شاحبةٍ
مستلبةٍ ، يهبط أحياناً متفكّر .
* * *
حيثُ ، ملوّنةً الإزرقاقات(3)، الهذيانات
والايقاعات البطيئة تحت لمعانات النهار الحمراء
أشدَّ لذعاً من الكحول ، وأكثر رحابةً من قياثيرنا
تختمرُ صُهبة(4) الحبّ المرة.
* * *
أعرف السماواتِ المتصدعة بالبروق ، وأعمدةَ الماءِ
وارتداداتِ الموج والتياراتِ : أعرف المساء ،
الفجرَ المستفزَّ كسرب يمام
ورأيت أحياناً ما خيّل للمرء أنه رآه !
* * *
رأيَت الشمسَ منخفضةً مبقّعة بأرتجاجات صوفية.
مشعلةً خطوطاً بنفسجيةً طويلة متخثّرة
وأشبه بقدماء ممثلي الدراما
الأمواجَ وهي تدحرج بعيداً أهتزازاتها النوافذية
* * *
حلمت في الليلة الخضراء بالثلوج المبهورة
بالقبلة الصاعدة بتباطؤات في أعين البحار
بجريان النسوغ الخفية
وباليقظة الصفراء الزرقاء للفوسفوريات المغنية.
* * *
وأشهراً بكاملها، تتبَّعت الأمواج وهي
تهاجم الأرصفة وكأنها قطعان ابقار هستيرية
دون أن يمرَّ ببالي أن أقدام المريمات(5) المضيئة
قد أستطاعت قهر خطم المحيطات الضيقة النفس.
* * *
وصدمتُ - لو تعرفون - فلوريدات لا يصدقها العقل
خالطةً بالزهور عيونَ فهودٍ بجلودٍ
بشرية ! أَقواس قزح ممدودة كأعنةٍ
تحت أفق البحار، لقطعان خضراء ..
* * *
رأيت المستنقعات الضخمة تتخمَّر ، شباكاً
في خيزرانها يتفسّخ لاوياثان(6) بأكمله
انهياراتِ مياه وسط سكون البحر
والخلفيات تتهاوى شلالات نحو الأغوار ...
* * *
بحيراتِ جليد، شموساً من فضة،
أمواجاً صدفية سماواتٍ من جمر
مستقرات رهيبة في قاع الخلجان السمراء
حيث الأفاعي العملاقة مفترسة بالبق(7)
تسقط ، أشجاراً ملتفة ذات عطور سوداء.
* * *
لكنت أود أن أُرى الأولاد هذه (الدوراد)(8)
في الموج الأزرق، هذه السمكات الذهبية، هذه السمكات المغنية
رغوات من زهور هدهدت انطلاقاتي من الحوض
ورياح لا توصف جنّحتني في هنيهات ...
* * *
أحياناً، شهيداً مرهقاً من الأقطاب(9)، والمناطق
كان البحر الذي تحدث نهنهته تأرجحي اللذيذ
يطلع نحوي أزهاره الظلالية ذات الكؤوس الصفر
وكنت أبقى مثل امرأةٍ جاثية ..
* * *
مثل جزيرة متقاذفاً على شطوطي الآهات
وذرق العصافير الساخرة الصفراء العيون
وكنت أعوم، عندما كان عبر حبالي الهشة
غرقى يهبطون للنوم، في أندفاعات نحو الوراء ..
* * *
وهكذا فأنا مركب ضائع تحت شعر الخلجان الصغيرة
مقذوف بالإعصار في أثير لا طير فيه
أنا الذي لا (المونيتورات)(10) ولا مراكب (الهانس)(11) الشراعية
بقادرة على أنتشال أخشابي السكرى بالماء.
* * *
حرّاً ، مدخّناً ، مغطّى بضبابات بنفسجية
أنا الذي كان يخترق السماء الصهباء كجدار
يحمل ، كمُرَبّى لذيذ للشعراء الجيدين
طحالب الشمس ، ونخامات أثير ..
* * *
أنا الذي كان يعدو مُلطّخاً بأهلةٍ كهربائية
لوحاً مجنوناً محفوفاً بأحصنة البحر السوداء
عندما كانت التموزات تزلزل بضربات هراوات
السماوات الماوراء بحرية ، ذات القموع المتأججة ..
* * *
أنا الذي كان يقشعر وهو يحس على خمسين عقدة
بهرير غلمة البهيموتات(12) والمايلسترومات(13) الكثيفة
الغازل الأبدي للسكونات الزرقاء
آسف على أوربا ذات المتاريس القديمة ..
* * *
رأيت أرخبيلات نجومية ، وجزائر
سماواتها الهاذية مفتوحة للساري على الماء
أفي هذه الليالي التي لا قعر لها تنام وتنفي نفسك
يا مليوناً من العصافير الذهب ، يا طاقةً مستقبلية(14) ؟
* * *
لكنني ، في الواقع ، بكيت كثيراً. ان الآصال محزنة
كل قمرٍ مبرّح ، وكل شمس مرة
لقد ملأني الحب اللاذع بخدر مسكر
آه ، فلينفجر حيزومي ، آه ! فلأغرق في البحر
* * *
اذا كنت أرغبُ في ماء من أوربا ، ففي نقعةٍ من الماء
الأسود البارد، حيث مع الغسق المعطّر
يفلت ولد مقرفص مملء بالحزن
مركباً هشّاً كفراشة من أيار ..
* * *
متشبّعاً بضناك أيتها الأمواج. لم أعد أستطيع
تعقّبَ آثارِ إِبحار ِ حملة القطن عن كثب
ولا أختراق غطرسة الراياتِ والشعل
ولا التجديف على مرأى عيون الجسور العائمة الرهيبة.
آرثور رامبو
صيف 1871

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أستعملها رامبو بالجمع (القيئات)
(2) يقصد رامبو بالدفة العقل الموجه وبالمرساة الجسد ورغباته.
(3) bleutes أحدى ابتداعات رامبو في اللغة.
(4) استعملها رامبو بالجمع.
(5) تماثيل العذراء على السفن.
(6) سفينة انكليزية ضخمة غرقت في القرن التاسع عشر
(7) ربما كان رامبو يريد بالصورة ان هذه الأفاعي مرقطة الجلد.
(8) أسماك مرجانية.
(9) جمع قطب بالمعنى الجغرافي.
(10) مراكب امريكية متوسطة الوزن للدفاع عن السواحل.
(11) شركة المانية للملاحة في القرن التاسع عشر.
(12) شياطين غبية وثقيلة كما عرّفتها قواميس القرن التاسع عشر.
(13) دوّامات رهيبة.
(14) رأى بعضهم أن رامبو يعني الكهرباء أو أية طاقة أخرى.

ترجمة خليل الخوري