كيف هي الحياة دون اله


عندما يدافع البعض اليوم عن أنّه لا غنى لمجتمع ما عن الدّين، ينبري فلاسفة ليكونوا محامين عن مشروع ملحد. مشروع يتمّ فيه تجنيد اللاّئكيّة والأخلاق وما هو روحيّ…ويستبعد منه الّله.
لكلمة ملحد من النّاحية الاشتقاقيّة دلالة سلبيّة. فهي تنحدر من اللاّتينيّة وتتكوّن من a أي دون ومن theos أي اله. كلمة الملحد إذن تعني شخصا بلا اله. شخصا يأبى التّعالي الإلهيّ وكلّ ما يحسب على أنّه يتلاءم مع الرّحمة والرّوحانيّة الخ… ومهما كان قليلا الاعتبار الّذي نعطيه للفرضيّة الّتي تجعل من الدّين مصدرا لما هو اعتباريّ وللحياة الجماعيّة، فإنّ هذا المنظور يحظى اليوم بنوع من البروز الإعلاميّ مع القراءة المقدّسة المتكرّرة عن العودة الكونيّة للدّينيّ، ومع الانخراط العموميّ لرجال سياسة غربيين فيها (1)، وأخيرا مع الرّغبة المتزايدة في نسخ تفسير أحاديّ السّببيّة حول النّزاعات العديدة الرّاهنة بالالتجاء إلى شبكة التّناقضات الدّينيّة وحدها. هكذا تتحدّث جوليا كريستيفا عن عصرنا باعتباره «أزمنة معتمة يتقاطع فيها اليقين العدميّ عند البعض مع المغالاة الأصوليّة لدى البعض الآخر (2) ». فهل علينا حينئذ أن نعتقد أنّ العالم يمكن اختصاره في نزاع دائم بين جماعات دينيّة لا تعترف إلاّ بثلّة من الملاحدة العدميين عدوّا مشتركا لها؟ لضرب هذه القراءة المانويّة للأحداث الجارية، أمسك فيلسوفان فرنسيان القلم ليعلنا عن تبنّيهما لأطروحة لو صرّحا بها في عصور سابقة لشارفت على الهرطقة: من الممكن أن نكون ملحدين ومتسامحين، والإيمان ليس هو جوهر الحياة المشتركة، والأديان لا تحتكر ما هو اعتباريّ. باختصار، على القرن الواحد والعشرين أن يكون لائكيّا أو لن يكون. إنّ كتاب « روح الإلحاد: L’Esprit de l’athéisme » لأندري كونت- سبونفيل (3) وكتاب « بحث في اللاّلاهوت « Traité d’athéologie لميشال أونفراي (4) قد شهد نشرهما نجاحا طيّبا. فماذا نجد في هذين المبحثين؟


حكمة لعصرنا:


لنستدع المحامي الأوّل عن الإلحاد للمثول أمامنا: أ. كونت- سبونفيل، ولد سنة 1952. طموحه المعلن هو ربط الصّلة من جديد بالمثل الأعلى القديم للحكمة مع تحمّل تحدّيات الحداثة الّتي نراها جليّة عند فريديريك نيتشه وكارل ماركس وسيغموند فرويد.
يقتضي ذلك وضع ميتافيزيقا مادّيّة، وأخلاقيّة إنسانيّة وروحانيّة بلا اله، وهي مقدّمات منطقيّة ثلاث تفضي إلى إنشاء «حكمة لزماننا». باختصار، هو برنامج واسع لا يرمي إلى أقلّ من جعل الإلحاد قيمة للمستقبل. فالملحد، عند أ.كونت- سبونفيل، يمكنه بطبيعة الحال أن يجعل من القيم اليهو- مسيحيّة قيمه الذّاتيّة (ألاّ يقتل، ألاّ يسرق، ألاّ يشتهي زوجة جاره…). لأنّ ما هو أخلاقيّ ليس حكرا على الدّين. يقول البعض إنّه لا يمكننا أن نتصرّف باستقامة إلاّ إذا آمنّا بأنّ اللّه يحصي انحرافاتنا ثمّ يحاسبنا عليها ما بعد الموت. وهنا ينبري فيلسوفنا ليؤكّد أنّ ذلك هو عين الخطأ. فالايمان باللّه لم يمنع أبدا متعصّبا من انتهاك قيم عليا. والتّاريخ يبيّن لنا أنّ القتل باسم اللّه ظاهرة كونيّة. ممّا يعني أنّ الأخلاق اختيار واع. وأنّ الإنسانيّ المتحرّر من رقابة اللّه يمكنه أن يقرّر بوعي أن يكون أنسانا ذا أخلاق.
المحامي الثّاني، ميشال أونفراي، شائع الصّيت إعلاميّا، وتعرّض للتّنديد مرارا وتكرارا أيضا بسبب مهاجمته بلا هوادة لكلّ من يحمل ملابس الكهنة قلنسوّة كانت أو حجابا. لا يهمّ! يكتب الكاتب هجائيّة من النّوع الّذي ترافقه بالضّرورة آثار قبضة مفرطة. والنّصّ الحاضر في الغلاف الرّابع لمؤلّفه يلخّص بنفسه مقصد الكتاب : «الدّيانات التّوحيديّة الثّلاث، التّي يحرّكها دافع واحد من الموت الجينيالوجي، تشترك في سلسلة من الاستهانات المتطابقة : كرهها للعقل وللذّكاء، كرهها للحرّيّة، كرهها لجميع الكتب باسم كتاب أوحد، كرهها للحياة، كرهها للجنس وللنّساء وللّذّة، كرهها للمؤنّث، كرهها للأجساد وللرّغبات وللدّوافع الكامنة. عوضا عن كلّ هذا وبدلا منه، تدافع اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام عن القانون والاعتقاد، عن الطّاعة والخضوع، عن لذّة الموت والشّوق إلى الدّار الآخرة، عن الملاك المخنّث والتّعفّف، عن العذريّة والوفاء الأحاديّ الزّوج، عن الزّوجة والأمّ، عن النّفس والرّوح. يعني أنّ الحياة تصلب والعدم يحتفى به. » ليس بأقلّ من هذا.


تقويض ما هو دينيّ:
يمثل اللاّلاهوت حينئذ باعتباره علما لتفكيك ما هو دينيّ، حقلا علميّا يفترض «حشدا لحقول متعدّدة» : كعلم النّفس وعلم التّحليل النّفسي من أجل «النّظر في آليات الوظيفة الغرائبيّة»، وعلم الحفريات "لوضع الكتب المقدّسة على محكّ الأدلّة العينيّة »، واللّسانيات والتّاريخ الخ… والفلسفة في سبيل جعل المحاولة في تناسق على مستوى الخطّ الأفقي مع قدوم «فيزياء للميتافيزيقا، وبالتّالي نظريّة حقيقيّة للمثول immanence، أي أنطولوجيا مادّيّة».
يكثر م. أونفراي من الأمثلة الحافرة في تاريخ الأديان حتّى يجعل من حجاجه قرار اتّهام يساوي الإدانة بالموت. ولا يتضمّن خطابه الموثّق جيّدا إلاّ نزرا قليلا من الأخطاء الواقعيّة. هو ليس خطابا كاذبا لكنّه فقط خطاب موجّه. خطاب يشدّد بطريقة منهجيّة على الوجه المظلم للدّيانات، على التّناقضات الّتي ترصّع التّوراة والقرآن ويعرض باستمرار عن ذكر الجوانب النّيّرة لأندلس التّسامح وعند ابن ميمون أو ابن المقفّع (5) أو ماتّيو ريكّي. يعني هذا أن لا شيء من كلّ ذلك يكتسي أهمّيّة. فهذان الكتابان مثلهما مثل أيّ مبحث آخر تكمن قيمتهما الفعليّة في قصدهما أكثر ممّا تكمن في الجدل الّذي نما فيهما. هذا القصد هو البدء بتفكير بوسعنا أن نوجزه في :«ما عساها روحانيّة أو أنطولوجيا ملحدة أن تكون؟» بإمكاننا القول إنّ م. أونفراي يبدأ العمل- على أساس من المزج بين التّاريخ والأحداث الرّاهنة- بتقويض الخطابات الّتي تريد بعناد أن تحقّق التّناغم بين الدّين والأخلاق والرّحمة الخ…، وإنّ أ. كونت- سبونفيل يتوسّع فيه بالنّقد الفلسفيّ الشّديد لتلك الافتراضات نفسها. فيباشر إذن بإثبات بطلان الحجّة الأنطولوجيّة المنسوبة إلى القدّيس أنسالم Anselme ( القرن 11 م ) الّتي تريد أن يكون اللّه بالتّعريف كاملا، وأنّ كماله لا يمكن إدراكه دون وجود. ثمّ يتصدّى للدّليل الكوسمولوجيّ الّذي ردّد صداه غوتفريد ليبنيتز والّذي يسلّم بأنّه مادام هنالك عالم فلا بدّ له من سبب، وأنّ هذا السّبب ليس سوى اللّه. ولكن، هل أنّ وراء كلّ حدث بالضّرورة سببا؟ وعند مراجعته للحجج الأخرى المؤيّدة لوجود اله، يقوم بسحقها بعد تمريرها على غربال الاستدلال المنطقيّ.


الانعتاق من منطق الإيمان:

في الأخير، قام أ. كونت- سبونفيل برسم الخطوط العريضة لروحانيّة ملحدة. فالنّشوة مثلا، هذا الشّعور المحيطيّ، يمكن للمرء أن يعيشه من خارج دائرة أيّ إيمان. ذلك أنّ الرّوحانيّة والتّفكير في اللاّمحدود وغيرهما من الأمور لا يمكنها أن تكون حكرا على المؤمنين… هذا أكيد. غير أنّ الممارسة تكشف بسرعة عن حدودها. فالرّوحانيّة تعاش أكثر ممّا تدرك على الورق. في مجرى الماء هذا، يقوم أ. كونت- سبونفيل بالحفر للواثقين أكثر منه للشّكّاكين.

هذان المترافعان عن الإلحاد هما وريثا تاريخ طويل. ذلك أنّ مسألة الإلحاد تبدو مدوّنة في الجوهر بالذّات لتفكير فلسفيّ يعنى منذ العصر اليونانيّ القديم باستجلاء أسباب وجودنا. ديمقريطس مثلا الّذي كان يسعى إلى الحدّ من اليقينيات في العالم المعاين، أو أناكسيمندر الّذي حاول أن يفهم الكون عن طريق الملاحظة وليس باللّجوء إلى الأساطير، أو سقراط الّذي كان يرى أنّ الإنسان يستطيع بذاته أن يلد الحقيقة، هؤلاء جميعا كانوا قد عبّدوا الطّريق أمام المفكّرين الأحرار القادمين. وفي القرن الرّابع عشر، في عصر كانت فيه كلمة ملحد تحيل إلى ما هو ليس مسيحيّا ( بتعبير آخر، إلى جميع هؤلاء الهراطقة والمسلمين… الّذين لا ينتمون إلى الكنيسة)، سيميّز غيوم أوكهام بين الدّنيويّ والرّوحيّ، ويتخلّص من منطق الإيمان. وعلى عكس توماس أكوين الّذي كان يريد إلحاق المنطق بالإيمان، كان غيوم أوكهام يدافع عن أنّ الفلسفة في بحثها عن الأسباب لا يمكنها أن تكون بأيّة حال من الأحوال «خادما» لعلم الدّين: فلا وجود لأيّة صلة تجمع بين هذين الحقلين. ورغم أنّه من العجلة إجلال هذا الرّاهب بجعله رائدا للإلحاد، إلاّ أنّه فتح بضربة موسى (6)فتحة واسعة سوف يلجها أولائك الّذين سيشيّدون لاحقا مملكة العلم والأنسنة.


داروين وضربة جارناك:


الحكاية معروفة. فهي موقّعة بالأسماء الكبيرة لـ« شهداء » حرّيّة الفكر. بكوبرنيك الّذي يتمتم بأنّ الشّمس لا تدور حول الأرض، وجيوردانو برونو الّذي يصرخ بلا هوادة بأنّ الكون لا نهاية له، وغاليلي الّذي يدافع عن الفرضيات الكوبرنيكيّة ويثبتها قبل أن يتراجع عن كلامه. ملحمة حرّيّة التّفكير هذه، الّتي ينتسب إليها بعض الملحدين اليوم، تمتزج مع مسيرة المعرفة الايجابيّة الّتي تبحث عن الانعتاق من غلّ الكنيسة، ومع إرادة التّفكير بحرّية الّتي يجسّدها سبينوزا ومونتاني …Montaigne فعلى خلاف قسّ يدعى مسلياي Meslier كان منذ القرن الثّامن يستنكر زيف الأديان، فانّ هؤلاء ليسوا ملاحدة بأتمّ معنى الكلمة. لأنّ كونهم الذّهنيّ يظلّ بطريقة ما مصبوغا بالمقدّس. غير أنّهم يؤسّسون لهذا الفكر الّذي سيفقد الكنيسة سيطرتها الّتي كانت تمارسها على المجتمع. وهنا، يقسو اللاّعن م.أونفراي في الأثناء على « التّأليهيين» ومنهم دينيس ديدرو وفولتير الذين يتّهمهما مع غيرهما بأنّهم كانوا حفّاري قبور « للملاحدة الحقيقيين » أمثال القسّ مسلياي أو البارون هولباخ أو لودفيج فيورباخ.

يأتي بعد ذلك رسول اليوم المدلّل لدى الملحدين، نيتشه، مؤكّدين على رغبته الّتي أفصح عنها ( مبكّرا ؟) في موت اللّه. أمّا كتابات ماركس، فهي تلغي فكرة أنّ مجتمعا ما أو تاريخا ما لا يمكنهما أن يكونا إلاّ دينيين. وبدوره، يوجّه شارل داروين من خلال نظريّته في التّطوّر، ضربة جارناك Coup de Jarnac غير المتوقّعة لمناصري القراءة النّصّيّة للتّوراة. وقد تحوّل كبار من العقول العلميّة مثل بول روكا ومارسلان بارتيلو إلى الإلحاد.


القول بالإلحاد اليوم يمكن أن يعاش بطريقتين. فقد يتعلّق بفعل نضاليّ يطالب باستئثار الأنوار، ويجعل نضاله في تناغم مع الدّفاع عن اللاّئكيّة، ويضع من العقل الضّديد اللاّزم للظّلاميّة الدّينيّة. هؤلاء الملاحدة، المفكّرون الأحرار، يعتبرون أنفسهم المبشّرين بالحداثة وسيرفعون م. أونفراي إلى الأوج. أمّا الملاحدة الأقلّ التزاما، وهم أكثر كتمانا وربّما أكثر عددا، فسوف يجدون عند أ. كونت- سبونفيل الحجج الّتي ستمكّنهم من الإجابة على هذا السّؤال الفاضح «ولكن، كيف بمكن أن نكون ملحدين؟». بيد أنّه حين ينتهي الحديث بصوت خافت، لا بدّ من الإقرار بأنّ الرّوحانيّة الملحدة، إن كانت ممكنة، مازالت تنتظر البناء. وعلى كلّ حال، سيتّحد ملحدو الصّنفين في الرّأي حين سماعهم م. أونفراي يقول في الخاتمة: «مازال عمل في الانتظار. وهو عمل كونيّ.»



الهوامش:
1- رئيس أمريكيّ يصطنع لنفسه صورة المؤمن المثال، وزميله الفرنسيّ يلحّ على طول خطاباته على أهمّيّة الدّين باعتباره منبعا للأخلاق، وزير أوّل بريطاني سابق يعلن تحوّله إلى الكاثوليكيّة.
2- ج.كريستيفا ، « هذه الحاجة العجيبة إلى الإيمان »، بايار، 2007.
3- أ. كونت- سبونفيل، « روح الإلحاد. مقدّمة إلى روحانيّة بلا اله »، ألبين ميشال، 2006.
4- م. أونفراي، « بحث في اللاّلاهوت. فيزياء الميتافيزيقا »، غراسّاي، 2005.
5- أنظر الصّورة الّتي رسمها دومينيك ايرفوي( في كتابه « المفكّرون الأحرار في الإسلام الكلاسيكي »، ألبين ميشال، 1966.) عن هذا الأديب من القرن الثّامن ميلادي، وهو فارسيّ تحوّل إلى الإسلام « الّذي هيّأ الأذهان لفهم عقلانيّ للأشياء ».
6- موسى أوكهام Le rasoir d’Ockham ، أو مبدأ الضّرورة، يقوم على لزوم ألاّ يلجأ المفكّر إلى عدد من الفرضيات أكثر ممّا هو ضروريّ للوصول إلى برهنة معلومة. كان هذا الموقف في العصر المسيحيّ الوسيط هدّاما بدرجة كبيرة. فلو يطبّق هذا المبدأ حرفيّا، فبإمكانه أن يشكّك في وجود اللّه.
موران تاستو

ا Comment vivre sans dieu? ، Sciences Humaines.COM