الوهابية السعودية والإسلام الشامي (1)

لماذا سارعت السعودية وقطر إلى تسليح المتمردين في سورية بينما منعت سلاحها عن ثوار فلسطين طوال ستين عاماً؟ ولماذا بني في عهد حافظ الأسد العلماني سبعة آلاف جامع وأقيمت مئات المعاهد الشرعية؟ سؤالان يندغمان في جواب واحد..
يقال أن شكل الماء شكل الإناء، والدين كالماء أيضاً بالنسبة لحامله، وبالتالي نرى كيف أننا حظينا بإسلامات متعددة وليس إسلاماً واحداً.. ففي البداية تأثرت الدعوة الإسلامية بالثقافة البدوية، وعندما تدفق ماؤها شمالاً نحو بلاد الشام اكتسب سمات مدنية جديدة عبر عرب سورية المسيحيين الذين دخل الكثير منهم في الإسلام وامتزج بثقافتهم، الأمر الذي ساعد بتشكيل أول دولة إسلامية عربية على يد الأمويين في عاصمتهم دمشق، التي كانت تتدفق عبر أسواقها كل بضائع وثقافات الأمم القديمة، أضف إلى ذلك المناخ والمزاج الشامي المعتدل، حيث تم إعادة تصدير الإسلام الأموي إلى أرض مصر عبر جيش الشام الذي قاده عمرو بن العاص.. فدمشق بحضارتها العريقة هي من مهّد للإسلام لأن يصبح إمبراطورية مترامية الأطراف ويدخل في قلوب الأمم ليبقى فيها حتى بعد اندثار إمبراطوريته العظمى..
لكن، وبعد مرور اثني عشر قرناً على الرسالة المحمدية وتكوّن المذاهب الإسلامية الأربعة، ابتلى الله الإسلام بالوهابية التي باضها محمد بن عبد الوهاب في الدرعية واحتضن آل سعود بيضة الأفعى حتى فرخت وكبرت وزحفت شمالا مهددة بلاد الشام والعراق قبل قرنين من الزمان.. وعيب الوهابية أنها أخذت الجانب العسكري في الإسلام وحاربت ثقافته الروحية حيث لا تجد في قاموسها جملة (الرحمن الرحيم) وإنما فقط (شديد العقاب).. فمنذ عام 1804 إلى اليوم ومقاتلوا الوهابية السعودية يهاجمون دمشق ويحاولون استبدال إسلامها المعتدل بوهابيتهم المتطرفة مستخدمين كل الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد لاقوا في الأرياف والأحياء الأكثر فقراً وتعصباً تربة خصبة لمذهبهم،فراحوا ينشرون عقيدتهم فيها ، وليس أمام القارئ سوى العودة إلى مرشدنا (غوغل) ليتابع ما نشر عن الوهابية السعودية ليتأكد من أنها أسلمة دخيلة على الإسلام، لا ترقى إلى مستوى ما جاء به فقهاء المذاهب الإسلامية، غير أنها باتت اليوم تشكل خطراً على الأكثرية الإسلامية أكثر من الأقليات،خصوصاً أن حروبها لم تتوجه يوماً نحو الصهاينة بقدر ما استخدمت آلتها لقتل المسلمين.. وقد انتبه خبراء واشنطن للأمر، فجربوا استخدام هذه الطاقة الجهادية المدمرة في حربهم الباردة، إذ تم توجيه جهاديي الوهابية نحو أفغانستان أثناء مواسم الحج، حيث كان يعمل الشيخ عبد الله عزام على تجنيدهم (لنصرة إخوتنا ضد الكفار الشيوعيين).. وقد صدقت رؤية الاستخبارات الأمريكية، حيث تفكك المعسكر الشيوعي على يد الوهابيين، ولكنهم لم يكونوا يعلمون أنهم سيشعلون حربهم الخاصة هناك لإقامة (قاعدتهم) الوهابية التي سيعيدون انطلاقة (الإسلام الحنيف) منها نحو العالم.. وهكذا حولت واشنطن أعمال موظفيها من مناهضة الشيوعية إلى تطويع الوهابية بما يخدم تطلعاتها الإمبريالية في المنطقة العربية.
ثم جاء (الشتاء العربي) ببرده وناره، وخرج المقهورون العرب في ثوراتهم وفوراتهم غير المدروسة حيث يتحرك الشارع كذيل ديناصور بلا رأس يقوده، وراح يتخبط محطماً ما حوله، وهنا دخلت قطر على الخط الوهابي بدعم أمريكي- فرنسي، حتى أن الشيخ حمد عندما افتتح أكبر جامع في الدوحة سماه باسم جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي قال عنه في افتتاحه (جدنا مؤسس الدين) على اعتبار أن محمد بن عبد الوهاب يعود بأصله -كما أدعى- إلى بني تميم. وراحت قطر تنازع السعوديين على استقطاب السلفيين بالمال والسلاح والدبلوماسية، حيث دعمت الشيخ الوهابي راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي لاستلام (حكومة الثورة)، وفي ليبيا لا داعي لأن نذكر ما تعرفونه عن تعاون القطريين مع الإسلافيين على تدمير ليبيا وإبادة شعبها ودفعها نحو التقسيم، وهم ذاهبون نحو الجزائر لولا أن أعمالهم تعرقلت في سوريا حيث أرسلت سلفييها إلى أربعة أنحاء حدود سوريا لينتظرهم في (بابا عمرو) ما كان ينتظر أجدادهم الوهابيين قبل قرنين على تخوم دمشق.. ولكن ما علاقة ما تقدم بالرئيس حافظ الأسد وبناء الجوامع في أنحاء سوريا.
كان حافظ الأسد رجلاً استراتيجياً تستند رؤيته على قاعدة تاريخية أموية، عربية الهوى إسلامية التوجه، وكان يدرك أنه لايمكن لأحد قيادة سورية من دون هذه الثوابت وإلا أسقطه الشعب.. فالشعب والله، كما كان يردد، لا راد لقوتهما.. صحيح أن الأسد الأب كان معجباً بصلاح الدين الأيوبي محرر القدس، لكن زمنه الواقعي لم يفسح له أن يكون صلاح الدين، فصار معاوية الثاني، حيث لم يستطيع أحد في التاريخ أن يحكم بلاد الشام كمعاوية سوى حافظ الأسد. ولأنه يعرف أصول الحكم الشرقي وقاعدته الإسلامية الراسخة، فقد مد يده لعلماء الشام وتحالف معهم لمواجهة مد (الإخوان المسلمين) الذين تماهوا مع الوهابية السعودية بعد نكستهم على يد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث اشتغلت السعودية آنذاك ضد الوحدة ودعمت الانفصال بين دمشق والقاهرة، وكانت بداية التحالف الآيديولوجي الوهابي- الإخونجي على يد سيد قطب حتى أصبح كتابه (معالم في الطريق ) قرآن الجهاديين، من سعيد حوى في الشام مرورا بأيمن الظواهري في مصر إلى راشد الغنوشي في تونس.. بينما اشتغل الأسد بدوره على الإسلام الشامي بمذاهبه الثلاثة المعتدلة من دون الحنبلية التي كان أتباعها المتشددين أدنى إلى الوهابية نظرا لتأثر كليهما بتعاليم ابن تبمية وابن الجوزية.. وقد عاونه علماء الشام وغرفة تجارة دمشق للتغلب على (الإخوان الوهابيين) في ثمانينيات القرن الماضي .. وبعدما قضى على آخر فلولهم في سورية ولبنان، بدأ حركة استقطاب إسلامي خارجي لإعادة توجيه طاقته الجهادية ضد أعدائه التاريخيين، فتحالف مع الشيخ الخميني قبل أن يفجر ثورته، كما تحالف مع حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، ونجح في مسعاه كما لم يستطع أي رئيس عربي.. وهكذا لبد آل سعود إلى حين، خصوصاً بعدما فشل انقلاب رفعت الأسد المدعوم سعودياً ضد أخيه حافظ الذي وطد حكمه ونشر الاستقرار وفرض هيبته على أصدقائه قبل أعدائه.. يتبع.

نبيل صالح
(الجمل)