من يقود من؟!

في الثورات ولحظات الانعطاف التاريخية الكبرى، لا يصح أن يسير القادة وراءالعامة، والوعي وراء العفوية، مثلما لا يجوز للقادة التخلي عن العامة، أو للوعي إلغاء العفوية أو الاستغناء عن قدراتها التعبوية ومضامينها الشعوريةوالروحية.

في الثورات، من الضروري للعفوية أن تفعل فعل الوعي.. أن تملك الحدس القادر على معرفة ما يجوز وما لا يجوز.. ما يجب وما لا يجب. كما أنه من الحتمي أن يستطيع الوعي تحريك العفوية في الاتجاه الصحيح: نحو الهدف المشترك بين القادة والناس، الذي يحدده القياديون ويتكفل البشر العاديون بتحقيقه، متى اقتنعوا بصحته.

لكن العكس كثيرا ما يحدث في الثورات، فيكون القادة إما عفويين يفتقرون إلى الوعي، أو يحملون صفات تتناقض مع هدف الثورة العام، كأن تكون هي ديمقراطية،وهم استبداديون، أو أن يكونوا من الذين يقدسون أشخاصهم ويريدون فرض عبادتها سياسيا على غيرهم. عندئذ، تترتب على التناقض بين موضوع الثورة وذات القيادي مشكلات كثيرا ما تفضي إلى فشلها، أو أنها تضعها أمام معضلات تتخطى الوعي والعفوية بمعناهما الصحيح.. تأخذ الحراك الثوري نحو تشوه مضاعف: ذاتي يقوض العوامل الموضوعية، وعوامل موضوعية تبقى خارج متناول الذاتي. عندئذ، تبلغ الهوة بين الوعي والعفوية نقطة يتم عندها تقويض صحة الوعي وسلامة العفوية.

وتبلغ الأمور حد الكارثة، عندما يضع ما يفترض أنه الوعي ممثلا في قيادة سياسية ما، نفسه في خدمة العفوية، فيستمد منها معارفه ونظراته، ولغته وأهدافه، وشعاراته ومسائله، ويصل إلى حد يلغي معه نفسه أو ينحدر إلى درك متدن يوفق بين مستواه ومستواها، ويتطابق مع لاعقلانية حملتها. بما أن هذه الحال من سير الوعي وراء العفوية ليست نادرة في التاريخ، فإن كثيرين
يفسرون إخفاق الثورات أو تعثرها بحدوثها، ويرون فيها ظاهرة خطيرة تستوجب التأمل والدراسة، واتخاذ ما يلزم من تدابير لتفاديها. ثمة تجارب ثمينة قام بها مفكرون بارزون في هذا الصدد، سعوا من خلالها إلى دراسة العفوية
باعتبارها ظاهرة مجتمعية وإنسانية ذات أبعاد سياسية وثقافية شاملة وعامة،تمتلك بنية كثيرا ما تكون معقدة، بسبب تداخلها مع مجمل حياة الفرد والجماعة، بينما خصوا الوعي بدراسات نظرية وميدانية لا حصر لعددها، حاولوا فيها وضع يدهم على الحدود التي تفصله عن العفوية، وتلك التي ينقلب فيها هو نفسه إلى سجية تلقائية أو تلقائية واعية، إن صح هذا القول المتناقض الحدين، كي يمكن تحاشي نتائج الاختلاط بينهما وتغلب العفوية على الوعي أو إلغائه،علما بأن هذا الخطر يبقى ماثلا على الدوام، وأن تفاديه يتطلب وعيا دقيقا ومرهفا وحسا إنسانيا رفيعا ودرجة عالية من القدرة على فرز الأشياء والمسائل والتمييز بينها.

ومن يراقب ما يجري في عالمنا العربي، سيجد هذا الاختلاط، بسبب تدني وعي العامة، وغلبة دورها في حراك شعبي يفتقر إلى فهم موحد وقيادة مشتركة، نتيجة سنوات طويلة جدا من عزل الشعب عن الشأن العام، والمثقفين عن مصادر
المعرفة وميادين التطبيق العملي لأفكارهم. من هنا، كان من المتوقع رجحان دور العفوية في الثورة الشعبية الراهنة، وانسياق قوى سياسية لها تاريخ طويل في العمل العام وراءها، وكان من المتوقع أن تسقط في الخطأ،
وأن تردد ما تقوله الجموع، أو تتبنى ما تقبله من شعارات وأهداف، دون تمحيص أو تدقيق يطال صحتها وجدواها.

ثمة ظاهرتان مقلقتان هما:

* شروع القيادة السياسية، التي يفترض أنها تمثل الوعي أو درجة معينة منه،في الرهان على لا وعي الجماهير وعفويتها من أجل خطب ودها، وبالتالي قبول كل ما يصدر عنها دون نقد أو تمحيص، ومسايرتها باعتبارها «مرجعيتها
الشعبية»، التي كثيرا ما أضفى عقلنا السياسي ضروبا من القداسة عليها،تارة بذريعة أن صوت الشعب من صوت الله، وطورا بحجة أن للجماهير حدسا ثوريا فطريا لا يجوز الخروج عنه أو معاكسته، ما دام مجرد وجوده يتكفل بانتصار أية ثورة.. حتى إن كانت دون قيادة أو إرشاد.

* رضوخ جهات سياسية لـ«عصمة» الجماهير.. صانعة التاريخ، وتجاهل الحياة السياسية المنظمة باعتبارها ساحة نخب وأقليات. مثل هذه الجهات تظهر في
ساعات التحول، خاصة عندما تفقد القوى المنظمة رقابتها على قطاعات واسعة من الناس، أثناء لحظات الانعطاف التاريخي والتحولات المفاجئة. عندئذ تحدث
معظم حالات فقدان الاتجاه وضياع الوعي، وينزلق التطور نحو فوضى حقيقية تغذيها أدوار جماهير غير منظمة أو منضبطة بأية خطط أو أهداف واضحة.

لعل أسوأ حالات الانقياد للعفوية الشعبية تتمثل في وقوع هاتين الحالتين في آن معا، كما يحدث الآن في بعض حالات الحراك السوري، حيث تنقاد القيادة لعفوية الجماهير، وتخاف أن تخالفها الرأي في أمور حاسمة، بما في ذلك
الاستراتيجية منها، التي يتوقف عليها مصير الحراك. هنا، نحن في مواجهة وضع لا تغامر القيادات فيه بمخالفة «آراء وسياسات» الجماهير، أو بشرحها وتقويمها، ناهيك بالاعتراض عليها أو رفضها، علما بأن هذا السلوك يكلف
الجماهير أثمانا فادحة ويجعل تصحيح أخطائها، وبالأحرى أخطاء القيادة، مرتفع الثمن بصورة خاصة، مثلما حدث في حماه، عندما سكت الجميع عن سياسة إقامةالحواجز التي نصح بإقامتها شيخ جاهل لا في العير ولا في النفير، فكانت النتيجة مقتلة هائلة سقط خلالها شباب هم من خيرة من أنجبهم شعب المدينة، مع أن الجميع آمنوا بأن إقامتها مستفزة وغير مجدية، لكنهم لم يحركوا ساكنا حيالها.

لا يجوز أن تنقاد القيادة للعفوية الجماهيرية، ولا يحق لها مراعاة ما هو خطأ في نظرها وتقديرها. ومن الضروري والحتمي أن تبادر إلى تصحيح ما تراه من اعوجاج في فهم الأحداث وتقويمها، على أن تتحمل المسؤولية عن خياراتهاوقراراتها، وإلا كانت الجماهير أول ضحايا صمتها أو مسايرتها «للعصمةالشعبية» المزعومة.

من غير الجائز لمن يقود أن ينقاد، ولمن ينقاد أن يقود. وفي النهاية،ليست الثورات ألاعيب جهلة أو ضربات حظ، بل هي فن وعلم لا ينجح في امتحانهامن لا يتقن فنونها ويعي متطلباتها ويتابع تطوراتها، ومن يصمت عن أخطائهاخوفا من الجماهير!

ميشيل كيلو

(الوسط)