الألماس ...القصة الحقيقية


قصة مشوّّقة ماساوية ..تروي قصة هذا الحجر النادر وكم يسقط في سبيله من دماء وتنشب حروب , وعوض أن يكون مصدر ثراء للمناطق التي يعثر فيها , تتحول هذه لمنطقة صراع وجشع غير محدود ...
أدعوكم لمتابعة هذه القصة التي تضيء على الكثير من المعلومات بأسلوب شيق...
مقال ل: أندرو كوكبيرن
نشر في مجلة:National Geographic \2002
ترجمة :د.عدنان جرجس
في منزل صغير في نهاية شارع موحل في مدينة سوريمو النائية شمال شرق أنغولا بسط طوني كابينغل طيات ورقة ووضعها على الطاولة ودحرج عليها ماسة صغيرة شبه مربعة تميل للبياض وأضاف ثانية وأخرى إلى أن تشكل هرما صغيرا منها," دعوني أعلمكم شيئا عن حجارة الألماس فهي عالم مليء بالمفاجئات ":
كابينغل هذا مواطن يتحدث الفرنسية من (زائير) وقد جاء إلى أنغولا ليجرب حظه ,علما أن هذه المنطقة غير آمنة حيث تقع وسط منطقة يشتد فيها النزاع جراء الحرب الأهلية التي تدور بين الحكومة والمتمردين من جماعة يونيتا التي تحولت إلى حرب همجية .ففي الليلة التي سبقت زيارتي مع كابينغل كان هناك هجوما ودماء .
وعندما رآني كابينغل مهتما أرسل صبيا ليأتي ببعض المشروبات والصودا وقام بوضع ميزان رقمي صغير وطبق زجاجي شفاف وصفيحة ورقية بيضاء قرب هرم الألماس وقال وهو يحمل ماسة صغيرة :أعلم أن هذه بلورة كريستال لأنها ثمانية الأسطح .
ثم وضعها على الطبق ورفعها في الضوء : يساعدك هذا في اكتشاف العيوب والحكم على صفائها.
ثم قام برفع ماسة أخرى ليبين لنا كيف تساعد الصحيفة البيضاء في الحكم على اللون وتحديد نقائه وقال : هذا مانسميه الجليد (المجمد) .كان لون الماسة مطابق تماما للون الورقة . ثم التقط قطعة كبيرة رمادية باهتة وقال: هذا الصنف يسمى ماكبار وتزن هذه الماسة 30 قيراطا ولكنها أدنى جودة ولا تساوي الكثير.
ورغم اختلافها فهي تتمتع بخواص الألماس فهي قاسية لا يمكن خدشها إلا بماسة أخرى ,وكثيفة لدرجة تبطىء سرعة اختراق الضوء بنسبة الثلثين , وهي باردة تستمد الحرارة من لمسات أصابعك.
هذه البلورات قديمة للغاية , تكونت من الكربون تحت ضغط التيتانيوم والحرارة الهائلة في باطن الأرض , فقد وصلت هذه الحجارة التي بين يدي تحت أعمق طبقات الأرض لفترة وصلت لمائة مليون عام إلى أن ظهرت على السطح بنتيجة اندفاع بركاني سريع وهائل للصخور البركانية(كيمبرلايت9 وقد بردت هذه وعملت الأمطار والأحوال الجوية على الحت إلى أن تحررت حجارة الألماس لتستقر بين الحصى الموجودة في مجرى النهر .لتجد سعيد الحظ من المنقبين .
التقطت نصف دزينة منها وفركته بإبهامي فكان ملمسها ناعما وبنيتها ملساء زلقة .
ودار في خلدي سؤال لدى ملامستي لها , فهي في وضعيتها الحالية تبدو ثمينة لدرجة تبعث على الجشع وسفك الدماء , وبتحويلها من خام إلى جواهر تصبح رمزا للرومانسية والقوة والثراء .
والسؤال هو : لماذا يسحر ألألماس دون غيره الألباب ويلهب العواطف ؟

سمعت تفسيرات عدة,ولم يجب أي منها على سؤالي بشكل كامل
حتى إجابة المرأة التي أخبرتني سبب انتظارها في الطابور ساعتين تحت رذاذ المطر لرؤية معرض الألماس قائلة:إن رؤية الألماس هي أكثر ما يمكن أن يقرّبك إلى النجوم .
وهذا لا يعني أن الإغراء الطبيعي للألماس لا يعززه بشكل فاعل أولئك المستفيدون منه .
عندما شقت عصابة طريقها بواسطة بلدوزر ودخلت قبة الألفية في لندن عام2000 لسرقة ماسة وزنها 203 قيراط رحب رئيس المجموعة بعملية السرقة الفاشلة واعتبرها دعاية رائعة.
بالإضافة إلى دي بيرز هذه الشركة الجنوب إفريقية العملاقة التي تسيطر على تجارة الماس ,تمتد شبكة عالمية متشابكة لصيقة بهذه التجارة , وسيل الألماس الذي يتوزع عالميا ينتقل على مسار يسمى (خط سير الماس) الذي يعبر من المناجم إلى التجار إلى مصانع الصقل إلى صائغي المجوهرات إلى أعناق وأصابع الزبائن وهذه الرحلة تستغرق بين سنة وسنتين .
كان طوني مستغرقا في هذه الحصة التعليمية عندما قاطعنا وصول ثلاثة رجال , قام أحدهم ببسط صرة ورقة أخرج منها ماسة بحجم حبة الحمص , وعلى الميزان بان وزنها 3.5 قيراط (يعادل القيراط خمس الغرام) .
أعجبني ذلك كثيرا ولكن انطباع كابينغل كان أقل تأثرا إذ قال:إنها مؤلفة من طبقتين ) وكان الثلاثة يراقبون كل حركة يقوم بها , وأعطاني منظار التكبير لرؤية الطبقتين.
وقد حان وقت المساومة الآن , فتناول كابينغل آلة حاسبة صغيرة وسجل عليها السعر وهو 750 دولارا وسلم الآلة للمنقبين الذين قاموا بدورهم بدها إليه وعليها السعر الذي يطلبونه وهو 2200 دولار.
وظلت الآلة تروح جيئة وذهابا إلى أن انتهى المطاف بطرح سعر جديد من قبل الباعة وهو 1600 دولار بينما رفع كابينغل سعره إلى 900 دولار. وجرت المساومة في صمت مطبق .
وأخيرا نهض الثلاثة وهو يلوحون بأيديهم وبحوزتهم الماسة ,بادرني كابينغل قائلا :لن يحصلوا على سعر أفضل إينما ذهبوا .

بعد بضعة أسابيع على بعد 18 ميلا من شاطىء ناميبيا ,كان راندال بيكر يتفقد عمل لقمة مثقب الحفر الذي يسبر قعر المحيط على عمق 300قدم ,كان هدير الآلات يصم الآذان وهي تشفط 90طنا متريا في الساعة .
ومن حولنا كانت هناك أربعة أساطيل عائمة أخرى من المناجم العائمة التي تمولها شركة دو بيرز .
وبناء على الحسابات الإحصائية التي أجريت على عدد من الماسات التي كانت تنقل خلال المائة مليون سنة عبر نهر أفريقيا الجنوبية إلى البحر عن طريق نهر أورنج قام المركز الرئيسي بتحديد الرقم الذي يتوجب على سفينتنا أن تحققه كل شهر, وهو استخراج كمية تصل إلى 19000 قيراط أي بمعدل يزيد قليلا على 26 قيراط كل ساعة.
لقد كان بيكر والقبطان غراي أقل حماسا من كا بينغل إزاء هذا الكنز , فهم لا يرون الألماس بشكل فعلي أبدا , فتلك الماسات المحيرة التي تخرج مع الصخور تجري غربلتها في سلسلة عمليات من النخل والنبذ وآلات الأشعة السينية البعيدة عن تدخل الإنسان قبل أن تعلب وتنقل جوا إلى اليابسة.
قال بيكر بلكنته الأفريقية الثقيلة : فكرت في نفسي وقلت كل هذه التكنولوجيا التي تساوي ملايين الدولارات وكل هؤلاء العمال الذين يشتغلون ليست إلا من أجل شيء يخلو من أي أهمية جوهرية تماما . وعلق القبطان غراي وهو يصب لنفسه فنجانا من القهوة: الحمد لله على وجود النساء .
لعل الألماس هو الصديق الأفضل للمرأة .
ويمكن تفسير جزء من هذا الإغواء بعملية حسابية بسيطة:
إن كمية 120 مليون قيراط من الماس الخام التي تستخرج عالميا كل سنة تزن 24 مليون طن . أي ما يعادل حمولة شاحنة واحدة .
وهذه الكمية يبيعها المنتجون بقيمة تعادل 7 مليارات دولار وبما أن كلفة استخراجها تقل عن ملياري دولار فإن الأرباح تعتبر هائلة جدا .
وفي الوقت الذي يصل فيه الماس إلى الزبائن المنتظرين في نهاية خط الماس يفوق سعر حمولة الشاحنة هذه بعد تحويلها إلى ال 50 مليار دولار.
في الحلقة القادمة ..نمل أبيض يكتشف نبع الفلوس ..بداية الصراع مع الإغراء .. عذرا من الجميع للتأخر ,لانشغالي في سفر ,سأردعلى كل التساؤلات تباعا وإليكم الحلقة الثالثة :
اصطحبني ماهوي بنيامين معه إلى قعر منجم في بتسوانا , لقد اكتشف منقبو دوبيرز هنا في عام 1973 أنبوبا من صخر الكيمبرلانت ويعود الفضل في ذلك إلى النمل الأبيض الذي قام بشق طريق إلى السطح وتجميع العقيقي والألمنت وهي معادن تترافق مع ترسبات الماس .
والآن يستطيع هذا المنجم إنتاج ماقيمته أكثر من مليار دولار سنويا بكلفة تشغيل 90 مليون دولار.
عندما انحنيت لأعقد رباط حذائي ,خاطبني ماهوي بحدة :لا تلمس الأرض فإن ذلك ممنوع .
علما أنه اعترف أن فرص احتمال أن ألتقط قطعة ماس وسط بحر من الصخر لا يتعدى الواحد في خمسة ملايين , ومع ذلك فإن هناك صراع دائم مع الإغراء مما يزيد من عدد المناطق الأمنية وكاميرات التحكم وعمليات التفتيش . وقد شرح رئيس المجمع الأمر قائلا: إن أبسط الحقائق حول الطبيعة البشرية تقول إنه لو تمكن المرء من الحصول على الألماس لاحتفظ به.
إن الأسعار المصطنعة المرتفعة للألماس تعتمد كليا على مكائد مجموعة دوبيرز وهي اتحاد كارتل احتكاري , وعن طريق السيطرة على مخزون الألماس الموجود في أقبيتها في لندن.
رغم ذلك فإن المنتجين المنافسين اليوم يمرون بفترة نمو وازدهار . إن الماس الذي بحوزة كابينغل كما هو الحال مع كل مشتر قانوني آخر يتم شراؤه من قبل شركة يديرها ليف ليفيف وهو مقاول إسرائيلي تمكن خلال الثلاثين عاما التي مرت منذ ظهوره من غيتو طشقند من دحر مجموعة دوبيرز وإجبارها على التراجع بسرعة من أنغولا ويهدد بسحب البساط من تحتها إزاء سيطرتها على الإنتاج الروسي.
إن الألماس شكل من العملة فهو يدعم القروض ويسدد الديون ويدفع الرشاوي ويشتري الأسلحة ,لإن منروفيا على سبيل المثال تعتبر مركزا لمبيضي الأموال الذين يسعون لتحويل المبالغ النقدية المشكوك في أمرها إلى ماس يمكن نقله وبيعه في أي مكان بسهولة .

في إحدى ورش العمل في مانهاتن وقف بيرنشتاين وهو عامل صقل بارع ينظر بمنظاره المكبر عدة مرات على ماسة شبه مستطيلة كمداء, إن تقدير حجم وشكل المجوهرات المصقولة بعد قطعها من الماس الخام دون فقدان الكثير من المادة لذاتها هو جوهر الإبداع , فقد أمضى بيرنشتاين بصبر قرابة الشهر وهو يصوغ هذه الماسة وقولب وصاغ أسطحها الثمانية والخمسين لتعكس النور من سطحها وقلبها .
قال لي وهو يرفعها : هذه ماسة غير عادية ,لم يسبق لي في حياتي أن عملت على مثلها.
كانت الماسة ضخمة بحجم البيضة ويزيد وزنها على مئة وقيراطين وتعتبر أضخم ماسة خالية من الشوائب بيضوية في التاريخ.
تحدث مدير بيرنشتاين السيد غولد بيرغ إنها لطيفة على القرص الدوار , قد تصرخ بعض الماسات عند وضعها على القرص , لكن ليس هذه , إن الله معنا .
اشترى غولدبيرغ الماسة الخام عبر الهاتف من تل أبيب , وعندما وصلت خرج إلى مصطبة منزله لالتقاط الصور التذكارية معها و وكان أن قام أحد الرجال بالإستلقاء أرضا باسطا جسده كمخده بشرية إذا حدث وسقطت الماسة من يده .
إن الماسة البيضوية التي تكلمنا عنها كانت واحدة من أربع مجوهرات تم نحتها من الماسة الخام التي وصلت من تل أبيب . وحين سألته عن وزن الماسة الخام عند شرائها أجاب: "265.82" قيراطا . عندها فهمت اللعبة كلها واكتشفت سر هذه الماسة. قبل ثمانية أشهر في عام2000 كانت مجموعة من المنقبين تعمل بجهد في بلدة مبوجي-ماي في الكونغو . كان المنجم يشبه قرص العسل بسبب المهاوي الكثيرة , وكانت الأتربة تسحب ضمن سلال على حبال تنقل للسطح حيث تغربل وتغسل , وكان هذا العمل مضن ومحفوف بالمخاطر , عدا عن أن العمال كانوا يظلون أشهرا دون أن يتلقوا أجرا لقاء أتعابهم.
في نهاية شهر أيار , نزل أحد الحفارين إلى التراب وسحب ماسة ضخمة ذات وزن خيالي هو 265.82 قيراط. كان عمال الحفر عاقدين العزم إبرام صفقة مجزية لقاء ذلك.
وبعد مفاوضات رست البيعة على تاجر قصير في السابعة والثلاثين من عمره يدعى ألفونس كزانجي الذي لم يبح لي بالرقم الذي اشتراها به , ولعل ذلك يعود إلى أن قسما من الحفارين لم ينالوا حصة عادلة من الغنيمة.
واضطر لبيع قسما من ممتلكانه وشارك آخرين فيها , في ثقة منه أنه سيعوض ما استثمره , وبدأ البحث عن مشترين جدد , وقد أدى افتتانه بحجم الماسة وتقدير سعرها إلى 20 مليون دولار ..إلى بداية المتاعب .
في تشرين 2000 أعلن كازانجي أنه تم بيع الماسة لتاجر ألماني بمبلغ 17.9 مليون دولار وهذا سعر مبالغ فيه لدرجة أثارت دهشة البعض ممن يعملون بتجارة الماس .
وكان باستمرار في ردهة فندق في كنشاسا يحيط به العديد من الشركاء المتلهفين والعائلة والطفيليين .
وكنت أراه في الصباح واسأله هل وصلت النقود ؟ وكان يرد بثقة (اليوم تصل) . إلا أنها لم تصل أبدا .
مما حدا به إلى أن يقرر السفر إلى أنتويرب لبيع المساة , ولسوء حظه كان هناك لا عب آخر في الميدان .
ففي الوقت الذي تم فيه اكتشاف الماسة كانت الكونغو منشغلة في حرب أهلية وكان تمويل النزارع يأتي عن طريق الماس . وكانت الحكومة تعتمد على عائداتها من منجم مبوجي-ماي بمعدل 25 مليون دولار شهريا.
وكان الحلفاء العسكريون لها يسعون للحصول على مكاسب لقاء دعمهم عن طريق نيل أسهم في المنجم.
وكان المتمردون وجلفاؤهم من الجيوش الراوندية والأوغندية ينقلون الماس بأنفسهم خارج البلاد أو يفرضون ضرائب لقاء ذلك.
وقبل ذلك في شهر آب 2000 قام رئيس الكونغو" كابلا " الذي كان بحاجة ماسة إلى السلاح لبيع حق التفرد في شراء الماس في الكونغو لشركة إسرائيلية مقابل 20 مليون دولار شهريا.
عندها بدأ التجار المحليون بتهريب الألماس عبر الحدود للتهرب من الدخلاء الإسرائيليين والأسعار البخسة التي كانوا يدفعونها . إلا أن المسكين كازانجي كان معروفا ولا يمكنه الفرار دون أن يكتشف , وبناء على توجيهات كابيلا والشركة الإسرائيلية لم يأخذ كازانجي ماستع إلى انتويرب بل إلى تل أبيب .
ومقابل الماسة التي كان كازانجي يتوقع 20 مليون دولار لها بيعت في تل أبيب لغولدبيرغ بمبلغ 8 مليون دولار وهو سعر متواضع جدا.

حروب الماس ليست جديدة
ففي الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات كان تمويل طرفي النزاع يأتي من قبل التجار اللبنانيين والمهربين في حقول الماس في سيراليون .
وفي تلك الأيام لم تشغل مثل هذه الأمور بال من كانوا يعملون خارج تجارة الماس ولم يأبهوا لها حتى أن ظهور قائد الثوار الأنغوليين جوناس سافيمبي , في التسعينيات كممول رئيسي للماس الخام لم يحرك ساكنا رغم المذابح التي نجمت عن ذلك .
وفي عام 1992 عقب فشل معاهدة سلام مع الحكومة الأنغولية قام سافيمبي بإرسال قواته إلى وادي كوانغو الغني بالماس وفي السنوات السبع التالية استطاع بفضل جهود مائة ألف من الحفارين المستعبدين استخراج ما قيمته 4 مليارات دولار من الماس.
" إن الألماس كان لعنة على أنغولا فلولا ه لما استمرت الحرب كل هذا الوقت ." هذا ما قاله جيرماس وهو يقف على حطام مدينته (كيتو ) التي تحولت لأنقاض .
ولسنوات لم يكن هناك إلا شكاوي طفيفة من الأمم المتحدة وبضع سلطات حول دعم تجارة سافيمبي هذه , وعام8 199 دخلت منظمة غلوبال ويتس وهي جماعة صغيرة تعمل في البيئة وحقوق الإنسان-ميزانيتها السنوية 500 دولار , حيز النزاع . ونشرت تقارير وبيانات , تنتقد تجارة الماس ويحملها مسؤولية الشقاء في أنغولا.
ورغم كل ذلك لم تكت الحرب في أنغولا هي التي شهرت الماس "النزاع" أو الماس "الدم "...وهذا ما سأتابع سرده في الحلقة التالية ...ورغم ذلك لم تكن الحرب في أنغولا وإنما الأعمال الوحشية الشنيعة التي ارتكبتها مجموعة من المتمردين في دولة أفريقية أخرى هي من شهرت أخيرا الماس "الدم" .
وفي منتصف التسعينات وقعت أغنى حقول التنقيب في سيراليون في قبضة مجموعة من المتمردين تدعى الجبهة الثورية(RUF) بقيادة عريف سابق اسمه فودي سانكو .
عمل هو ورجاله حتى نهاية 1999 على تهريب الماس تعادل قيمته عشرات الملايين من الدولارات سنويا إلى خارج سيراليون.
وقد حافظت قوات الجبهة الثورية التي تتكون غالبيتها من الصبية المجندين بالإكراه ,على سيطرتها على عمليات التهريب وذلك ببث الذعر والرعب في نفوس السكان المحليين , وبطريقة إرهابية ومروعة .
كان جنود سانكو يأمرون الرجال والنسوة والأطفال بالإصطفاف ومد كلا الذراعين ثم يقومون ببتر أيادي الضحايا أو سيقانهم ووضعها في أكياس ويرحلون بها.
ومع انتشار التقارير حول الأعمال الشنيعة هذه, بدأ العالم الخارجي يعي علاقة الألماس بالأطفال ذوي الأطراف المبتورة .
وجاء في إعلان جريدة نيويورك بوست عام 1999 ما يلي:"إن العقد الباهر الذي تشتريه لشخص عزيز عليك من متجر أنيق , قد يذهب ريعه لتمويل النشاطات الإرهابية التي تقوم بها عصابة آكلي لحوم البشر في سيراليون".
وكما اتضح لاحقا فإن العملاء بدوا غير آبهين بكل ذلك , وأظهرت مبيعات عام 2000 أنها الأعلى بتاريخها.
ورغم ذلك أعلنت شركة" دوبيرز" أنها لن تشتري بعد الآن أية أحجار الماس من أفريقيا لا تأتي من المناجم التي تمتلكها بنفسها ."الألماس يجب أن يكون لائقا أخلاقيا فهو رمز الحب والعاطفة" هذا ما أخبرتني به الناطقة الرسمية باسم شركة "دوبيرز".
إن ربط الألماس بالحب كان لفترة طويلة المفتاح لاستراتيجية شركة دوبيرز, وكانت تعتمد على شعارها المشهور "الماس للأبد", الذي يجمع بين مفهومين متلازمين ألا وهما الحب الأبدي والقيمة الأبدية.
وقد تنفرد شركة دوبيرز في تحمل المسؤولية بشكل مباشر عن ترويج فكرة توقع أن تكون للنساء هديتهن التقليدية خاتما من الألماس , إلا أن الأساطير التي تربط الماس بالحب والإخلاص تعود إلى زمن بعيد.
حيث تملك الأحجار الكريمة في كل المعتقدات الشرقية قوة كامنة .
إن حجارة الماس التي تستخرج من المناجم في العالم كل سنة والتي يبلغ عددها حوالي 800 مليون ماسة تكون في معظمها صغيرة الحجم ولا يتعدى وزنها جزءا من القيراط, وهناك إعتقاد أنها لاتصلح إلا لأغراض صناعية مثل شفرات القص ولقمات الثاقب, وحالت تكاليف العمالة الباهظة دون تحويلها إلى مجوهرات .
ثم قامت في السبعينيات مجموعة من اليانيين , وهم طائفة هندية , في قطع وتلميع الأحجار الصغيرة هذه, ومع رخص الأجور قامت شركة دوبيرز بتفريغ مخزونها من القطع الصغيرة وإرساله إلى هؤلاء وكذلك فعلت الولايات المتحدة , وأوستراليا , وكذلك فعل يلتسين ببيع مقدار وافر من المخزون في روسيا لتمويل حملة إعادة إنتخابه رئيسا , وهكذا وجد هؤلاء الصنّاع في الهند الماس الخام وبدات البضاعة الهندية كما سميت أو "أحجار الماس البيضاء الصغيرة".
انتهى 

 

...