مذكرات كارلوس-3-

الثوري, الإرهابي, المتطرف وصفات أخرى أطلقت على كارلوس الذي جاب العالم منطلقا من بلده فنزويلا ليستقر مع الثورة الفلسطينية ويعلن إسلامه على أيدي مقاتليها... من سجنه الفرنسي يكشف كارلوس في هذا الحوار العديد من الخفايا ويؤشر العوامل التي دفعته إلى الإبحار في هذا البحر الذي لا تعرف أمواجه الهدوء
متى اعتنقت الإسلام وفي أي ظرف تم ذلك?
كان ذلك في شهر أكتوبر, تشرين أول ,1975 حين كنت أشرف على تدريب وقيادة مجموعة من الفدائيين الذين كانوا جميعا مسلمين, ضمن حملة عسكرية كنا نشنها ضد الصهاينة, في منطقة أفريقيا الشرقية, حيث لم تكن لنا سوى حظوظ ضئيلة في الإفلات من الموت. لذا طلب مني هؤلاء الرفاق أن أعتنق الإسلام, كي أرافقهم إلى الجنة, في حال استشهادنا خلال تلك العمليات, وتأثرت كثيرا بذلك, وكانت تلك بداية اعتناقي للإسلام, ثم تلتها بعد ذلك رحلة روحية طويلة وثرية..
هل تذكر أول مرة زرت فيها باريس?
نعم, كان ذلك في شهر أغسطس (آب) .1967 وجدت باريس خالية من الباريسيين (بسبب إجازات الصيف), وأغلب المتاجر كانت مغلقة. وبدت لي باريس جميلة رغم الجو الممطر ورغم اكتظاظ السياح عند المعالم التي تجب زيارتها. لقد أحببت هذه المدينة.
ما هي المدينة أو المدن التي أحسست فيها بالارتياح أكثر خلال مسارك الطويل?
لدي قدرة طبيعية كبيرة على التأقلم. كما أنني بطبعي أحب الناس كثيرا , لذا أحس بالارتياح أينما كنت . وإذا استثنينا مسقط رأسي (كاراكاس), فيمكن القول أنني أميل بشكل خاص إلى المدن التي عشت فيها قصص حب كبيرة, وهي: لندن, موسكو, بودابست, عمان, دمشق, باريس, وبيروت. وحين استعيد الذكريات, فإن جذوة الحب الأزلية تشتعل مجددا , وتغمرني بنارها الساحرة!
حد ثنا أكثر عن قصص الحب هذه التي توقظ فيك روح الش عر?
في حياتي العاطفية كلها, لم أعرف سوى 4 قصص حب كبيرة وحقيقية مع من يشكلن (نساء حياتي). ولقد عرفتهن أو عشت معهن في المدن السبع المذكورة. وكلما فكرت فيهن, تستيقظ جذوة الحب في أعماقي مجددا . وبالرغم من أنه لا توجد قصة حب تشبه الأخرى, إلا أنني احتفظ لهن جميعا بالعشق ذاته الذي ما يزال حاضرا في قلبي, في شكل مشاعر حب حارقة, مجردة, سخية ووفية. إنه عشق يكاد يكون قدسيا , وسيبقى خالدا , ولا يمكن أن تخبو ناره أبدا !
ما هي المدينة التي ستختارها للعيش فيها, لو أطلق سراحك?
كاراكاس.
كيف تتصور السيناريوهات المحتملة التي قد تؤدي إلى إطلاق سراحك?
باستثناء تدخل مفترض من قبل حكومة بلادي, للمطالبة باحترام حقوقي القانونية الأساسية, لا توجد وسيلة لإطلاق سراحي سوى القيام بعملية عسكرية دولية على نطاق واسع. ومادام العدو لا يحترم قوانينه ذاتها, فإن التوصل إلى تحريري عبر السبل القانونية ليس بالأمر الممكن. لكنني أواصل المعركة على المستوى القضائي فقط دفاعا عن المبدأ, ولأنني أحب ذلك.
صرحت قبل فترة, قائلا : (سوف يطلق سراحي, لكي يتم اغتيالي بعد ذلك). هل هذا مجرد حدس أم هو قناعة تستند إلى معلومات مؤكدة, ولماذا تتصور أنهم سيطلقون سراحك كي يغتالونك?
إنها قناعة نابعة من الاستنتاج التالي: حين باعني حسن الترابي للأميركيين, عبر وسطاء خليجيين, أوهمهم بأنهم سيتسلمون حطاما بشريا , وصو رني لهم مرتزقا في سن التقاعد, و(زير مومسات) مدمن على الخمور, وربما على المخدرات أيضا , لكن البوليس الفرنسي تسلم في مطار الخرطوم أسدا موثقا ومناضلا في قمة أدائه الثوري, يضع النظام القضائي والتعسفي الفرنسي المسلط عليه أمام وضع حرج ومحفوف بالمخاطر. لهذه الأسباب سوف ي طلق سراحي, وإما أن اغتال بعد ذلك أو أختط ف لكي أختفي نهائيا . وهذا ما يفس ر كل محاولات العدو الهادفة إلى دفعي أو تشجيعي على الفرار من هذا المخبأ الذي أوجد فيه وسط العزلة التامة, منذ 8 سنوات كاملة. وقد بدأت هذه المحاولات الاستفزازية منذ شهر سبتمبر (أيلول) .1994
حدثنا بالتفصيل عن محاولات تشجيعك أو دفعك إلى الفرار, التي سبق أن أصدرت محاميتك إيزابيل كوتان بيير بيانات للتنديد بها?
لقد أبلغت رسميا قاضي التحقيق الفرنسي, جان بول فالا, المكلف بالتحقيق في الدعوى التي رفعتها ضد الدولة الفرنسية بتهمة اختطافي ومحاولة اغتيالي, بعدد من المحاولات الاستفزازية الهادفة لتشجيعي على الفرار, كي يغتنم حرس السجن الفرصة لقتلي. وكانت تلك الاستفزازات قد بدأت منذ شهر سبتمبر (أيلول) ,1994 حين اقترح علي المحاميان الموكلان عني آنذاك, مراد أو صد يق ومارتين تيغران, عدة مرات وبإلحاح, شديد, أن أقبل بأن أتسلم منهما أسلحة خفيفة تتمثل في رشاشات كلاشينكوف ومسدسات وعبوات متفجرة وقنابل يدوية, من أجل تسليح 10 سجناءممن معي في سجن (لا سانتيه) والقيام باحتجاز رهائن, كي أتمكن من مغادرة السجن والفرار.وزعم المحاميان أو صد يق وتيغران, أنه تم تفويضهما لهذه المهمة من قبل الجنرال إسماعيل العماري (مدير الاستخبارات العسكرية الجزائرية). لكن هذه المؤامرة الاستفزازية كانت مفضوحة, ولم تنطل علي , لأنني فهمت أنها لا يمكن أن تصدر إلا عن البوليس الفرنسي, فمصالح الاستخبارات الجزائرية تتسم بمهنية عالية وفاعلية شديدة, ولا يمكن لها أن تقد م على مهازل من هذا النوع.
بعد ذلك حدثت استفزازات عديدة, ناجمة عن كون إدارة السجن تتعمد أن تضع دوما بجواري في قسم العزلة (جيرانا من نوع خاص). فهم إمام م خب رون يعملون لحساب الشرطة الفرنسية, أو هم من المساجين المتعو دين على محاولات الفرار المتكررة. وهناك حاليا إلى جواري عدة مساجين سبق لهم أن اشتركوا في محاولات فرار ضخمة عبر احتجاز رهائن, وباستعمال طائرات مروحية. وهؤلاء المساجين الذين يوضعون عمدا بجواري هم في الغالب من المنحرفين والمرضى نفسيا , الذين يشعرون بأنه ليس لديهم ما يخسرونه, فبعضهم مصابون بالإيدز والآخرون في حال نفسية يرثى لها, وشغلهم الشاغل إيجاد وسيلة للإفلات من الأحكام الصادرة ضدهم بالسجن مدى الحياة. وأكبر مؤامرة استفزازية تعرضت لها, بفعل تعم د وضع مثل هذه الفئة من المساجين بجواري, محاولة الفرار المزعومة التي تم تدبيرها, يوم 26 ديسمبر (كانون أول) ,2001 من قبل مجموعة مساجين كان على رأسهم السفاح (غي جورج) (سفاح فرنسي شهيراتهم بسلسلة من عمليات الاغتصاب وجرائم القتل ذات الطابع الجنسي).
وماذا حدث لك خلال عملية الفرار المذكورة?
في جناح العزلة الذي أوجد فيه, بسجن (لا سانتيه) هنالك 10 زنزانات يتوسطها رواق طويل. الزنزانات التي تحمل الأرقام: 2 - 3 - 4 - ,5 تطل كل منها على ساحة محاذية للجدار الخارجي للسجن الذي يبلغ ارتفاعه نحو 10 أمتار. أما الزنزانات التي تحمل الأرقام 6 - - 7 - 8 - 9 - 10 - ,11 والتي توجد على الجانب الآخر من الرواق, فإنها تطل على ساحة أخرى داخلية, تم تقسيمها إلى أقفاص مسي جة, مثلثة الشكل, يلق بها المساجين هنا بال- (كامامبير) (نوع من الج بن الفرنسي). وتستخدم هذه الأقفاص لنزهاتنا اليومية الانفرادية.
في فجر يوم 26 ديسمبر (كانون أول) 2001 قام غي جورج, نزيل الزنزانة (10), وكريم طاهر (الزنزانة 9), ولوران غاريل (الزنزانة 11), بتدبير محاولة فرار باستعمال منشار لقطع قضبان وأسيجة نوافذ زنزاناتهم. وبالإضافة إلى هؤلاء الثلاثة, كان موجودا يومها في جناح العزلة في الزنزانة 4 الجزائري عبد الحميد حكار, وفي الزنزانة 6 عسكري سابق من قدامى المجندين في (اللفيف الأجنبي) الفرنسي, مسجون بتهمة السطو, يدعى جويل كادوريه. وكنت أنا في الزنزانة .7 وفي الزنزانة 8 كان يوجد عادل مشاط, ممثل (الجماعة السلفية للدعوة والجهاد) الجزائرية.
من الذين اشتركوا في محاولة الفرار تلك, وكيف كانت مواقف بقية نزلاء جناح العزلة?
غي جورج, الذي تزع م محاولة الفرار تلك و لد من أب زنجي كان طباخا في الجيش الأميركي, ومن أم فرنسية من أصل يهودي بولندي. ورغم أنه لا يتجاوز الثامنة والثلاثين, إلا أنه يحمل سجلا إجراميا كبيرا , كونه تورط في جرائم ذات طابع جنسي منذ سن السادسة عشرة. وقد أدين باغتصاب وقتل 7 نساء. أما الشريك الثاني في العملية لوران غاريل, فهو فرنسي من أصل بوسني, سجن بتهمة ارتكاب عمليات سطو مسلحة. وأما الشريك الثالث, كريم طاهر, وهو بدوره مسجون بسبب ارتكابه عمليات سطو, فقد سبق له أن نظم عمليتي فرار اثنتين: الأولى سمحت له الإفلات من السجن في مطلع العام ,2000 والثانية مكنته من أن يفك أسر شركائه من السجن المركزي عالي الحراسة في (مولان) (جنوب فرنسا), باستخدام طائرة مروحية. وقد أعيد إلقاء القبض عليه بعد ذلك بأسابيع قليلة, وكان محبوسا في سجن آخر حيث أ ثيرت الشكوك حول احتمال تحضيره لمحاولة فرار جديدة. ولسبب مجهول, تم نقله بجواري في جناح العزلة بسجن (لا سانتيه) قبل 3 أيام فقط, ليكون في الموعد للمشاركة في محاولة الفرار المزعومة إلى جانب غي جورج ولوران غاريل. وطيلة تلك الليلة, حين كانوا يستعملون المنشار لقطع قضبان النوافذ, كانوا يحدثون ضجيجا ضخما . وكنا جميعا , أنا والمساجين الذين بجواري وحراس السجن أيضا , نسمع كل ما كان يجري. لقد كانت مسخرة كبيرة ومفضوحة!