سوريا أمة العقل

د.ادمون ملحم
‎ ‏
‏ ‏‏ ‏على مر الأزمنة والعصور كانت أمتنا سوريا أمة ‏العقل، أمة معطاء، خيرة، تعطي العالم العطاءات ‏السخية بدون حساب وتفتح له دروب الخير والتعارف ‏والتفاعل. توزع من حضارتها وأبجديتها ومعارفها ‏وتجازف بأبنائها ليكونوا رسل محبة وسلام ورواد ‏علوم ومعرفة. جاءت بالرسالات الإلهية الإنسانية ‏والفلسفات الإجتماعية والشرائع التمدنية ووزعتها على ‏باقي الأمم لتكون منارات لها على دروب الفضيلة ‏والعدالة والسلام. من رحمها ولدت المسيحية لتنسف ‏صنميتهم ووثنيتهم الخرافية ولتفجر ينابيع المحبة ‏والرحمة والقيم الجديدة ومن أرجاءها انطلقت المحمدية ‏لتكمل رسالة الإسلام ولتحطم ما تبقى من أصنام ‏وأوثان. ‏
وتاريخ أمتنا القومي السياسي الثقافي حافل بالمفاخر ‏والمنجزات الحضارية.. وما أكثر الآثار التي اكتشفت ‏في مناطق عديدة من بلادنا (مثلا في إيبلا ومارى ‏وأوغاريت وغيرها من الأماكن الأثرية) التي تظهر ‏إسهام أمتنا في الفكر الحضاري لا بل أسبقيتها على ‏العالم في استنباط المآثر الحضارية في كافة شؤون ‏الحياة ونشرها وتعميمها إلى سائر أصقاع الدنيا. ‏
فقد شهدت بلادنا أقدم الحضارات وسبقت باقي الأمم ‏في ممارسة الديمقراطية والمساواة بين البشر وفي ‏وضع الشرائع والقوانين في كافة الأمور وتطبيقها ‏‏(قانون أورنمو عام 2110 ق. م. وقانون لبت عشتار ‏عام 1930 ق. م. وقانون ايشنونا عام 1850 ق. م. ‏وتشريع حمورابي عام 1780 ق. م.) وفي ابتداع ‏العلوم والفنون وممارسة الطب والعمليات الجراحية ‏ومسح الأراضي وحفر الأقنية وجر المياه وتخزينها في ‏الآبار وإتقان الفنون الصناعية والخزفية وبناء القصور ‏والمعابد والحصون ونحت التماثيل واعتماد الثورة ‏وحروب التحرير والسعي الدائم لتحقيق وحدة جماعات ‏البيئة الواحدة في دولة مركزية قوية وإنشاء المدارس ‏والمعاهد التعليمية والمكتبات ووضع الفلسفات ‏الإجتماعية المتسلحة بالأدلة العقلية وممارسة مراسم ‏وطقوس دينية تحمل في طياتها تفكيراً روحياً ساميا ‏ودعوة الى المحبة والسلام. ‏
ويكفي ان نقول ان أجدادنا السوريين كان روادا في ‏العديد من مجالات الحياة. فهم اكتشفوا النار والمعادن ‏ودجنوا الحيوانات والنباتات وابتكروا الزراعة ‏واستصلحوا الأراضي واخترعوا الدولاب والمحراث ‏والآلات وانشأوا صناعات الفخار والخزف والأسلحة ‏والغزل والنسيج والأصبغة وبدأوا الكتابة التي طوروها ‏من التصوير الى المسمارية الى إختراع الأحرف ‏الهجائية التي علموها لليونان ومن ثم نشروها في ‏أوروبا وبقية العالم وأقدموا على دراسة الأجرام ‏السماوية فوضعوا التقاويم وأسهموا في تأسيس علم ‏الفلك وعرفوا التجارة ومارسوها في البر وفي البحر ‏وأنشأوا العملة والأوزان والمقاييس وكانوا السباقين في ‏طرح مشكلات فلسفية حول أصل الوجود وفي عبادة ‏الإله الواحد إيل أو بعل او اي اسم اخر نسبة الى ‏المنطقة الجغرافية ولهجتها.. ‏
وفي مراحل تاريخ أمتنا تأسست المدن-الدول التاريخية ‏كسومر وآكاد وبابل وماري واشور ونينوى وارام وانطاكيه وغيرها من المدن المزدهرة والمشعة ‏على من حولها وبرز في أوساطها العديد من القواد ‏والحكماء والفلاسفة النوابغ الذين كانت لهم أهداف ‏أساسية وإسهامات كبيرة في تاريخ الحضارة الإنسانية. ‏ومن هؤلاء القواد والعظماء نذكر، على سبيل المثال لا ‏الحصر، سرجون الآكادي الكبير موحد بيئته الطبيعية ‏لأول مرة في التاريخ والملك حمورابي العموري ‏‏(1792-1750 ق. م.) مؤسس الدولة المركزية ‏القوية وجامع الشرائع السورية الأولى في العالم ‏وموحدها في كتاب واحد. ونذكر آشور الذي امتاز ‏بعبقريته العسكرية ونبوخد نصر الكلداني الذي نقل ‏زعماء اليهود الى بابل في محاولة منه لصهر ‏جماعاتهم في البوتقة السورية. ‏
ومن المدن-الدول الفينيقية المنتشرة على الساحل ‏السوري الممتد من فلسطين في الجنوب حتى كيليكية ‏في الشمال، من عكا وحيفا ويافا وغزة وبيسان وأريحا ‏وصور وصيدون وبيروت وجبيل وطرطوس وأرواد ‏وجبلة وأوغاريت والاسكندرون وغيرها من المدن ‏والقرى انطلق السوريون يمارسون حياتهم البحرية ‏وينشرون ثقافتهم ومعارفهم في البحر السوري ‏المعروف بالمتوسط لينتقلوا في ما بعد الى آخر آفاق ‏المعمورة يكتشفون مجاهيلها ويملؤن أجزاءها المعروفة ‏والمجهولة بأمجادهم وعظماتهم ومحطاتهم ومدنهم ‏الجديدة لتكون قواعد إنطلاق حضاري توزع أنوارها ‏على العالم. ‏
انطلقوا من صيدون ليؤسسوا محطات تجارية في بلاد ‏مجهولة وبعيدة... فأظهرت الإثباتات الأركيولوجية ‏انهم وصلوا اميركا الشمالية والوسطى والجنوبية ‏وكانوا المكتشفين الأوائل لهذه القارة قبل كريستوف ‏كولومبس بقرون عديدة وقد تركوا فيها آثارا واضحة ‏وكتابات مدهشة نجدها على صخرة دايتون في ‏الولايات المتحدة الأميركانية وصخرة غافيا في ‏عاصمة البرازيل والصخرة العظيمة التي تسمى ‏بالحجرة المنحوتة في ولاية براهيبا البرازيلية وعلى ‏الصخور الواقعة على ضفاف نهر الأمازون والأنهر ‏المنصبة فيه كما نجدها في جبال الأندس وبطاح ‏الأرجنتين وفي لغة وعبادة قبائل التسندال في ‏المكسيك... ‏
وانطلقوا من صور بقيادة الأميرة الشجاعة أليسا ‏‏(اليسار) إبنة الملك ميتينوس وبنوا قرطاجة عاصمة ‏المجد وملكة البحار، تلك المدينة-الدولة الفينيقية التي ‏امتازت بالحيوية والبراعة والإبداع والتي حققت مرتبة ‏ممتازة من الرقي والتمدن والإزدهار في جميع الحقول ‏مكنتها من فرض سيطرتها على المستعمرات المغربية ‏ولعب دور حضاري في شمالي افريقيا وجزر البحر ‏وإسبانية وبريطانية وغالية ومن إكتساب صداقات ‏الشعوب وجعلهم حلفاء لها. ‏
وفي عاصمة المجد ترعرع هاني بعل ابن هملقار ‏العظيم وأعظم نابغة حربي في كل العصور وكل ‏الأمم، هاني بعل الذي أعلن الحرب على رومية وهو ‏في التاسعة من عمره والذي إجتاز جبال الألب الشاهقة ‏والمغمورة بالثلوج لينقض على عدوة قرطاجة التي ‏هالها ما رأته من براعة الفينيقين وانتشار حضارتهم ‏فطمعت بإحتلال ملكة البحار وبفرض سيطرتها على ‏بلاد حوض البحر المتوسط. هذا القائد القرطاجي الذي ‏رفض مصير الخنوع والعبودية وأختار درب القتال ‏ليرفع اسم قرطاجة عاليا تجسدت في مواقفه الأصالة ‏السورية وروح المواجهة والبطولة والصراع . ‏
ومن إحدى المدن على سواحل آسية الصغرى انطلق ‏طاليس الفينيقي (أول فيلسوف في العالم ويعرف بأبو ‏الفلسفة) إلى جزر بحر ايجه ليبشر بفكر فلسفي جديد ‏وليؤسس أول مدرسة فلسفية في تاريخ الإنسان فيتلقف ‏المجتمع اليوناني تعاليم هذه المدرسة الايونية ‏وروائعها الإنسانية والأدبية والفنية ليبدأ عهدا جديدا في ‏امتداد العلم الصحيح والإفتراضات المنطقية. ومن ‏اكتويوم في قبرص الفينيقية، انطلق معلم الحياة زينون ‏بن منسى السوري لينشر مبادىء فلسفته الرواقية ‏الإنسانية في اثينا وليعلم الفضيلة المطلقة والمواطنة ‏الكونية. ولقد كان لفلسفته الأخلاقية الجديدة أثر كبير ‏ليس على الفكر اليوناني فحسب، بل على الفكر ‏الروماني والمسيحي والإسلامي من بعده.